جلي أنه لم يخطر ببال البوعزيزي، أن انتحاره سيطلق موجات ثوران و ثورات تغيير لا متناهية على شكل سلسلة
ما تحل واحدة منها ،حتى تظهر حملة جديدة أقوى من سابقاتها و أكثر ترسيخا في نفوس الملايين ، لكن الأكثر
يقينا من ذلك أنه لم يعلم يوما أن قراره سيشعل الفتنة بعد مدة ليست بالطويلة ، حيث خرجت الحملات عن مسارها
المعهود ، ففقدت نكهة النضال المسالم و الشعارات المنبثقة من أعماق مشاعر الشعب ، لتتحول إلى مجرد
منسمات و ملونات ملفقة تتجاوز العنف إلى الإبادة ، بل إلى حرب أهلية ما إن استمرت كارثية الحال على هذا
النحو ، كما هو الشأن بالبلاد التي دفع من أجلها عمر المختار حياته و ضحى بالغالي و النفيس من أجل استقلالها ،
ليأتي رئيس ديكتاتوري يظن أن ليبيا ملك ورثه عن أبيه و يجب أن يورثه لأبناءه بعده .
الخطوة الأسطورية التي أقدم عليها البوعزيزي منذ أشهر قليلة ، ربما سترسخ لعقود و قرون مقبلة ، بحلوها الذي
السياسي على التنحي الكامل و النهائي عن مناصبه الحكومية التي خوله الشعب إياها لخدمة مصالحهم و الرقي
ببلاد الكنانة ، فوجدوا الحقيقة عكس ذلك تماما ، و علقم مرير تجرعه كل عربي و هو يتابع المجازر التي يشنها
القذافي في حق معارضيه ، و قبل المنددين بنظامه أبناء شعبه الأبرياء ، أولائك الذين وجدوا أنفسهم عرضة
لرصاص يتساقط عليهم كالمطر من كل جانب ، و آخرون ساروا خلف أفكار لا يعرفون قيمتها و لا تداعياتها
المستقبلية ، ليدق ناقوس الخطر معلنا عن دنو تفجر الوضع بين أنصار القذافي و معارضيه ، و ينبئ بكارثة تعج
بمشاكل ستعود باليمن عقودا إلى الوراء ، و ينذر بطوفان يحول البحرين ، دولة الخليج الغنية بثرواتها و الشهيرة
بقوتها الاقتصادية إلى نسخة مشبهة عن دول إفريقيا النائية ، بعدما اشتعلت بها فتنة التغيير الجدري بين ليلة و
ضحاها ، و هو الأمر المستحيل ، فالمطالبة بالتغيير الكامل و التحول من وضعية لأخرى تتنافى و إياها بشكل
قاطع أمر لا بد له من التخطيط الديداكتيكي و التحكم القبلي و الدراسة الفعلية و السياسة المنهجية النابعة عن اقتناع
و ليس لمجرد تقليد فارغ ، فقط من أجل اكتساب لقب الشعب القادر أو الشباب المتمكن من التغيير و الانقلاب على
الوضع و الإلقاء بالرئيس على أرصفة الرؤساء الذين انتهت مدة صلاحيتهم .
حلم التغيير ، واقع ترجمته واقعة البوعزيزي بشكل عفوي و تلقائي ، لم يخطط له زين العابدين ، و لم يحسب
حسبانه مبارك ، لكن القذافي حوله إلى إيديولوجيا مشوهة للحقيقة ، مكللة بنبرات التقتيل و حرب أهلية مستقبلية لا
محال ، فجعل عبد الله صالح حلم الثورة اليمنية أمرا غير بديهي بل مستحيلا في الوقت الراهن و مع حزازة
الموقف بعدما تكررت التجارب و انتقلت العدوى بين الدول العربية بسرعة الوباء .
واضح أنه لم يكن يعلم أن الوضع سيتأزم بهذا الشكل ، و على هذا النحو المخيف ، و من المؤكد أنه لو فكر مجرد التفكير
أنه سيكون مجرد سبب أول أو رئيسي في فتنة يمنية أو حرب ليبية أو اشتباكات بحرينية ، كان لها أن تولد اليوم أو غدا ،
لما جعل فكرة الانتحار تستحوذ على مخيلته ، و لما سعى إلى الأضواء الغابرة ، حتى و إن كان لم يهتم بها يوما و لم يكن
لانتحاره هدف قبلي من ذلك القبيل ، لذلك فهو لم يقصد أن يشعل الفتنة بين العرب ، لم ينوي تأجيج الصراع بين مؤيد
للحكم و معارض للنظام ، فلن يعيبه أحد بجرم لم يرتكبه ، و لا يجدر بأي كان أن يحمله مسؤولية إراقة الدماء أو تغلغل
المشاكل بين ثنايا دول كانت تحتفظ بمشاكلها الداخلية لنفسها ، حتى أجهشت شعوبها جراء الضغوط المتزايدة مولدة طوفانا
تعدى الغضب الشعبي إلى نزاعات داخلية و تشققات تسلل من خلال ثغورها الغبية المحرك الأوروبي بخدعه البلاستيكية
و خططه المنمقة ذات المقاصد الضمنية و الأهداف المضمرة على استغلال ضعف العرب و هشاشتهم و ظروفهم الحرجة
بغية احتكار التنافس و بلورة العالم وفق نسق الأفكار الغربية و السياسات الانتهازية و العنصرية ذات الشعار الوحيد :
تجاوز الإسلام و الوحدة الإسلامية لنشر العلمانية و بسط نفوذها ما بين البر و ما وراء البحر .
التعليقات (0)