مواضيع اليوم

الصحافة الرقمية تهدد وجود الصحافة المكتوبة

شريف هزاع

2010-05-18 23:07:53

0


هذا على الأرجُـح سيكون الشِّـعار الرئيسي الذي سيُـرفع في كل أنحاء العالم من الآن وحتى عقديْـن من الزمن على الأقل، إلى أن يقضي الله أمراً كان مقضِـيا، وهذا الذي قد ستُـقرِّره العناية الإلهية، لا يتعلّـق فقط بمصير الحِـبر والورق والمطابع وغُـرف التحرير، بل أيضاً بمصير الديمقراطية والحريات وسلطة الشعب (كما سنرى بعد قليل)، بسبب علاقات الرّحم بين الصحافة وبين كلّ من الديمقراطية وحُـكم الشعب للشعب.

لقد قيل الكثير وكُـتِـب الكثير عن أسباب الأزمة الكُـبرى الرّاهنة للصحف الورقية، وكلها ركّـزت على دوْر الفضائيات والإنترنت في دفْـع الصحف إلى الهاوية. بعض هذا التّـبرير صحيح، لكن ليس كله. فالأزمة في الواقع بدأت (في أمريكا على الأقل، حيث التجربة الأهَـم في تطوّر الصحافة) خلال السبعينيات، حين بدأ نظام اقتصادي جديد يطلّ برأسه. نظام رقمي يتِـم فيه تداوُل تريليون دولار يومياً على الشبكة وينتقل فيه مركز الثِّـقل من الاقتصاد الصناعي التقليدي إلى اقتصاد الصناعات التكنولوجية المتطوِّرة من كومبيوتر واتصالات لحظية وبيو - تكنولوجيا وأسواق مال افتراضية.

وهكذا، وبيْـن ليلة وضُـحاها، لم يعُـد منجم الذّهب الذي كانت تتمتع به الصحف الورقية منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى أواخر القرن العشرين بالنسبة لرجال الأعمال والمُعلنين، بصفتها الوسيلة الرئيسية للوصول إلى قلوب المُـستهلكين وجيوبهم، بعد أن بدأت تظهَـر وسائل أسرع وأرخص لغسْـل عقول المُـستهلكين واستِـنزاف جيوبهم.

وهكذا أيضاً، بدأت تتوالى الأنباء عن الإختِـناق المالي، الذي تعيشه الصحف الورقية بسبب تقلّـص كلّ من موارد الإعلانات التي تعتاش منها وأعداد القرّاء الذين كانت تعتمِـد عليهم، لجذْب الإعلانات (عدد قرّاء الصحف في أمريكا وحدها تقلّـص بـ 10% خلال الأشهر الستة الأخيرة فقط).

فصحيفة "روكي ماوتن نيوز" على سبيل المثال، التي حصدت جوائز عدّة عام 2008 بسبب تحقيقاتها الصحفية النّـاجحة حوْل مُـعاناة عمال المصانع النووية، أقفلت أبوابها، وتلتها عشرات الصحف المحلية والإقليمية الأمريكية، ثم وصلت الموسى إلى عُـنق الصحف الكُـبرى، فاضطرت صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" اليومية المحترمة، إلى إصدار طبْـعتها الورقية مرّة واحدة في الأسبوع. وتردّدت أنباء كثيفة عن أن صحيفتَـيْ نيويورك تايمز وواشنطن بوست، الأشهَـر والأقوى نفوذاً في أمريكا والعالم، تُـوشِـكان على الاختِـناق بأنفاسهما، بسبب الأزمة المالية. الأزمة إذن طاحنة والانقاذ بات أكثر من مطلوب. لكن، هل هو مُـمكن؟ وكيف؟

الآراء هنا تتبايَـن بشدّة، بتَـبايُـن مشارب أصحابها الأيديولوجية والاقتصادية والمصلحية، لكنهم يتوزعون على معسكريْـن رئيسيين: دُعاة دفْـن "الصحافة الكلاسيكية القديمة" ودُعاة الدفاع عن هذه الأخيرة.

1- المُـعسكر الاول يتكوّن من أنصار الرأسمالية المتطرِّفة، التي يُطلِـق عليها البعض إسم المتوحِّـشة، وهو يرى أن فكرة الإنقاذ هي مجرّد نفخ في قربة مثقوبة أو محاولة لإنعاش جُـثّـة هامِـدة. فالصحف الورقية ليست مريضة، بل هي تستعِـد لمفارقة الحياة، وبالتالي، أيّ محاولة انقاذِية لن تكون مُـجدية.

المُمثل الأول لهذا التيار، هو محلِّـل الإنترنت كلاي شيركي، الذي يَعتبِـر أن ما يجري الآن، لا يقِـل عن كونه ثورة شامِـلة وكاملة ستُـطيح تماماً بالنظام القديم للصحافة، تماماً كما أطاح النظام الاقتصادي التكنولوجي الجديد بالنظام الاقتصادي الصناعي القديم. فالمطلوب برأيه، هو صحافة رقمية تتّـسق مع الاقتصاد الرّقمي لا أكثر ولا أقل.

يقول شيركي: "حين يسأل الناس عمّـا سيأتي بعد الصحف، فإنهم يريدون في الواقع أن يُقال لهم أننا لا نعيش في خِـضمّ ثورة عارِمة في الصحافة وبأن نظام نشْـر المعلومات الحالي، لن يندثر قبل أن يحلّ مكانه نظام آخر. إنهم بكلمات أخرى يرفُـضون التصديق بأن الصحف تموت ويطالبون بأن نكذب عليهم".

ويضيف: "انسوا فِـكرة إنقاذ الصحف وجرّبوا وسائل جديدة لممارسة الصحافة في العصر الرقمي". هذا الرأي يحظى، كما أشرْنا، بدعْـم كامل من مُـعسكر الشركات ورجال الأعمال، الذين كانوا أساساً يُطلّـون على الصحافة بصِـفتها مجرّد وسيلة لِـغاية تجارية بحتة، لا بأنها قيمة ووظيفة اجتماعية من الطِّـراز الأول، لذا، فهُـم يدعمون الثورة التي يتحدّث عنها شيركي، ويشدِّدون على الأفضليات التالية للصحافة الرقمية غير المتخصصة:

1- أنها تورد الأخبار في لحظة واحدة وفي الزمن الفوري الحيّ، فيما الصحف الورقية تحتاج لنقل الخَـبر إلى 24 ساعة تُضرَب كلّ ساعة منها بستّـين ثانية.

2- أنها تفاعلية، على عكْـس الصحف الورقية، حين يستطيع القارئ أن يُسْـهم برأيه مباشرة ويكون في الكثير من الأحيان مساوٍ للكاتِـب في ممارسة النفوذ.

3- أنها تدشّـن عصر ما يُسمى بـ "المواطنة الصحفية"، حيث يستطيع كلّ مواطن أن يكون صحفياً وكاتِـباً عبْـر المدوّنات (البلوغز).

4- توفّـر كمّـاً هائـلاً من المعلومات حول الموضوع المطروح، عبْـر الروابط التي توفّـرها إلى مواقع إلكترونية أخرى.

5- أنها متنوِّعة للغاية، حيث تشمَـل المدوّنات والبريد الالكتروني والتسجيلات الصوتية والفيديو المرئي والرسوم البيانية (الغرافيكس) والإذاعات والتلفزيونات.

6- أنها قادِرة على الوصول إلى اهتمامات المواطِـن المباشرة، خاصة منها همُـومه الشخصية واهتماماته المحلية.

هذا ما يقوله المُـعسكر الدّاعي إلى تسْـيير جنازة الصحافة الورقية. ماذا الآن عن أنصارها؟ يعترف هؤلاء بأنه يتعيّـن على الصحافة الورقية أن تتأقْـلم مع الثّـورة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإنترنت عبْـر الاندماج بها، وهذا على أي حال ما تفعله كل الصّـحف الآن، لكنهم يركِّـزون تركيزاً شديداً على ضرورة إنقاذ الصحافة، كما يعرفها الجمهور منذ قرْن، بسبب دوْرها الاجتماعي والوطني الكبير، ويُـشيرون إلى أن الصحافة الرّقمية المُـنفصلة عن الصحافة الأمّ والتي تعتمِـد أساساً على الهُـواة، لن تستطيع أن تلعب هذا الدّور، لأنها غيْـر قادِرة على توفير الدقّـة والمصداقية والنزعة الموضوعية العِـلمية والمسؤولية الاجتماعية والوطنية، التي تقدِّمها الصحافة الأمّ.

فالمجتمع الحُـرّ في رأيهم، يتطلّـب صحافة حُـرّة والشعب الحُـرّ، لا يُـمكن أن يحكُـم نفسه إلا إذا ما امتلك مداخِـل إلى معلومات مُـستقلّـة حوْل قضايا العصْـر وتجاوُزات أصحاب السلطة الأقوياء. ويضيف هؤلاء، أنه إذا ما انهارت الصحافة، فإن قطاعات واسِـعة من الحياة العامة والنشاطات الحكومية، ستجري في الظلام من دون أيّ حسيب أو رقيب، وحينذاك، وحين يُسْـأل فرعَـون عمّـن فرْعَـنه، سيقول إنني تفرْعَـنت ولم تكُـن ثمّـة صحافة تردَعُـني.

المضاعفات السياسية والفِـكرية لهذا الانهيار، ستكون خطيرة. فكما أن الكوكَـب المُجدب لا يستطيع تجديد نفسه، كذلك النّـاخبين غير المُطّـلعين على المعلومات الوافية والدّقيقة، لا يستطيعون تجديد الديمقراطية.

الصحافة، وِفق أصحاب هذا الرأي، ليست سِـلعة في السّـوق الاقتصادية، بل هي قيمة كُـبرى من قِـيَـم "الخير العام". إنها شيء يحتاجُـه المجتمع المدَني ويُـريده الناس. وقِـوى السوق غيْـر قادِرة على توليد مِـثل هذا "الخير العام" بمُـستويات نوْعية وكِـمية كافية. وبذلك، يجب فهْـم ضرورة الصحافة الحُـرّة والمُـستقلّـة، كما نفْـهَـم ضرورات التّـعليم العام والدِّفاع العسكري والصحة العامة والبنى التحتية، التي ترْعاها كلّـها الدولة، لا بل تعتبر صحيفة "ناشن"، أن مفهوم الصحافة الحرّة يتساوى ويتساوَق مع مفهوم الأمن القومي.
انطلاقا من هذا الفهْـم، يدْعو أنصار هذا المُـعسكر إلى إنقاذ الصحافة عبْـر ثلاث طُـرق، أحدها رئيسي والآخران فرعِـيان.

الطريق الرئيسي، هو قيام الحكومات بتخْـصيص دعْـمٍ ثابتٍ للصُّـحف، كي تستطيع دفْـع أكلاف غُـرف التحرير والمراسلين والكُـتّاب وفِـرق الأبحاث والتحقيقات، بشَـرْط عَـدم المَـسّ بحرية الصحافة أو استقلاليتها، وهذا ليس بالأمر المُـستجدّ.

فالصحافة خلال الفتْـرة الأولى من عهْـد الاستقلال الأمريكي، على سبيل المثال، كانت مدْعُـومة مِـن الحكومة، وقد اعتَـبر كلٌّ من الرؤساء جورج واشنطن وجيفرسون وماديسون، أن هذا الدّعم مُـكوّن رئيسي من مُـكوِّنات الديمقراطية الدستورية.

والمواطنون البريطانيون اليوم، يدفعون لتمويل الـ "بي.بي. سي"، كما أن الدول الاسكندينافية كلّـها تدعَـم الصحافة مادِياً بكثافة، وعلى رغم ذلك، تُصنِّـف الهيْـئات الدولية المختصّـة، الصحافة الإسكندينافية على أنها الأكثر حُـرية واستقلالية ونفوذاً في العالم.

الطريقان الفَـرعِـيان الآخران لإنقاذ الصحافة، هما مُـساهمات مباشِـرة من المجتمع المدني وهِـبات غير مشروطة من هيْـئات العمل الخيْـري، وكِـلا هذين الطريقين يُـساهمان في ضمان عَـدَم تحَـوّل الدّعم الحكومي للصحافة إلى وسيلة لاستتباعها أو استِـلحاقها.

أي المُـعسكريْـن سينتصِـر؟ سنكون قادِرين على الإجابة على هذا السؤال، إذا ما استَـطعْـنا الإجابة أولاً على سؤال آخر قبله: من سينتَـصِـر في المُـجابهة الرّاهنة بين العَـوْلمة الرأسمالية، (أو ما يُـسميه بنيامين باربر، "عالم ماكوورلد")، وبين الديمقراطية؟

ماذا الآن عن أزمة الصحافة في العالم العربي؟ المُـعطيات نفسها التي أشرْنا إليها حِـيال الصِّـراع حول مفْـهوم الصحافة، تنطبِـق هنا، مع إضافة هامّـة للغاية: الدول العربية أكثر حاجة بما لا يُـقاس من الدول الأخرى لصحافة حُـرّة ومستقِـلّـة ومزدَهِـرة، لأنها كلّـها بدأت تمُـر (أو ستمُـرّ تِـباعاً) في مرحلة انتقالية، نحو الديمقراطية.

وبالطبع، هذا الانتقال لن يكون مُـمكناً من دون صحافة تُحاسَـب وتُراقَـب وتُدقَّـق، وهذا سيتطلّـب إطلاق حرية الصحف المملوكة من الدولة وإشراك المجتمع المدني في مِـلكيتها ودعْـم الدول الخاصة، مع توفير القوانين التي تمنَـع تحويل هذا الدّعم إلى تأميم أو استِـلحاق. فهل هذا مُـمكن؟ أجل، إذا ما أُريد للديمقراطية أن تنتصِـر يوما ما في الشرق الأوسط العربي.

 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات