بذخ لصوص السودان
في الأفراح وعـقـد القران
في حين يتميز النيل الأزرق دون غيره من بقية الأنهار بعمق مجراه. فإن قناة النيل الأزرق التلفزيونية الفضائية تتميز دونا عن غيرها بضحالة محتواها.
(أمجد) و (رشا) ثنائي مقدمان لبرامج منوعات في قناة النيل الأزرق التلفزيونية السودانية .. يتبديان سعيدان مبتسمان مبتهجان ..... ينفشان ريش الطواويس السمراء خميس كل أسبوع . ويرفلان يقدمان برنامجا على شاشة هذه القناة الضحلة بإسم (مساء جديد - فقرة أفراح) يعرضان فيه ظواهر اجتماعية احتفالية موغلة في االتباهي والإسراف على مظاهر خطوبة أوعقد قران على نحو مثير للغثيان.
وأقل مايقال عن مثل هذه الظواهر هو أنها استفزازية سطحية ولا تبدر إلا من جانب لصوص وغسلة أموال ومصاصي دماء قفزوا إلى المقدمة من أزقة الشوارع الخلفية فسرقوا ثروات البلاد وخربوا الاقتصاد وأسكنوا الشعب مدن الصفيح وحجرات الكرتون في دياجير الظلام لتتباهى بها الحلائل من زوجاتهم وينفقونها على عشيقاتهم ونسائهم وأبنائهم .....
فطور عريس يهدى له ولأفراد أسرته يكلف 6 مليون جنيه و عطور بلدية يحملها أهل العروس لأهل العريس تكلف 4 مليون جنيه وجرادل خبيز وكعك تكلف 3 مليون جنيه .. إلخ إلخ ، وكلوا وأشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ...
تتشدق أم العروس متباهية أن الأحذية والملابس الداخلية من إيطاليا وفستان الفرح من لندن وعامة الفساتين والعطور الأفرنجي من باريس .. وتياب الجرتق وقطع الرحط والسهرة والذهب واللؤلؤ والمرجان من شواطيء الخليج وعواصم الحلم العربي....
وبالطبع تكون العروس قد تم تسليمها قبل شهرين من قطع الرحط إلى المتخصصات من الكهرمانات واللبانات وأطباء الجلدية والتجميل للعرك والدعك وحفرة الدخان والحقن الكيميائية تحت الجلد حتى يبيض لونها ويستدير قوامها ويمتليء ساقيها فتخرج يوم العرض (كبقرة بني إسرائيل) لا تسقي الحرث ولا زلول تثير الأرض مسلمة لا شية فيها صفراء فاقع لونها تسر الناظرين.
أما العريس فيكون المهر الذي جاء به لأهل العروس لايقل عن 100 مليون جنيه أو 80 مليون مع الشفعة... والحساب يجمع فأبو العروس دائما من أقطاب وتجار وكبار مسئولي الحزب الحاكم. والعبرة كما يقولون بالخواتيم . وقد ضمن العريس أن يجري في شأنه (بعد الدخول على العروس) تطبيق مبدأ (المعاملة بالمثل) وتكريس مفهوم وضع " الرجل المِناسِب في المكان المُناسِب".
وبالطبع لا ينسى مقدما البرنامج سيء الذكر المشار إليه إبراز مظهر الحفل البهيج بعرض وصلة غنائية مصاحبة لمظاهر البذخ في أعراس اللصوص يكون من أهم شروطها حضور مطرب شعبي استهلاكي صاحب وجه مشدود ملمع مفتح بكريمات الديانا وFair and lovely وأقتعة الأعشاب . متلفح الجسد بقفطان وجلباب حريري ومركوب نمر مناهض لحقوق الحيوان وعمامة رأس نـيـفـة مقاس 20 متر . وخدماته الجليلة تحت الطلب موفورة لمن استطاع إليه سبيلا.
كانت هناك ولا تزال مقولة تؤكد "يذهب الحرام من حيث أتى" .. ويقال أن الحرامي لايهنأ ولا يهدأ إلا إذا أنفق المال المسروق وكأن هذا المال نــار موقدة تشتعل في يده يريد أن يتخلص منه.... والمشاهد أيضا أن الرجل لا يسرق ولا تمتد يده إلى المال الحرام إلا لأجل خاطر زوجته وفي سبيل إرضائها .. فلتتقي النساء الله في أنفسهن وأزواجهن وأولادهن.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا :- ماهي الفائدة المرجوة من بث وعرض مثل هذه المظاهر الدخيلة وإبرازها للجمهور من عامة الشعب الذي يئن من فرط مجاعة تكاد الحكومة تخفيها ولا يجد معظمه ما يسد به رمقه ويقيم أوده ؟؟ وإلى أي مدى يقصد مقدما هذا البرنامج استفزاز الشباب من الجنسين العاجزين عن الزواج بسبب تفشي مثل هذه الظواهر الاحتفالية الشاذة الضارة الباهظة التكلفة التي بدأت تشق طريقها بقوة لتحتل لنفسها موقعا وسط العادات والتقاليد السلبية الأخرى؟
ربما يدافع أحدهم بقوله أن كل إنسان حر في الكيفية التي يصرف يها أمواله .. ولكن نقول له قف مكانك .. فللحرية حدود . والإسلام هذا الدين الذي تتبناه الدولة السودانية الحالية منهاجا .. يحجر على السفيه .. ومثل هذه الطريقة في الصرف والإسراف النسائي المبالغ فيه بنقصان عقل ودين لمجرد التباهي وإحراز قصب السبق ليس سوى وجه سافر من وجوه السفاهة .... هذا من جانب.
ومن جانب آخر وحتى لو أخذنا بالواقع وأن لا هناك إسلام حقيقي في جعبة المؤتمر الوطني أو حتى الشعبي وأن "أمجد" و "رشا" جاهلان مسطحان لا يفهمان ولا خبرة لهما ولا يقدران عواقب ما يفعلان ؛ فإنه ما كان يجب على إدارة المنوعات بقناة النيل الأزرق الضحلة أن توافق على عرض مثل هذه النماذج المَرَضِيّة وهكذا استفزازات رخيصة على عامة الشعب ونقل مثل هذه الأفكار والتصرفات السلبية المقيتة الضارة إلى عقول الغير من الشرفاء الكادحين وبأسلوب يستقى فيه الكثير من التهليل والتكبير والتحميد والمدح لمثل هذه الظواهر والدعوة للتأسي بها والإنسياق وراءها الأمر الذي يجعل من هذا البرنامج أداة حقيقية للتخريب الاجتماعي والعبث بالقناعات ودعوة خبيثة للانحراف الأخلاقي بجميع صوره ومنطلقاته على شكل كبسولات السم فيها مدسوس تحت طبقة العسل.
............/
مصعب الهلالي
3/7/2009م
التعليقات (0)