مواضيع اليوم

لا تتركوا الشعب الايراني في العراء...

جمال الهنداوي

2009-06-26 18:39:36

0

"مهما كان المرء شريفاً..او عظيما..او ذو أثر ملموس على الحياة..تبقى حالة الطقس هي العامل الاول الذي يحدد عدد من يحضر جنازته.."قد تكون هذه العبارة التي وردت ضمن حوار احد الافلام الاجنبية خير معبر عن المقاربة الامريكية الراهنة للازمة الناشئة عن نتائج الانتخابات الايرانية..فيبدو ان الصفاء المستهدف لسماء الحوار المرتقب بين الولايات المتحدة وايران لن يكون من المسموح به الان ان تعكره الغيوم المتفرقة الناتجة عن بعض الاحتجاجات الشعبية المصحوبة بالقليل من القمع –الروتيني - من قبل السلطات... حتى لو ادى هذا الى سقوط بعض الضحايا العرضيين ما بين قتيل وجريح..

فلقد كان الافراط الامريكي المسرف في ابداء الحذر الدبلوماسي والواقعية هو اكثر ما يتمنى النظام الرسمي الايراني سماعه في الوقت الراهن..حتى اننا لم نلاحظ الكلمات الاثيرة التي كانت عادةً ما تقرع اسماعنا في هكذا مناسبات مثل التنديد والشجب والاستنكار..بل يمكن ملاحظة-بلا كثير جهد - الحرص المبالغ به على ان لا يتجاوز التوصيف الرسمي الصادر عن البيت الابيض للاحداث عن عبارات الشعور بالاضطراب والقلق صعودا - بخجل - الى الشعور بالغضب والذعر... ولكن ليس الى الحد الذي يتجاوز القلوب المدماة حزنا على ضحايا الاحداث..

فيبدو ان الحوار المرتقب- والذي يعتقد انه مستمر منذ شهور - تحول تدريجيا ولكن بثبات الى غاية امريكية مفصلية اقرب الى الهوس منها الى هدف  تحقيق تقارب كان يبدو مستحيلا ,قبل فترة وجيزة,بين نظامين متناقضين ومتقاطعين حد الصراع والاحتراب الاعلامي والسياسي حافة الاشتباك المسلح ..وهذا يتضح من خلال وصف سحق قوات الباسيج الدموي للتظاهرات السلمية العزلاء ب"الجدل الداخلي بين الإيرانيين بشأن مستقبل إيران". وان ما يجري شأناً داخلياً يخص الايرانيون وحدهم ..وان الرئيس اوباما لا يرى أن هناك فارقاً كبيراً بين الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، وبين المرشح الإصلاحي المعارض، مير حسين موسوي ..وكان الاعلان الاخير عن ارسال الرئيس اوباما رسالة مباشرة إلى المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي قبل أسابيع من الانتخابات الرئاسية الإيرانية، والتي اشار لها السيد علي خامنئي في خطبته الاخيرة في جامعة طهران ..اشارة واضحة للمتظاهرين بان لكم دينكم ولي دين..

تذكر لنا الايام انه في رسالة جوابية من قبل وزير الخارجية الامريكي الاسبق هنري كيسنجر الى السياسي اللبناني العتيد, المرحوم العميد "ريمون اده" قال ما معناه :"نحن في الولايات المتحدة لا نحبذ التعامل مع اصحاب الكفاءات..بل مع اصحاب الحظوظ" ..ويبدو ان القناعة الراسخة الان في امريكا ان رضا الولي الفقيه هي الحظوة المطلوبة لتزكية اوراق اعتماد الطرف الذي يتوجب ان يجلس في الطرف المقابل من الطاولة..

فالتفاوض مع الرئيس احمدي نجاد بالنسبة للولايات المتحدة يعني حوارا مباشرا مع السيد علي خامنئي ..ومع الحرس الثوري..والباسيج.. وجميع القوى الامنية والعسكرية المحافظة  ذات الثقل الواضح في الخارطة السياسية الايرانية..خصوصا مع التمترس الكامل والواضح لهذه القوى خلف انتخاب الرئيس نجاد - حد الاستماتة- واعتباره قضية عقائدية غير قابلة للنقاش والمراجعة.. وكمؤشر واضح على رغبة السيد علي خامنئي على مباشرة الحوار مع الولايات بنفسه..واشارة اوضح الى نضج البرنامج النووي الايراني واقترابه من النقطة الحرجة الرمادية ما بين اللا عودة او التراجع المثمر المحمل بالمكاسب والحوافز  والاغراءات..

بالاضافة الى ان الولايات المتحدة ومن بعدها الغرب ظهيرا, ترى في الرئيس نجاد مشروعا استثمرت فيه الكثير من التحشيد والاعلام وترتيب المواقف واستصدار القرارات الدولية مما سيسهل تمرير اي ضربة عسكرية محتملة -الخيار الاكثر تفضيلا من بعض الاطراف في المنطقة- في حالة فشل الحوار لاي سبب من الاسباب..حيث ان توجيه القوة العسكرية نحو نظام يتمتع بسجل طويل وحافل من التناقض مع المجتمع الدولي اكثر تبريرا من توجيهها تجاه رئيس اصلاحي قدم الى السلطة على اكتاف الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية المثقلة على ضمير والتزام الغرب الادبي والاخلاقي تجاه طروحاته الليبرالية..

وهذا الخيار الامريكي يجعل من المتوجب على مراكز صنع القرارالعربية..الرسمية والشعبية.. ان تتفهم خطل ولا جدوى المقاربة السياسية العربية الراهنة للازمة الانتخابية الايرانية والتي تتقلقل ما بين الشماتة الصامتة بالنظام والسلبية المفرطة تجاه الحراك الشعبي..مما يبدد اوراق العلاقات التاريخية الممعنة بالقدم بين الشعب العربي والشعب الايراني المسلم ..والتي من الممكن في حالة ترتيبها بشكل جيد تكوين قوى ضغط واعدة ومبشرة  بتحسن حظوظ العامل العربي في الحوار المفترض لتفادي الحلول التي تقفز فوق المصالح العليا لدول المنطقة..بالاضافة الى ان استحضار عوامل التواشج الاجتماعي والجوار الجغرافي يفرض علينا الوقوف الى جانب الشعب الايراني في خياراته المستقبلية والنضال من اجل تصحيح مساراته الديمقراطية..

وخصوصا ان مركزية الشرط الايراني في العقيدة الامنية العليا لبعض الدول العربية لا يستدعي كل هذا التساذج امام المتغيرات التي تعصف بالنظام السياسي العربي برمته..وهذا التعاطي الموغل في السلبية قد يدفع الى الظن ان كل الحملات السياسية والاعلامية السابقة للاحداث لم تكن تهدف الا الى توفير الغطاء العربي الى ضربة عسكرية غربية محتملة الى ايران ..وليس السعي الى تخليق بيئة سياسية ملائمة للتأثير على السلوك السياسي الايراني تجاه دول المنطقة..

وصدقاً..وللحراجة الفائقة للموقف..يتوجب الان على العرب ان يتركوا لبرهة وجيزة مقعدهم الوثير ويضعوا جهاز الريموت كنترول جانبا والتفكير قليلا –ولكن بعمق- بنتائج محتملة.. ولكن واقعية.. لحوار يبدو اقرب الى تقديم فروض الطاعة والولاء منه الى المفاوضات... وهل ان جزرة خطاب اوباما في جامعة القاهرة تعادل العصا التي سيضعها الغرب في يد احمدي نجاد..مشفوعة باعتراف امريكي اوربي بدور مميز لايران, تتجه باضطراد الى العسكرة ,في المنطقة.. والتي ليس من الصعب استنتاج اي جهة من الخليج ستمارس ايران نفوذها المفترض عليه..




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !