في كل مرة تدعو فيها إحدى النقابات أو أكثر للإضراب ، نجد اختلافا في الاستجابة لذى العمال والتي يمكن حصرها في ثلاثة أصناف :
1 - البعض يستجيب عن اقتناع لأنه صاحب مبدأ ويؤمن بدور النقابات في تحقيق مطالبه المشروعة ، والدود عن حقوقه ، مع عتابها أحيانا لأنها لأتبدل جهدا اكبر لتحقيق الأكثر، لكنه كثيرا ما يلتمس لها العذر أمام تعنت الحكومة أو كون الأوضاع غير مناسبة . هذا النوع تجده متحمسا للإضراب يعلق البيانات ويتصل بزملائه يعبؤهم شارحا لهم أسباب الإضراب وأهدافه التي لن تتحقق إلا بالمشاركة المكثفة وإنجاح الإضراب ثم إرغام الحكومة على الاستجابة لبعض المطالب أو كلها . وفي المساء يسال عن نسبة الإضراب وأي من المدن حققت النسبة الأعلى .. وفي اليوم الثاني يصافح زملاءه المضربين بحرارة وينقل إليهم نضال زملائهم في المدن الأخرى وفي نفس الوقت يتهم الآخرين بالجبن و اللامبالاة وأنهم السبب في تصلب الحكومة أمام المطالب المشروعة للطبقة الشغيلة ،وقد يجافي احدهم لأيام معرضا عن صداقته ، لكن تمر شهور ولم تستجيب الدولة لأي مطلب بل قد تخصم ذلك اليوم من أجرة المضربين فيحرج صاحبنا ويفقد الدليل والحجة للدفاع عن نقابته فينتقل إلى المكتب الجهوي يبحث عن الدليل فيسمع نفس الكلام ولا يجد سوى الكمون في انتظار محطة نضالية جديدة..
2 - الصنف الثاني ينزل إلى العمل ليس لان الملف المطلبي لا يعنيه بل ضدا على النقابات التي في زعمه باعت الماطش من زمان ، ولم تقم بدورها بل تتخذ من العمال ورقة تضغط بها على الحكومة لتحقيق مآربها الشخصية وللمقربين منها . فلعبتها أضحت مكشوفة تدعو إلى الإضراب لتبرير وجودها مع أنها متفقة مع الحكومة من تحت الطاولة ، يشهد بذلك تاريخا النضالي المزعوم الذي لم تحقق منه أي شيء، بل زادت الأمور سوءا تنتقل من سيئ إلى أسوا . هؤلاء يترحمون على أيام كانت فيها النقابات قوية لا ترقى إليها الشبهات ، تعمل إضافة إلى النضال من اجل مطالب العمال، على تأطير قواعدها والرفع من مستواهم الثقافي والنضالي والتوعية بحقوقهم ،لذلك تهابها الحكومة وتضع لها ألف حساب لانها تستمد قوتها وشرعيتها من القاعدة القوية التي تتداول مشاكلها وهمومها تم ترفع مطالبها إليها وتؤمن بأنها لن يكون مصيرها سلة المهملات ،وهي مستعدة دوما للتضحية في سبيلها ،وقد حققت الكثير. حينذاك كانت كلمة الإضراب تزعزع الحكومة وتخلق حالة من الطوارئ، الكل مستعد للأسوأ، فتعمل الحكومة مضطرة بكل جهدها لثني النقابات عن تنفيذه ، ولن تستجيب الأخيرة إلا بوعود مضمونة من الحكومة لتحقيق تلك المطالب .أما اليوم كما يقول هذا الصنف فإننا نسمع جعجعة ولا نرى طحينا . وآخر فصل من هذا الوضع الذي آلت إليه النقابات خروج الحكومة بإصدار بيان يتضمن بعض المطالب التي تفضلت بها الحكومة منفردة ، بعد جولات من الحوار الاجتماعي دون اخذ رأي النقابات المحاورة.. وما تضمنه البيان لا يلامس انتظارات العمال مما يعتبر إهانة للنقابات والاعتراف بعدم فاعليتها..
3 - النوع الثالث يجد في الإضراب نوعا من الراحة من العمل والراحة مكسب على كل حال ،وسواء تحققت المطالب أو لم تتحقق فلن يخسر المضرب شيئا .أما الاقتطاع من الأجرة فصعب لأنه يشمل الآلاف، وحتى لو نفذت الحكومة وعيدها وخصمت مدة الإضراب. فان يد الله مع الجماعة وإذا عمت هانت . فهذا اليوم يمكن أن يستغله للسفر إلى مكان قريب، أو يخرج مع خليلته إلى نزهة . أو يكمل بعض الأشغال التي لازالت تنظر ، واضعف الإيمان مشاهدة مباراة أو فيلم ،وختامها بنوم تتخلله أحلام لذيذة وكل تضريبة وفيها خيرة..
التعليقات (0)