مرة أخرى نعود بالكلام إلى تراثنا وموروثنا الشعبي وأهمية دراسته , والوعي بالخطوات الآيلة للمحافظة عليه من خلال فهمه , تثميره وتفعيله .
قد يبادر البعض إلى السؤال عن مدى أهمية الحفاظ على التراث اليوم والجدوى أو الفائدة من تداول هذا الموضوع
بإعتبار أنه من مخلفات ثقافة الماضي , في عصر التقانة والميديا والثقافة المعولمة .
إن التراث ليس من محلفات ثقافة الماضي كما يتوهم الكثيرون . إنه إستمرار الماضي في الحاضر , من حيث الدين
اللغة, الأدب , العادات , التقاليد , الأعراف , القيم , الأغاني , الأمثال , الحكايات , الأساطير والحرف .
إذا فهو يشكل بنيانا موضوعيا ناشئا عن ظروف إجتماعية , إقتصادية , ثقافية , سياسية وتاريخية ويعبر بكليّته عن
ماهية ذاتيّة لشخصية الشعب أي هويته الثقافية .
من هنا ضرورة صياغة معرفة علمية بالتراث من خلال قراءته قراءة تركيبية , تقوم على الجمع والتصنيف والأرشفة , تليها مرحلة البحث وتحليل المعطيات التراثية . نبتغي من هذه القراءة ليس مجرد الحفاظ على التراث
بالإقتصار على عمليات جمعه وتسجيله كمجرد تركة نقوم بصياغتها وجردها متحفيّا .المقصود بذلك ألا نعيد نسخ
وأنتاج المفردات التراثية بشكل تقليدي , تبقي على الشكل دون المضون . وذلك بتأسيس علاقة أبداعية
مع التراث قائمة على فعل تحرر وتحرير من الأشكال الجامدة , تعطي الباحث أستقلال ذاتي يفتح الباب أمامه لإمكانية
دراسة التراث وإستلهام دلالاته .
تأسيس تلك المعرفة يشترط الأمور التالية:
- عدم إعتباره عائقا أمام التقدم ووصفه بالجمود والتخلف .
- عدم وصف مضمونه بالبدع والخرافات وذلك بقصد تحريمه .
- عدم تقييده في إطار محلي إوطائفي وإعتباره كعامل إنفصال إجتماعي وثقافي ونزع عنه صفة
التنوع والتعددية الثقافية .
-عدم توظيفه تبريرا أو خدمة لمواقف سياسية تفقده مضمونه وأهدافه وأدواره . - عدم أستبدال تجليات التراث المعاشة بتصورات أخرى تسقط عليه تؤدي الى تشويه مضمونه
الثقافي والرمزي وذلك بإعطائه ترميزات حداثية وعناصر دخيلة تخضعه لعملية إعادة طلاء
تحوله الى مقتنى متحفي صرف .
- عدم تسويق المادة التراثية كبضاعة للإفتنان دون أي إعتبار لقيمتها الرمزية , بقصد إرضاء رغبة وذوق السائح بإخضاع مفردات التراث إلى التدليك والتذويق .
- عدم إختزال المضمون التراثي إلى عوالم مصغرة, تؤدي إلى مسخه , إذا راعينا العلاقات الصورية على حساب الوظيفة الإجتماعية الأصلية .
- عدم جواز دراسته بعيدا عن مكان وزمان والبيئة التي تشكلت فيها عناصره , هذا ما يعكس عمق الإنفصام بين المادة التراثية وبين دارسيها .
ويتطلب النجاح تضافر الجهود على كافة المستويات
المنزل
- إعادة إحياء العلاقة التفاعلية مع كبار السن , نظرا لأهميتها في فهم تكون الشخصية الثقافية , فالتلفزيون كوسيط ثقافي يجعل المشاهد مجرد متلقي دون أي علاقة تفاعل .وقد تناولت في مقالتي السابقة (عودا على بدأ ) مدى أهمية فهم المادة التراثية كمقدمة لفهم الذات وضرورتها لبنائها .
المدرسة
- إدخال المادة التراثية في النشاطات اللاصفيّة كالحكايات والأغاني الشعبية والمسرح الشعبي مع شرح وتفسير مضمونها الثقافي الرمزي والتربوي تهدف إلى بناء علاقة تفاعلية بين الطالب وتراثه , لا جعله مجرد سامع ومشاهد ومتلقي وذلك من خلال المناقشة والتعليقات وإبداء الرأي .
- السعي إلى إكتشاف المواهب والإبداعات , دعمها , تثميرها وتوفير شروط نجاحها وإستمرارها .
- تخصيص زيارات ميدانية تتيح للطالب المشاركة والمساهمة في الحفاظ على المادة التراثية .
الجامعة
- الإهتمام بالفروع التي تدرس التراث بكافة مناحيه كالآداب والفنون والآثار والتاريخ والأنثروبولوجيا وغيرها من الفروع وتدريب الباحثين على الملاحظة , والتدوين وتحليل السلوك والمعطيات الميدانية ليتمكنوا من بحث وفهم الإفتراضات الثقافية (قيم , عادات , تقاليد , معتقدات ...) .
-التركيز على القاربة النسبية للمادة التراثية وتعني أنه لاوجود لثقافة أدنى أو أرقى , فلا نقارن عند دراسة القيم مثلا بقيمنا ومعاييرنا الثقافية .
- إعتماد وتفعيل تجربة "المختبرات البحثية للمادة التراثية"نظرا لأهمية هذه التجربة في المحافظة وتحليل وفهم المادة التراثية و جعلها مادة حية بمتناول الباحثين والدارسين والمهتمين .
العمل (الإنتاج )
تحول العمل الحرفي التراثي من قيمة إبداعية تلبي حاجات وضرورات المجتمع بالإعتماد على ما توفره البيئة من مواد ووسائل , إلى مجرد إنتاج ربحي دون أي أمكانات إبداعية في ظل إنعدام التعاون والتشارك بين الحرفيين .
من هنا ضرورة طرح الاسئلة التالية: ماذا ننتج؟ كيف ننتج ؟ لماذا ننتج؟ على سبيل المثال لاالحصرطفرة العودة إلى إ نلاحظ أن الهدف مادي بحت وبتقنيات حديثة تجعل الأنتاج قريبا من التصنيع دون أي إعتبار للمضمون الرمزي والثقافي والإجتماعي لهذا الموضوع .
الحيز العام أو المجتمع
شكلت الأعياد الدينية والمحلّية والأغاني الجماعية والعمل الجمعي ومهرجانات الأسواق مناسبات لتطاهرات ثقافية
فالحكواتي وراوي السيرة والمقلداتي والأرجوز والمثل الشعبي والحرف التقليدية كانت حافلة بالقيم التي تعبر عن ضمير ووجدان الجماعة الشعبية . كل هذه القيم فقدناها اليوم في عصر التهميش والإستبعاد والإستهلاك والثقافة المستوردة .
في الختام نطرح السؤال هل لاتزال لدينا إمكانية لرصد وتحليل وفهم قيم تراثنا في ظل حضارة عالمية طاغية تبغي السيطرة على مقدرات الشعوب وإلغاء هويتها الحضارية وإبداعها الذاتي ؟
نستلهم الجواب من الشاعر الشعبي المصري قوله :
"لا كل من لف العمامة يزينها
ولا كل من هرّج يصيغ كلام "
___________________________________________________________________________________
للإستزادة أنظر
"عن الثقافة في موجهة التهميش" مقا لة ازياد ماجد-جريدة السفير- تاريخ 24- 2 –1998 .
"التراث الشعبي وسؤال الحاضر " محمد حافظ دياب ورقة بحثية في إطار مؤتمر التراث (الجمعية العربية لعلم الإجتماع) .
"إشكاليّة الترث والمعاصرة" مقا لة لطارق زيادة-مجلة الأزمنة- المجلد الثاني العدد 9 .
التعليقات (0)