اغتنت الساحة الإعلامية المغربية في الآونة الأخيرة بمجموعة من البرامج الجديدة التي تنوعت مجالاتها بتنوع الفئات المستهدفة منها
بهدف تجاوز الركود الذي عرفته القنوات المغربية بعدما بات المشاهد يأبى خوض غمار تجربة النقر على آلة التحكم و اختيار أيقونة
القناة الأولى أو الثانية أو غيرهما من قنوات السلسلة طويلة العدد _ قليلة الفائدة .
و لعل برنامج "المدام المسافرة" الذي أثار زوبعة و جدلا واسعا لدى المشاهدين ،على رأس البرامج التي راهنت عليها سياسة القناة
الثانية الجديدة في تعاطيها للقضايا و المشاكل الاجتماعية من منظور واقعي ، بشكل يرمي إلى احتكار نسب المشاهدة و القضاء على
المنافسة المنفية من قواميس الإعلام المغربي باعتبار أن هذا البرنامج المستقدمة فكرته في الأساس من برنامج أجنبي يقوم على مزج
الخبرات بين عائلتين عن طريق تبادل ربات البيوت لأسبوع كامل تتعاطى فيه كل أسرة على حدة لطريقة العيش من منظور الربة الجديدة
لتقيم الأوضاع في نهاية التجربة حيث يتم بذلك تبادل الخبرات و التعرف على نقاط القوة واكتشاف مكامن الضعف و الخلل ، و ليس على
الصيغة التي اختارت المخرجة الضيفة على الساحة الإعلامية المغربية تقديمها للشعب المغربي ، و التي اختزلت من خلالها قيمة برامج
الواقع في برنامج لا يمت للواقع بصلة .
البرنامج الذي خصته القناة الثانية بدعاية واسعة و حملات تنميق موسعة بهدف استهواء المشاهد و بعثه على التحولق كل يوم ثلاثاء
أمام التلفاز لتتبع مجريات حياة اسر في غياب الزوجات اللائي هن في الأصل أمهات لرضع و مراهقين ، أثار استياء جل الشرائح
المغربية حتى لا نعمم قائلين عامة الشعب المغربي فيعاب علينا من جهة من يروق لهم تتبع التفاهات و يثيرهم مجاراة الحماقة و الوقاحة
العلنية و على رأسهم الجهات المنظمة و الممولة للبرنامج الذي فقد رونقه منذ أولى حلقاته و التي خصصت للتعريف بالمشاركين في
تجربة السماح للزوجة بالاتجاه نحو فنادق فاخرة و مصنفة بمدينة النخيل في أسبوع عسل اركة وراءها مسؤولية زوج و أطفال و بيت
لرجل بنكهة المؤنث ارتضى لنفسه اقتسام أسراره و تفاصيل حياته الخاصة و روتينه الشخصي مع ملايين المشاهدين الذين لم يجدوا بدا
غير السخرية من ثيمة " الرجولة مسافرة " كما نعتها أحد المعلقين الكثر على فيديو لأحد حلقات البرنامج ، و التحسر على ما آل إليه
الإعلام المغربي الذي أصابه الشلل في ظل تفعيل سياسة "كور و اعطي لعور" ، فلا أهمية للجودة و لا لمعيار تقديم منتج إعلامي يناسب
الحضارة العربية الإسلامية و يحافظ على الهوية الثقافية المغربية / المهم هو تخصيص ميزانية "قد السخط" فقط للتعرف على كيفية
ارتباط المشارك بزوجته بعد قصة حب أو جدال ، و ما كان رد فعلها حينما كان يتربص بها في الشارع وفق تواتر لأسطورة عشق
يعود تاريخها لأكثر من عقد من الزمن على الأقل .
"مدام مسافرة"أو برنامج الواقع كما تحبذ القناة الثانية تسميته بالرغم من تحفظي على النعت لان هذا النوع من المنتجات الإعلامية
يتسم بجدية أكثر و إثارة أكبر و فائدة أسمى ، و ليس كما هو الحال بالنسبة لتجربة لم تكسب الساحة الإعلامية غير تحمل صفة الفشل
الجديد في تغطية العجز الذي لحقها إبان سياسات مغرضة ترمي إلى تضليل المغاربة عما يعيشه العالم من تطور في شتى المجالات و
تكييفهم على روتين انتظار سهرة يوم السبت و فيلم الجمعة دون السماح لهم بالخروج عن إطار هذا التقوقع و البحث عن فهم الحياة
السياسية التي تتغاضى عن برمجتها القناة الثانية خارج أوقات الانتخابات أوالاستحقاقات التشريعية ، طبعا حتى لا تفقد الجزء المتبقي
من مصداقيتها التي تسير في طريق الانفلات و الانحدار نحو الهاوية - أو اكتشاف ما جد في العالم الشبابي من أفكار و مضامين بصيغة
الحداثة بعيدا عما استتر من حقبة المسؤول الفلاني أو السلالات العلانية التي يستمر الحديث عنها و عن أمجادها و ماأسدته للدولة من
خدمات و انجازات و كأن المغرب لم يكن له أن يسجل مكانته على الخارطة العالمية دون انتماءها إليه .
لعل أي برنامج بلا هدف و يسير على منهجية مالا نهاية من المصالح كان له أن يؤول إلى نفس مصير المدام مسافرة و غيرها من
البرامج التي يقرر تقديمها عل خلفية تقليد جهة تفوق المغرب من الناحية المادية و البشرية و الفكرية و الثقافية، فمساعدة الرجل
للمرأة في المنزل أمر ليس بالغريب أو الدخيل على المجتمع المغربي، فالعديد من الأسر تنهج نفس المنوال ليس تنقيصا من قيمة الرجل
أو إهانة لرجولته و إنما إيمانا بالتضامن والتكافل الأسري في سبيل امتلاك أول مفاتيح السعادة، و اقتسام الأدوار ما بين داخل و خارج
حدود المنزل بين الزوج و الزوجة لم ينبثق إلا من منطلق تقديس الحياة الزوجية و احترام تموضع المسميات ، و إحساس الفرد بقيمة
شقيقه في الحياة لا يقتضي بالضرورة الظهور أمام عدسات الكاميرا المتطورة في تجربة غير متطورة ليدرك أهمية المرأة باعتبارها
زوجة و أما و رفيقة درب كاشفا بذلك كل ما يدور في فلك علاقته بزوجته في حوارات لا يجدر أساسا تداولها خارج عش الزوجية عسى
أمام الملأ .
الحديث عن واقع المغرب القح رهين بتقديم حياة الأسرة المغربية البسيطة بجوهرها الحلو و لبها المر، يتطلب طرق أبواب مواطنين من
لبنة الشعب في استفسار عن العفوية و الإيقاع البيولوجي الذي خلق عليه الساكن البيضاوي على غرار شتى ساكنة المناطق المغربية ،
و ليس مجرد سيناريو تمليه الجهات مقررة البرنامج فيتم ترديده بحذافيره و كأن المشارك يتقمص شخصية في مسلسل "المدام مسافرة
" الذي جاءت حلقاته جافة المضمون،باهتة المغزى عديمة الفائدة اللهم بعض الابتسامات المكللة بتعقيبات على سلوك الأسر المشاركة
من لدن أغلب من تتبع البرنامج على أمل تحسن إيقاعه في حلقة قادمة فجاءت النهاية فاشلة دون أن تكون في الأصل أي بداية ناجحة .
التعليقات (0)