مواضيع اليوم

درس في الشــكــل

خواطر مراهقة

2009-12-24 14:11:07

0

 أشار إلي حينما رآني  انشغلت عن درس الشكل  في حديث جانبي مع زميلي هشام

- اخرج إلى السبورة وباركا من الكلام

تيقنت من لهجته أن هذا اليوم لن يمر على خير، ،  فتلك عادته إذا رغب في تأديب احد التلاميذ  وقد  سبق لي  أن شكلت سطرا ونصف من النص

بسرعة استجمعت ما تشتت من ذهني ثم تناولت طبشورا اصفر. بدأت أولا  بالقراءة  .. تركني الاستاذ استمر   لغاية السطرين

وظفت كافة جوارحي في العملية اليد ترسم الحركات، والعينان تبحثان عن العلاقة بين عناصر الجملة ،والعقل يقارن بين   الكلمات ويسترجع ما فرط  عن القواعد أما الأذنان فقد انزاحتا إلى الوراء مثل أذني  الأرنب  لاستشعار ردود أفعال المعلم الغير محمودة ، خاصة إذا ارتكبت من الأخطاء ما هو معروف من القواعد بالضرورة      . كان دائما يذكرنا بدور العامل المؤثر في الجملة قد يكون ناسخا أو فعلا أو مبتدأ .. لكن أحيانا ابحث عن هذا العامل فلا أجده .  في بعض الأحيان ينتابني الفرح حين أجد احدها فاستشعر الزهو وما أن ارسم علامة الرفع أو النصب على الكلمة  حتى يذكرني   أن هذا العامل قد استوفى معموله . فأحس بعرق بارد ينزلق تحت عضدي، كما يرتجف قلبي متوقعا عقوبة قد تتجاوز اليدين إلى باطن القدمين . في كل مرة اخرج فيها إلى السبورة قلما تسلم نهاية إطرافي من الضرب .وفي اضعف الإيمان ركلة بواسطة صباطه (حذائه) الغليظ ، تحلق بي فوق المقاعد الأمامية ،أظل بعدها فترة  لا اقدر على الجلوس على المقعد . ومع ذلك فلن يتدخل احد لانتشالك من براثن المعلم ولو كان أبواك فهما يؤمنان بان طلب العلم مقرون بالعصا وأي منطقة تتطالها عصا المعلم لن تكتوي بنار جهنم . واذكر وأنا في المسيد (الكتاب)  أن  رجلا كان كلما دخل علينا يهرع إلى عصي مركونة بزاوية  فينهال علينا بالضرب من اليمين إلى   اليسار ولا يهدا الا بعد ما يرتفع عويلنا وصراخنا الممزوج بترديد ما علق على ألواحنا والفقيه يحثه بابسامة ماكرة للمزيد فضرب الاطفال  لحثهم على حفظ ما باللوح محمود ومؤجر عليه .لكم تساءلت  لماذا نضرب في المسيد   ثم  يتقرب باكفنا  عند الدعاء .

والذي يشفع لهذا المعلم انه لا يميز بين التلاميذ ولا يستثني أبناءه،  فكل من اخطأ يعرف الجزاء الذي يكون في الغالب أوفى،   حتى المجتهد من التلاميذ لا يسلم  من بركة عصا المعلم .

 ومع ذلك فقد عرفنا   قيمة هذا المعلم حيث أصبحنا نتفوق على أقراننا في الأقسام الموالية  في مادة الإعراب والشكل والإنشاء واكتسبنا ود بعض الزميلات اللائي يلجأن إلينا لمساعدتهن في  كتابة الإنشاء أو إنجاز التمارين ، كما صرنا نكتشف الأخطاء التي يرتكبها بعض أساتذة الرياضيات والعلوم  فننبه من نأمن شره ،ونخبر زملاءنا بما ارتكبه الآخرون..

ثم امتدت بنا الرحلة إلى المدرسة العتيقة حيث يركزون هناك على الدراسات النحوية والفقهية وجانب من الأدب .وكل من رام النهل من هذا المعين لابد له من حفظ متون : الاجرومية والزواوي ولامية الأفعال ثم ألفية ابن مالك . ولاحقا يحفظها مع الشرح، ثم يعرضها بحضور الجماعة على الفقيه –وما أدراك ما الفقيه الذي يهابه الجميع -. ومن العادات الحميدة الراسخة أنهم يحرصون كل يوم على قراءة حزبين"جزأين" من القرءان الكريم بالتتابع واحد بعد صلاة الفجر وآخر بعد صلاة المغرب  60 حزبا خلال الشهر . ولازالت   كل المساجد المغربية تتشبت بهذه العادة  و بنفس الترتيب بحيث لو سافرت إلى مدينه في أقصى الشمال أو الجنوب.. فستجد نفس الحزب... ولا يًكتفي بقراءة الحزب في المدرسة العتيقة فبعده مباشرة يشرع الفقيه في  إعراب الربع الأول منه  فيتهافت الطلاب للإجابة مقرونة  بادلة وشواهد من الاجرومية والزواوي والالفية.  وهكذا يتمكن الطالب   بعد أعوام إلى التشبع باللغة العربية وفنونها . لهذا نجد المغاربة يحرصون على ضبط نهايات الكلمات كتابة و  حديثا . فترى المحاضر أو الخطيب لا يمر على الكلمة دون أن تنال حظها من العلامات . ويتراجع مستدركا ما يقع فيه من اخطاء .بينما نجد  الكثيرين لا يتورعون في تلويث الكلمات بما يقذفونه من أفواههم  من حركات تسقط حيثما اتفق وتشوه الكلام وقد تذهب بمعناه . بل إن هناك من نادى بتخفيف اللغة وتحرير الكلام من علامات الرفع والنصب والجر مع الاقتصار على التسكين –سكن تسلم-  ومنهم من تطرف فدعا إلى العامية بديلا عن أي تعقيد لغوي..

اما جيل المتعلمين حاليا فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم  لا يفرقون بين أنواع الكلمة الفعل عندهم اسم والاسم فعل وهلم جرا. أما الإعراب فهم كحاطب ليل أحيانا تجد عندهم الفاعل متبوعا بالخبر وحينا يصبح الفعل الصحيح من أخوات كان.. تتمنى أحيانا ألا تمتحن ابنك ابنتك    وتترك الطبق مستورا . والطامة الكبرى أنهم  يكتبون العربية بالحروف الفرنسية بل يتعسفون على الأرقام التي يخرجونها عن وظيفتها الحقيقية، فالرقم 3 تحولت بقدرة قادر الى العين  و 7 أصبحت حرف الحاء...

ألم يان  للتفكير في استراتيجية تربوية لانتشال  اللغة العربية الدرك الأسفل الذي آلت إليه ؟.. ورحم الله حافظ إبراهيم الذي استشعر منذ عقود أشراط هذه النهاية المأساوية  فنظم  قصيدته المشهورة :

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي وناديت قومي فاحتسبت حياتي 
رموني بعقم في الشباب وليتني عقمت فلم أجزع لقول عداتي 
ولدت فلما لم أجد لعرائـــســـي رجـالاً وأكـفــاءً وأدت بـنـــاتي
وسعت كتاب الله لفظاً وغــايــة وما ضقت عن آيٍ به وعظات 
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماءٍ لـمخـتـرعــات 
أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني ومنكم، وإن عـز الـدواء، أسـاتـي 
أيطربكم من جانب الغرب ناعب ينادي بوأدي في ربيع حياتي؟! 
أرى كل يوم في الجرائد مزلقاً من القبر يـدنـيـني بغـيـر أناة!! 
وأسمع للكتاب في مصر ضجةً فـأعـلــم أن الصائحـيـن نعاتي!!
أيهجرني قومي عفا الله عنهم إلى لـغــة لــم تـتـصل بـــرواة؟! 
سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى لُعَابُ الأفاعي في مسيل فرات
فجاءت كثوبٍ ضم سبعين رقعة مُشَكَّلَةَ الألـوان مـخـتـلـفــــــات
إلى معشر الكتاب والجمع حافل بسطت رجائي بعد بسط شَكَاتِي
فإما حياة تبعث الميت في البلى وتُبْنِتُ في تلك الرموس رفاتي
وإما مــمات لا قـــيــامــة بعـــده مــمات لعمري لم يُقَــسْ بممـات 

   




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !