مواضيع اليوم

هل أصبح الطريق ممهداً لـ"السلفيين" لممارسة السياسة؟

عمر غازي

2011-09-25 20:57:09

0

 هل أصبح الطريق ممهداً لـ"السلفيين" لممارسة السياسة؟

بقلم: عمر غازي

ليس الغريب هو التحول من الرفض القاطع للعملية للمشاركة في العملية الديمقراطية والانخراط في السياسة وتكوين الأحزاب فلكل مرحلة توجهاتها وظروفها التي تناسبها، لكن المهم هو دراسة المنطلقات التي استند إليها السلفيون في اختيارهم العزلة السياسية في الفترة التي سبقت ثورة 25 يناير من خلال كتاباتهم التي اكتنفها الكثير من المخاوف من المفاسد الناتجة عن انخراط السلفيين في الحياة السياسية في تلك الفترة، ومقارنتها بالخطاب الجديد الذي أعقب سقوط نظام الرئيس مبارك وحزبه الحاكم للوقوف على أرض خصبة يمكن من خلالها الحكم على مقدار التغير ومبرره وثوابته أو تناقضاته.

يقول الدكتور ياسر برهامي في حوار له مع موقع الإسلاميون عقب الثورة المصرية لم نكن بعيدين عن الحياة السياسية ، كان لنا مواقف محددة من كل القضايا ، من حرب الخليج الأولي والثانية ، الحرب ضد العراق وأفغانستان ، قضايا فلسطين ، لو رجعت لأدبيات الدعوة وما نشر في " أنا سلفي " تجدها ، كنا عازفين عن المشاركة في العمل السياسي ،وهناك عدد كبير من الناس لم يشارك وهناك عدد كبير شارك في الاستفتاء لأول مرة ، ويقول أيضا في مقال نشر عام 2007م: .. وهذا لا يعني خلو الخطاب السلفي من السياسة، بل الخطاب السلفي يتناول السياسة الشرعية من جهة التأصيل العلمي العقدي الذي يعرف عند السياسيين بالايدلوجيا، وهي أهم مما سواها من المنظور الشرعي والمنظور السياسي على حد سواء.

ومن خلال استقراء دقيق لمقالات الشيخين ياسر برهامي وعبد المنعم الشحات المنظرين الأبرز للدعوة السلفية بالإسكندرية واللاتي كتبت خلال الأعوام الأخيرة وقبل اندلاع الثورة المصرية نلاحظ اهتماما كبيرا بمتابعة التطورات السياسية والاكتفاء بالجانب التنظيري بالرغم من ايثارهم عدم المشاركة كغيرهم من مشايخ المدرسة السلفية بالإسكندرية وهي سمة تميزها عن السلفية التقليدية التي تمثلها جماعة أنصار السنة المحمدية، ويمكننا حصر المخاوف المتعلقة بالدخول في العملية السياسية فيما يلي:

1- تقديم التنازلات:
كتب الشيخ عبد المنعم الشحات مقالا عام 2010 ينتقد فيه الإخوان المسلمون لموقفهم من العمل السياسي ومما جاء فيه: تحتاج الجماعة إلى مراجعة موقفها من العمل السياسي، ومدى تأثيره على العمل الدعوي، لا سيما في ظل التنازلات التي تـُطلب فيه، وكذلك تحتاج الجماعة أن تتقي الله في الاتجاهات التي ترى عدم مشروعية الانتخابات، ونتمنى أن تختفي من قواميسهم عبارات: "خيانة الأمانة"، و"كتم الشهادة"!! ونحوها من الأوصاف التي ينعتون بها من أدَّاه اجتهاده إلى عدم المشاركة في اللعبة السياسية، بينما الجماعة قاطعت الانتخابات أكثر من مرة بدعوى عدم جدوى خوضها، وها هي الجماعة تشهد انقسامًا عنيفـًا سببه الرئيسي إيقاف قاطرة الاندماج السياسي التي يقودها جيل السبعينيات.
ويقول الشيخ عبد المنعم الشحات في مقال آخر بعنوان "السياسة منزلق الإسلاميين إلى العنف" نشر عان 2007 : وقد مضى أصحاب هذا الاتجاه في طريقهم غير مبالين بالنقد الموجه لهم من سائر فصائل الصحوة، والذي تفاوت بين التحفظ إلى الرفض التام الذي كانت حدته تزداد كلما ازدادت التنازلات التي قدمها أصحاب اتجاه الحل البرلماني.
ويضيف: وقد تكون الاستفادة (يعني استفادة الغرب) هي كم التنازلات التي يقدمها أصحاب هذا الاتجاه من إخضاع الإسلام للحضارة الغربية تحت مسمى تجديد الدين.
ويؤيد برهامي هذا التوجه فيقول مبررا اعتزال السلفيين العمل السياسي في مقال نشر عام 2007 بعنوان (المشاركة السياسية وموازين القوى): يختار السلفيون الإعراض عن المشاركة في اللعبة السياسية؛ لأن معطيات هذه اللعبة في ضوء موازين القوى المعاصرة عالمياً وإقليمياً وداخلياً لا تسمح بالمشاركة إلا بالتنازل عن عقائد ومبادئ وقيم لا يرضي أبداً أحدٌ من أهل السنة أن يضحي بها في سبيل الحصول على كسب وقتي، أو وضع سياسي، أو إثبات الوجود على الساحة، فهذه المبادئ أغلى وأثمن من أن تُبَاع لإثبات موقف أو لإسماع صوت بطريقة عالية، ثم لا يترتب على هذه المواقف في دنيا الواقع شيء يذكر من الإصلاح المنشود والتطبيق الموعود لشرع الله.
وكم ضحى أناس بعقيدة التوحيد حين قالوا: إن الإسلام لا يناقض العلمانية -على ما هي عليه من إنكار المعلوم من الدين بالضرورة كما ذكرنا-!!
وحين قالوا: إن الإسلام لا يعارض حرية الإلحاد والإباحية باسم الأدب، وأنه لو رفض الناس من خلال صناديق الاقتراع شرع الله، ووافقوا على إلغاء مرجعية الشريعة لالتزموا هم بذلك، ولو جاءتهم صناديق الاقتراع برئيس كافر أو ملحد أو شيوعي فهم ملتزمون بذلك، وأن المسلم والكافر عندهم سواء حتى في الولايات الكبرى والأمانات العظمى المنوطة بأهل الإسلام. ومع كل ذلك لم يجدوا لهم مكاناً يذكر في وسط المفارقات السياسية ولا أثراً يعتبر، بل ظل أعداؤهم يكيلون لهم الاتهامات والضربات، فقبضوا ثمناً غالياً مقدماً، ثم لم يُسْلِموا السلعة ولا حتى جزءاً منها.
ويذهب برهامي إلى أن المشاركة في ضوء هذه المعطيات وهذه الموازين للقوى التي لا تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً إلا ما كان من مصالح هذه القوى، ولا ترعى حتى المبادئ المخترعة والمقدسات المزعومة من الحرية والمساواة والديمقراطية، واحترام إرادة الشعوب وحقوق الإنسان.

2- استنزاف طاقات الإسلاميين:
يقول الشحات في مقال بعنوان السياسة منزلق الإسلاميين إلى العنف نشر عام 2007: .. مما جعل السؤال يطرح بقوة: ماذا يستفيد الغرب عموماً وأمريكا خصوصاً من الزج بالإسلاميين في التجربة السياسية؟!
قد تكون الإجابة البديهية هي أنهم يستفيدون استنزاف طاقات الإسلاميين في مجال الدعاية الانتخابية التي يفرض عليها قضايا معينة بعيداً عن الدعوة إلى الدين بشموله.

3- الانتخابات مصيدة يستدرج بها الإسلاميون السلميون إلى منزلق العنف:
ويذهب الشيخ عبد المنعم الشحات إلى أنه استفادة القوى الغربية قد تكمن في هي كم التنازلات التي يقدمها أصحاب هذا الاتجاه من إخضاع الإسلام للحضارة الغربية تحت مسمى تجديد الدين.
ويضيف: كل هذا صحيح، ولكن يبدو أن الغرب أراد أن يمضي في اللعبة أكثر، فجاءت انتخابات الجزائر وتركيا وفلسطين التي حصل فيهم الإسلاميون على الأغلبية، ومع ذلك جرب في كل منها نمط مختلف عن الآخر.
فأما تركيا فأجبر الإسلاميون فيها على تطبيق العلمانية بأيديهم، وأما الجزائر فألغيت الانتخابات، وظن الإسلاميون السياسيون السلميون أن بوسعهم أن يحموا إرادة الناخبين بالقوة مع أنهم كانوا لا يغيرون المنكرات الشرعية بالقوة، ولكنها سكرة الإيقاع السياسي المتسارع، وكان ما كان مما يعلمه الجميع، ودخلت أطراف كثيرة في اللعبة، فزادتها تعقيداً من جماعات تكفير، ومن لصوص، وقطاع طريق، وغيرهم، مما صعب مهمة الخروج من مستنقع العنف والعنف المتبادل.
وأما في فلسطين فقد سمح لحماس بتشكيل الحكومة مع شل حركتها بواسطة قوى خارجية وداخلية مما ورط حماس في الاقتتال الداخلي، رغم أنها حافظت عبر تاريخها على أن سلاحها موجه فقط إلى اليهود، رغم كل ما يموج به الصف الفلسطيني من تناقضات ومخالفات شرعية.
وقد استثمرت إسرائيل الموقف، وقامت بما قامت به من اعتداءات على المسجد الأقصى، ولعل قرار تعليق هذه العمليات قد جاء كنتيجة لاتفاق مكة بين فتح وحماس، والذي يمثل تنازلاً جديداً تقدمه حماس؛ لبقاء ظلها في الحكم، الذي جاء على حساب دعوتها في الداخل، بل وعلى حساب جهادها في الخارج، وحتى التجارب التي لم يحصل فيها الإسلاميون على الأغلبية استدرجوا فيها إلى عنف، وإن كان محدوداً لحماية صناديق الانتخاب، أو لتأمين وصول مؤيديهم إلى هذه الصناديق.
ومما سبق يتضح أن الانتخابات أصبحت مصيدة يستدرج بها الإسلاميون السلميون إلى منزلق العنف، فتتشتت جهودهم الدعوية أو تضيع، بينما يستمر الغرب وأعوانه في عزف أنشودة التطرف والإرهاب....الخ.

4- السياسة تضييع للأعمار وانصراف عن واجب "التصفية والتربية:
أرجع الشيخ عبد المنعم الشحات موقف السلفيين الرافض للمشاركة في العملية "السياسية" في مقال نشر عام 2008 بعنوان السياسة ما نأتي منها وما نذر إلى أن الدعوة السلفية إذ ترى أهمية التركيز على إصلاح الأفراد وتربيتهم تربية إيمانية صحيحة مستمدة من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة مع تصفيتها من شوائب الشرك والبدع القديمة منها كالعقلانية والحديثة كالعلمانية، مع الربط بين هؤلاء الأفراد للتعاون فيما بينهم للقيام بأي صورة ممكنة من صور أعمال الأمة وفروض الكفايات، ترى أن الخوض في جزئيات "السياسة" التي يعنيها هؤلاء هو نوع من تضييع الأعمار والأوقات وانصراف عن واجب الوقت من "التصفية والتربية" إلى أمور هي أشبه بأحاديث السمر، بيد أن أحاديث السمر يقطع بها الليل وهذه الأحاديث يقطع بها العمر.
ويقول الشيخ ياسر برهامي عام 2007 في معرض إيضاحه عن أسباب امتناعهم من المشاركة السياسية المشاركة السياسة :إن شُغلنا الشاغل الدعوة إلى الله، وإلى دينه وشرعه، وتعليم الناس كتاب ربهم وسنة نبيهم -صلي الله عليه وسلم-، والعمل بذلك ولسنا بالذين نعيش حياتنا للطعن في فلان، والقدح في عِلاَّن، والجرح في غيرهم حتى وإن حاول البعض أن يصورنا على هذا النحو.

مضيفا: ناهيك عن الأثر السيئ الذي تتركه في نفوس كثير من عوام المسلمين وهم يبحثون بدورهم عن "شماعة" يعلقون عليها تكاسلهم عن نصرة دين الله، وإلا فتدبر في تعاطف عوام المسلمين مع "غزة"، وكيف انقلب إلى سخط عام لما قيل لهم: "أهالي غزة يريدون احتلال سيناء"، وبلغ الحنق "الشعبي" على أهالي غزة مداه لما قيل لهم: "إنهم اشتروا البضائع بنقود مزورة". إذن فالخطاب السلفي الدعوي موجه في المقام الأول إلى المدعو، وما يجب عليه هو علماً وعملاً، ولا يخفى على أحد أن جمهور الدعوة هم عوام الناس، ولا يعني هذا أن من ملك نصيحة لغيرهم أن يكتمها، بل يجب عليه توجيهها، وحينئذ سوف يراعى فيها أنها خطاب لهذا المسئول أو ذاك لا خطاب عنه، وبينهما من الفروق ما يدركه كل من له أدنى إلمام بلغة الخطاب الدعوي فضلاً عن السياسي، وهذا لا يعني خلو الخطاب السلفي من السياسة، بل الخطاب السلفي يتناول السياسة الشرعية من جهة التأصيل العلمي العقدي الذي يعرف عند السياسيين بالايدلوجيا، وهي أهم مما سواها من المنظور الشرعي والمنظور السياسي على حد سواء.

وختاما: يبقى السؤال هل انتفت تلك الموانع؟ وأصبح الطريق مهيئاً لحالة جديدة؟ وهل أضحى الوقت سانحا لممارسة اللعبة السياسية دون الإقدام على تقديم تنازلات؟ أم أن هناك متغيرات جديدة قفزت على تلك الحواجز العتيقة لتخرج المارد السلفي من قمقمة كما يقال، فربما كان الإقدام على الممارسة السياسية العملية بحد ذاته دافعا لغض النظر عن كثير من الرؤى التنظيرية التي لا تعدوا أحلاما عند اصطدامها بأرض الواقع حاليا، وهل ستستنزف هذه المرحلة طاقات الإسلاميين وينصرفون عن واجب التصفية والتربية؟ أم حان الوقت للتوفيق بين الواجب الدعوي والعمل السياسي؟ وهل تكون الانتخابات ونتائجها مصيدة يستدرج من خلالها الإسلاميون السلميون إلى منزلق العنف؟ ثمة تساؤلات كثيرة لكننا لن نستعجل النتائج أو الأحكام فالأيام القادمة حبلى بالكثير والكثير.


كاتب مصري، وباحث بمركز الدين والسياسة للدراسات




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !