واعلم يا رسول الله انه قد كان ابي ملكاً وكنا نازلين على قدر أربعة فراسخ بعيداً منه فاراد ان يقربه هذا الملعون فابى عنه يا رسول الله فقتله وقد اختاروني للملك بعد أبي واطاعوا أمري وحكمت فيهم كما اريد ومكثنا مدة من الزمان واعلم يا رسول الله أنه كان لي اربعة بنات كأنهن الأقمار فائقات في الحسن والجمال والبهاء والكمال فزوجتهن لأمراء قومي وكانوا أحسن العرب وكانوا يوقروني ويرفعوني بأعظم مكان ويخشون سطوتي لما يعلمون من شدة بأسي وقوة مراسي ففي بعض الأيام وصلت الينا اخبارك ومعجزاتك وماظهر لك من الأنوار وما شاع لك من الآيات القرآنية والاسرار الربانية والمعجزات الباهرة والكرامات فلما تحققت ذلك يارسول الله آمنت بك وبرسالتك مع أني ما نظرتك ثم جمعت قومي وأهلي وعشيرتي وعرفتهم بإسلامي وعرضت عليهم الاسلام فاسلموا وأقمت الاسلام بيننا جهراُ وقد وصل الخبر الى عدو الله رأس الغول فغضب علينا وأرسل رجاله الينا وأمرهم أن يأمرونا بعبادة الاصنام والأوثان ودين الشيطان فلما نزلوا علينا يارسول الله وأعلمونا بذلك الهوان غضبت انا من سماع ذلك الهذيان فاغلظت عليهم الكلام فارسلوا وأعلموا ملكهم رأس الغول بذلك الأمر فلما بلغه الخبر ارسل الينا الجيوش تحت الظلام فقتلوا الرجال وذبحوا الاطفال ونهبوا الاموال فكانت الرجال تنادي وامحمداه والبنات تنادي وافضيحتاه وقد وضعونا في السلاسل والأغلال وساقونا الى عدو الله وأوقفونا بين يديه فلما رآنا زعق علينا زعقة عظيمة اذهل بها كل من كان حاضراً من الأبطال ثم وثب من مكانه وخطف بناتي وازواجهن وذبحهم كما يذبح الغنم وانا انظر بعيني ثم انه سجن باقي الرجال ووكل بهم من يعذبهم اناء الليل واطراف النهار ثم قال لي ويحك من اغراك بهذا الدين الذي دخلت فيه وما أغنى عنك شيئاً فارجعني الى دين أبيك وجدودك وانا اطلق لك باقي رجالك واخلي سبيلك فلما سمعت منه ذلك الكلام صار الضيا في وجهي ظلام لأنه حل في قلبي دين الاسلام وعبادة الملك الديان فقلت الويل لك ولأبيك واجدادك الذين يعبدون الأحجار من دون الملك الجبار أتعيدني الى عبادة الأصنام بعد ان هداني رب الانام واقررت لله بالوحدانية وللنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة فكيف ارجع الى دين لايرضى به إلا كل ناقص عقل وأنني وحق نبينا لا أرجع الى دين الاسلام ولا أحيد عنه فأصنع بي ماشئت فاني صابرة على قضاء ربي ولو قطعتني إربا إربا فلما سمع الملعون مني ذلك الكلام امتزج بالغضب وطغى وتجبر وشخر وشتم الشمس وسب القمر ثم امر باخراج من بقي في السجن فذبحهم كما يذبح الأغنام ثم قال وحق اللات والعزى الهبل الكبير إن لم ترجعي الآن عن دين محمد لأقتلك فلما سمع مني ذلك الكلام اطلق سبيلي بعد ان قطع ذوائبي وعلقها في عنقي وعلق بناتي في عنق بعيري وقال لي سيري الى محمد ابن عبد الله وقولي له يأتي بالفوارس والرجال والابطال وإني قد اتيتك يارسول الله وأخبرتك بما قد جرى ونحن حامدون الله تعالى على ما أصابنا ولا نغفل عن ذكر الله ولا عن ذكرك وانا مستجيرة بك فخذ بثأري واكشف عاري ثم أنشدت تقول :
ألا يا رسول الله يا خير البرايا === ويا حاوي الفضائل والغطايا
ادركني اجرنـــي قبل موتــــي === فما تبقى العــــداة لنا بقـــايا
تفانت اهلنا بالسيف جهــــــراً === واولادي البنات عادو سبايا
وبعد السبي ذبحهن ظلمــــــاً === ولم يخشى وقوعاً في رزايــا
فبادر يا رسول الله نحو حيهم === وحكم فيهمو سيف المنايـــا
عليك صلاة من الباري دوما === ماغرد القمري صبحاً أو مسايا
قال ابن عباس رضي الله عنهما فبكى النبي صلى الله عليه وسلم وبكى المسلمون ثم قال لها طيبي نفساً وقري عيناً وانصرفي الى الغد فأنصرفت العجوز الى حالها ثم قال لأصحابه من يعرف هذا الكافر المعروف برأس الغول فقام اليه عمرو بن أمية الضمري وقال يا رسول الله انا اعرفه واعرف بلاده واعرف واديه فقد كنت قبل الاسلام لا أعرف حلالاً ولا حراماً وكنت اغير على العرب وانهب كل جواد سابق منتخب فرحلت من بلادي الى واد متسع يقال له وادي الزهرية فنظرت الى تلك الربوات المخضرة بجميع الأعشاب والفواكه وهي متسعة الجنبات مملوءة بالرجال وهم كأنهم الأسود الضواري ونظرت الى فوق وجمال واناس لا يعلم عددها إلا الذي خلقها فسألت بعض الرعاة لمن تكون هذه الديار فقالوا إنها للملك المشهور شهاب الخثعمي وله ولد يسمى مخارق الملقب برأس الغول وهم سادات بني خثعم وهم أقوى العرب وأشدهم نخوة وأكثرهم ضيفاً ثم قالوا لي من أنت ومن اين اقبلت والى اين تريد فقلت لهم انا من بعض قبائل العرب قد خانني الدهر والزمان ولم يبق لي ملجأ ولا أمان وقد عزمت على بلاد الملك شهاب الخثعمي
فقالوا لي ادخل اليه لعلك تنال منه ما تريد. هذا والله أعلم
يتبع الى الجزء الثالث أنتظرونا ولكم تحياتي
التعليقات (0)