مواضيع اليوم

من الادب الشعبي الفلسطيني

وليد صابر شرشير

2013-07-28 11:23:00

0

  الحكاية الشعبية : منصور بن ناصر

 

أ.عمر عبد الرحمن نمر

 

الإهـداء

 

إلى القمرين النيّرين (والديّ)، وشمسي الساطعة (زوجي)، أهدي هذا المشروع.

 

الشـكر

 

  لمن آزروا، وأيّدوا، وساعدوا في أن يرى هذا البحث النور، وراقبوه خطوة، خطوة، وصفحة، صفحة، ولابد لي هنا إلاّ أن أشكر: الثلاثة الذين آزروا:

  الدكتور فتحي أبو عصبة منسق برنامج اللغة العربية في جامعة القدس المفتوحة.

  والدكتور وليد جرار، والدكتور تيسير عوده- جامعة القدس المفتوحة.

والاثنين اللذين ساعدا، ودعما بكل جهد، في توفير المراجع والمصادر لهذا البحث:

  الأستاذ محمد حاج حسين، مشرف اللغة العربية- مديرية التربية/ جنين.

  الأستاذ كمال الناصر، مدير مدرسة سيلة الظهر الثانوية.

وللذي دعم، وأيد فكرة المشروع، وتكفل بدراسته بعد تمامه، وتابعني في كتابته مرحلة مرحلة: البروفيسور يحيى جبر/ جامعة النجاح الوطنية.

  وكل تقدير وامتنان لهؤلاء الرواة، الذين سهروا معي لتوثيق حكاية منصور بن ناصر.

  وأخيراً كل العرفان، لهذا الذي تابع مشروعي كلمة، كلمة، وجملة جملة، نقّح، وحذف، وأضاف، وأشغل قلمه الأحمر مراراً وتكراراً  تحت الحرف، وعلامة الترقيم، والكلمة، يصحح الخطأ، ويأتي بالصواب ليكتمل البحث على هذه الصورة.. رافقني منذ اختيار البحث، ولغاية طباعته. كل المحبة والتقدير للدكتور عبد الرؤوف خريوش.. المشرف الأول والأخير على هذا المشروع.

 

 


المقدمة:

 

  يمثل الأدب الشعبي بالنسبة لأية أمة، الخيار الوحيد، لكي تعبر عن تلقائيتها المطلقة بكل حرية، وتجرد، وبدون أي قيود. فالأدب الشعبي هو التعبير الفطري الصادق، لأحلام الأمة، وآمالها، وبؤسها، وشقائها.

  ولهذا السبب كانت دراسة هذا الأدب بالغة الأهمية لمن يحاول دراسة نفسية شعب من الشعوب. ومثل هذه الدراسة إن اتسمت بالعمق والجد ساعدت على إدراك الخصائص الأساسية لهذا الشعب، وأدت إلى إمكانية رسم طريق واضح الأهداف لمستقبل أفضل.

  إن هذا النوع من الأدب متداول بشكل شفاهي عبر العصور التاريخية، متوارث جيلاً بعد جيل، ويشمل الفنون القولية مثل الحكاية الشعبية، والأغاني الشعبية، والألغاز، والنكات، والنوادر، ونداءات الباعة، وشعارات المظاهرات، والتعابير الشعبية الشائعة..

وهو العمود الفقري في الموروث الشعبي. ولا يعود إبداعه لفرد بعينه، بل شاركت الجماهير في إبداعه عن طريق قبولها لها، وتعديلها لصورته، وتهذيبها لصياغته لتناسب ذوقها الشعبي قبل أن تتداوله، وأثناء تداوله، وما احتفاء الجماعة بها الا لأنه صادر عن وجدانها الجمعي.

  تكمن أهمية دراسة التراث الشعبي، في توطيد ماضي الشعب بحاضره، وربط هذا الحاضر برؤية الشعب المستقبلية، ومن هنا تتعاظم دور وأهمية مؤسسات البحث في التراث، والتي يندر وجودها في دولنا العربية، وإن وجدت كانت بشكل مسطح بسيط، ربما أظهرت فطرية التراث، وربما أظهرته بشكل مهلهل سخيف، يتضاحك حوله مثقفو الأمة.

  إن دراسة التراث لا تكون بجمعه وتدوينه فقط، وإنما الجمع والتدوين، هما النقطة الأولى لمسار البحث، بل لا بد من درس وتحليل تراثنا، حتى يتم دراسة المجتمع من خلاله، وحتى يستطيع الشعب إدراكه، وتذوقه وبالتالي الحفاظ عليه.

  من هنا تتأتى مسؤولية الشعب، وباحثي الأدب بشكل عام، والشعبي بشكل خاص، في دراسة هذا الأدب بشكل جدي، ووضعه تحت مجهر النقد التحليلي، لمعرفة امتدادات هذه الأمة.. الامتدادات المادية، والمعنوية، والقيم، والمفاهيم، والاتجاهات، التي كانت أساساً لثقافة هذه الأمة.

  نمارس كثيراً من فروع تراثنا بشكل تلقائي، فطري يومي، مثل الغناء، والرقص، والنواح على الميت، واستخدام المثل الشعبي.. إن هذه الممارسة تتعمق إذا أدركنا كنه هذه الفروع، وربطناها بماضي الأمة، وحاضرها..

  إن التمسك بالمورث الشعبي، ظاهرة صحية، وقد قيل "من لا تراث له.. لا وطن له".. وكثيراً ما استخدمت عناصر التراث لتدعيم قضية صراع وطنية، وكسب حقوق، ونحن اليوم في مواجهة سارقي حضارات، وقد تكالبت علينا الأمم، وصهيونية عالمية، تسرق الأرض، والزي، والحكاية، وحتى المأكولات الشعبية، وتنسج منها ثقافة تدافع عنها.. فنحن اليوم أحوج الناس للدفاع عن هذا الموروث، لا أن ننظر إليه نظرة استخفاف، واستهزاء، وتعالي.. إن تمسكنا بتراثنا سيكون أكثر صحية، إذا أدركناه، وتعلمناه وتذوقناه، وعلمنا كنهه، ونقلناه للأبناء.

  هذا الطموح ربما يكون مكلفاً من ناحية مادية، وأكاديمية، حيث سيظهر بشكل منتديات، وندوات، ونشرات، ودراسة أبحاث، وحتى تخصصات جامعية، ولكنه في المقابل يستحق التخطيط له، والتنظيم، والتنفيذ، فنحن في مرحلة بناء دولة، وبنية تحتية لهذه الدولة، والبنية التحتية لا تكمن في الأمور المادية فقط.. بل تجمع الحضارة: المادة مع المعنى، ومن أسس ثقافتنا الفلسطينية -التي لا يختلف عليها اثنان- الموروث الشعبي.. فعلى السلطات المختصة، إيلاء هذا الموضوع كل عناية، واهتمام، ويترتب عليها دعم هذه البؤر الثقافية في هذا الوطن، التي تدرس الجانب الروحاني لهذا الشعب، وليكن شعارنا: أن طريق الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.

 

 

 


سبب اختيار البحث:

  اختار الباحث هذه الدراسة، لدراسة الأدب الشعبي بشكل عام، ودراسة الحكاية الشعبية بشكل خاص، وتوثيق وتحليل حكاية منصور بن ناصر بشكل أخص. هذه الحكاية المتداولة شفاهاً في منطقة جنين، مثال حي للحكاية الشعبية، من حيث السمات، والبناء، والهدف، وتوثيقها يعكس أنماط الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية، والثقافية للمنطقة في مرحلة تاريخية معينة.

 

أهمية البحث:

  يتلمس الباحث افتقار ثقافتنا الوطنية، في دولتنا العتيدة إلى توثيق الحكاية الشعبية، ودراستها، وتحليلها، فمعظم دراساتنا في الأدب الشعبي عموماً، وفي الحكاية خصوصاً كان في باب الجمع، وليس النقد، من هنا فإن هذه الدراسة محاولة متواضعة جداً، في توثيق حكاية، والتركيز على تحليلها، ونقدها.

 

أهداف البحث:

  يهدف البحث إلى معرفة، وإدراك، حكاياتنا الشعبية، والتذوق الجمالي لهذه الحكايات.. من خلال توثيقها، وتحليلها، وبالتالي دراسة المجتمع بكل أبعاده، ومقوماته من خلالها. وما حكاية منصور بن ناصر، إلا محاولة في هذه المضمار، فهي انعكاس لمجتمع في أحواله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهدف الباحث إلى دراسة تفاعل الإنسان مع ذاته، ومع أخيه الإنسان، ومع أرضه متمثلة في وسيلة الإنتاج –ربما الوحيدة- في الزمان الذي دارت فيه هذه الحكاية.

 

مشكلة البحث:

  تكمن مشكلة البحث في الإجابة على الأسئلة التالية:

-             هل هذه الحكاية واقعية خالصة، أم ممتزجة بالخيال؟

-             ما مدى تطابق سمات وعناصر هذه الحكاية، مع مفهوم الحكايات الأخرى في الأدب الشعبي؟

-             أين وقعت هذه الحكاية؟ ومتى؟

-             ما الغرض من هذه الحكاية؟

-     ما العناصر الجمالية، التي تجعلنا نتذوق مثل هذه الحكايات، وتجعلها متوارثة، تدور على الألسن من جيل لآخر؟

منهج البحث:

  وظف الباحث المنهج التحليلي الوصفي في دراسته، فاطلع على مفهوم الأدب الشعبي، واطلع على عدد من الحكايات، فدرس أسس بنائها، وأغراضها، واستخدم هذه الوسائل في تحليل حكاية منصور بن ناصر. وعقد الباحث الموازنات بين هذه الحكايات، والحكاية موضوع البحث.

 

عينة البحث:

  اعتمد الباحث على ستة من الرواة، في جمع حكاية منصور بن ناصر، ووفق بين الروايات الست في رواية واحدة، اعتبرها الباحث القاسم المشترك بين كل هؤلاء. كذلك اعتمد الباحث على دراسات نظرية في الأدب الشعبي، وحاول تطبيق الأسس النظرية في النقد والتحليل على الجانب العملي المتمثل في جمع وتوثيق الرواية.

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

الفلكلور ونشأته

 

 

 

 


الفصل الأول

الفلكلور: نشأته وتعريفه

 

  تشير المؤلفات القديمة إلى أن الاهتمام بالفلكلور ليس حديثاً فكتب الرحلات والتاريخ والأدب – منذ أقدم الأزمنة وحتى العصور الحديثة- غنية بالمادة الفلكلورية بمفهوم الفلكلور الحديث، فالمؤرخ اليوناني هيرودوت نقل الكثير من الأساطير والعادات في اليونان، ومصر القديمة، وفارس، كذلك فإن الوثائق العديدة المكتشفة في بلاد ما بين النهرين، ومصر، واليونان وغيرها من المناطق التي كانت مسرحاً للحضارات القديمة فيها مواد فلكلورية هامة خاصة تلك التي تتعلق بالمعتقدات الدينية كالترانيم والطلاسم السحرية، أو الفنون كفن التجميل أو الوشم أو الصناعات اليدوية (1)، أما في العصور الوسطى فتبدو المؤلفات العربية القديمة ككتب الرحالة والأدب والتاريخ والجغرافيا والسير حافلة بالحديث عن بعض جوانب الحياة التقليدية، في تلك العصور، ومنها على سبيل المثال: "أغاني الأصفهاني"، و"تاريخ الطبري"، وبعض مؤلفات الجاحظ "كالحيوان"، و"رحلات ابن بطوطة"، وابن جبير، و"كليلة ودمنة" وغيرها.

  ولكن هذا الاهتمام سواء أكان في تدوين المادة الفلكلورية، أم في فحصها والوقوف على أثرها وأهميتها لم يكن الهدف منه –في الماضي- إبراز هذا التراث كجانب مستقل له أهميته الخاصة، كما كان الاهتمام بالشعر أو التاريخ أو العلوم الأخرى، وإنما كان يروى غالباً لارتباطه بجوانب أخرى من اهتمام أصحاب هذه المؤلفات.

  إن الاهتمام الجاد في دراسة الفلكلور قد ظهر في العصور الحديثة، في عصر النهضة بالذات، حيث بدأت تباشير التحرر الفكري والديني بالظهور، وبدأ الشعور القومي يحل محل الشعور الديني في أوروبا، وأخذت اللغات القومية الخاصة بكل شعب تنبثق من اللاتينية… وأصبحت هذه اللغات القومية، لغات فكر، وأدب، وعلم، بالإضافة لكونها لغة حديث العامة من الناس وهم كثرة الشعوب الأوروبية، وأخذ الشعراء يتغنون بفضائل لغتهم القومية.

  أما في القرن التاسع عشر فيظهر مؤثران قويان يدعمان باتجاه تأسيس علم الفلكلور، والاعتراف بهذا العلم:

أ- الحركات القومية الأوروبية: فقد أصبح الاهتمام بالفلكلور يسير بخط موازٍ لحركات التحرر القومي، وبدأت الشعوب نفسها تحس بكياناتها القومية، وترى في تراثها الشعبي الهوية القومية لها.

ب- الحركة الرومانسية: التي ثارت على الظلم والاستبداد، وخرجت على كل ما هو كلاسيكي، فقامت تنقل الاهتمام من الآداب المدونة إلى الشفاهية ومن المدينة إلى الريف، وتترجم اهتمامها بالشعب(2) في محاولات جمع الأغاني الشعبية، وتقدس كل ما هو وطني..

  لم يكن من قبيل الصدفة أن تكون بداية الدراسات الشعبية على أيدي الرومانسية، في ألمانيا بالذات. حيث مؤسس الحركة الرومانسية وملهمها هيرور، الذي اهتم بجمع الأغاني الشعبية من أفواه أفراد الشعب ليثبت أصالة وعبقرية الألمان، ويقوم الأخوان "جرايم" بجمع النصوص الشعبية خوفاً من ضياعها ولتأكيد الهوية، والقومية.

  تعريف الفلكلور

إن أول من استعمل مصطلح الفلكلور هو الإنجليزي "وليم تومز" ويتألف المصطلح من شقين (folk) يعني العامة او الشعب والثاني (Lore) ويعني المعرفة ويكون المعنى الحرفي للمصطلح معارف العامة ، وفي مقالاته في صحيفة "ذي أثينيوم" شرح "تومز" ما عناه بمعارف العامة وبين أنها: المعتقدات والأساطير والعادات، وما يراعيه الناس، والخرافات والأغاني الروائية والأمثال الخ… التي ترجع إلى العصور السالفة(4) ومن خلال التدقيق في هذا التعريف نلاحظ أن "تومز" حاول الإحاطة بفروع الفلكلور، لكنه لم يقدم تعريفاً جامعاً مانعاً له.

  ويتطور تعريف المصطلح على يد "الفردنت" في قاموس "مصطلحات الأثنولوجيا والفلكلور"، فيعرف الفلكلور بأنه: أنثروبولوجيا تتعلق بالإنسان البدائي، وتعكس هذه الأنثروبولوجيا مجموعة من المعارف والخبرات والفنون، عبّر الإنسان بواسطتها عن أحاسيسه، ورغباته وتجربته وجعلها هادياً له في تنظيم أموره الحياتية والاجتماعية، ويحافظ المجتمع على نقلها من جيل إلى الجيل الذي يليه(5). ولعل هذا التعريف الإجرائي هو خلاصة لنقاشات طويلة، ودراسات في جمعيات الفلكلور، ومدارسه المختلفة.

 

 

 

 

 

 

 

الفلكلور العربي وتعريب المصطلح:

  تأخر اهتمام العرف بالفلكلور إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية ويرد "الدكتور عبد اللطيف البرغوثي" في محاضرة له، أسباب هذا التأخير إلى وقوع العرب بين خوفين:

الأول:

الخوف من طغيان العامية على الفصحى، وبالتالي على القرآن الكريم والتراث الكلاسيكي العربي، خصوصاً في ظل الدعوات الإقليمية التي كانت تنادي بإحلال العامية محل الفصحى، وموجهها في ذلك الاستعمار، وظاهرة الاستشراق المرتبطة به.

الثاني:

الخوف على المأثور الشعبي أن ينقرض أو يتغير كثيراً وهو غير مدون، فيضيع بذلك مصدر من أهم المصادر لدراسة عادات وتقاليد الشعب وحياته، وعندما رجح الخوف الثاني على الأول بدأ الناس يقدمون على تدوين المأثور الشعبي(6).

 

  بدأت دراسة المأثور الشعبي العربي بجهود فردية غير منظمة، حيث تركزت هذه الدراسات الفردية في ملاحظات عامة وفي جمع بعض الجوانب من المادة الفلكلورية ويمكن أن نمثل على هذه المرحلة بكتابات أحمد تيمور (الأمثال العامية)، وخيال الظل واللعب والتماثيل المصورة، ولم تحتل لوقتنا هذا دراسات التراث المكانة اللائقة بها، إلا أن هناك مؤشرات إيجابية، تدفع باتجاه الاهتمام بدراسة الفلكلور ليحتل المكان اللائق ومن هذه المؤشرات:

1.    الرسائل العلمية الجامعية التي يتقدم بها أصحابها لنيل درجاتهم العلمية في الدراسات العالية في التراث الشعبي.

2.    الأبحاث والدراسات التي أصبحت تظهر في المكتبة العربية كمؤلفات أو أبحاث في المجلات المختلفة.

3.          ظهور الفرق الشعبية التي أخذت تتسابق في عرض واستلهام الفنون الشعبية.

4.          عقد المؤتمرات الثقافية والتي يكون الفلكلور محورها أو أحد موضوعاتها.

ومن مظاهر اهتمام الدارسين العرب بقضية الفلكلور ظهرت عدة مصطلحات تقابل مصطلح فلكلور مثل الأدب الشعبي، التراث الشعبي، المأثورات الشعبية وهذا الأخير هو المصطلح الذي أقره المجمع اللغوي في القاهرة.

والمأثور لغة هو المنقول قرناً عن قرن، ولعل هذا المصطلح أقرب مصطلحاتنا العربية للدلالة على الفلكلور(7).

 

فروع التراث الشعبي:

  إن التراث الشعبي نتاج لتفاعل الإنسان مع الطبيعة، وتفاعل الإنسان مع أخيه الإنسان، وبالتالي فإن التراث يمثل حياة الإنسان الاجتماعية، والروحية والمعاشية وتأتي الفنون القولية على رأس قائمة فروع الفلكلور(8)، ويصنف "عمر الساريسي"(9) هذه الفنون القولية في:

-     منظومات السحر والتعاويذ والرقى: استعمال الكلمة في طقوس معينة لجلب الخير والبركة أو طرد الشيطان والقوى الشريرة.

-     الأمثال الشعبية: أقوال حكيمة بليغة، قصيرة موجزة، مصيبة المعنى، شائعة الاستعمال.

-     الأغنية الشعبية، تلك الأغنية النابعة من الشعب وتصور حياته، ويتفاعل معها بصورة عفوية، منظومة باللهجة الدارجة، وتروى مشافهة.

-             النكتة: تعبير روائي قصير ساخر، يعكس مزاج الشعب.

-             نداءات الباعة: كي تعتبر من التراث يشترط بها أن تكون بليغة، وذات لحن غنائي.

-     الحكاية الشعبية: كما يعرفها "أحمد رشدي صالح": فن القول التلقائي العريق المتداول بالفعل، المتوارث جيلاً بعد جيل المرتبط بالعادات والتقاليد.

والحكاية هي العمود الفقري في التراث الشعبي، وهي التي نطلق عليها مجازاً الأدب الشعبي(10).

أما الفرع الثاني من فروع الفلكلور فيتمثل في الأشغال الفنية اليدوية حيث استبعدت مرات من دائرة التراث، وأعيدت إليه، ومن هذه الفنون صناعة الفخار، والقش، والجلود، والصوف والنسيج. وأما الفرع الأخير يشمل أقساماً متفرقة كالدبكات، والرقص الشعبي، والموسيقى الشعبية … الخ.

 

أهمية دراسة التراث الشعبي:

  تكمن أهمية دراسة التراث الشعبي في:

أولاً: التوازن بين القيم المادية، والقيم الأخلاقية (الإنسانية): تتسم طبيعة العصر الذي نعيشه، بالمادية، والتقدم العلمي والتكنولوجي، في ظل فقر القيم الإنسانية، والروحية المعنوية… ولابد للمجتمع المتحضر إلا أن يسير في خطين متوازيين: خط يمثل القيم المادية، وخط آخر يمثل القيم الأخلاقية الإنسانية، ولرسم بياني بسيط يقارن بين الخطين في القرن العشرين، يرينا أن التقدم المادي قفز إلى أعلى الصفحة بينما الآخر يراوح نقطة الانطلاق، وهذا يعني خللاً واضحاً في أساسيات البنية الاجتماعية.

ثانياً: رواية جانب أو جوانب تاريخ الفكر البشري: إن دراسة التراث تعطينا فكرة أقرب للوضوح عن الفكر البشري، وتطوره عبر الأجيال، وتصور الدراسة كيفية تفاعل الإنسان مع بيئته، وصور هذا التفاعل عبر الزمان.. من خلال سمات الانتشار والتداول والتراكم التي يتسم بها التراث.

ثالثاً: إن التشابه التراثي بين أبناء الأمة الواحدة، لحري أن يضفي على القومية مفاهيم إضافية، لشد عراها، وتثبيت جذورها(11).

 

الأدب الشعبي – المفهوم، والمضمون:

  في دراساته في القصة والمسرح يقول "محمود تيمور": جرى الاصطلاح بإطلاق صفة (الشعبي) على الوضيع والرخيص أو ما دون المستوى الرفيع، نقول فكرة شعبية، أي أنها مشوبة بمطاوعة الأهواء والنزوات لا سلامة فيها ولا سداد، ونقول نكتة شعبية، نريد أنها لا تخلو من تبذل وإسفاف، ونقول ثوب شعبي للدلالة على أنه من نسيج غير فاخر ولذلك يرخص ثمنه ولا يعز على المقلين شراؤه. فكل ما هو منسوب إلى الشعب، محمول عليه مجانبة السمو، والأصالة والجودة، مفروض فيه الابتذال والتفاهة والهوان(12)، ثم يتساءل تيمور: هل هذا صحيح في ميدان الأدب على وجه خاص؟؟. هل الشعبية في الأدب أن يتصف بالابتذال والضعة، وأن تجانبه خصائص الأدب الرفيع…".؟!.

  ويرد تيمور على تساؤلاته: أن الأدب المنحط المبتذل لا يمكن نعته بالشعبي، لأن صفة الابتذال والانحطاط تلحق بكتاب الأدب، لا بالشعب.. إذ بأية حال من الأحوال لا يمكن أن يعني الأدب الشعبي، أدب الانحلال والتبذل والانحطاط(13) ويتفق مع هذا المعنى الدكتور "محمد ذهني"، ففي دراسته لموضوع الأدب الشعبي يسترسل في وضع تعميمات حول مفهوم الأدب الشعبي، وبطريقة استقرائية يفند هذه التعميمات واحدة تلو الأخرى، ومن هذه التعميمات: الأدب الشعبي: أدب عامة، وأدب إسفاف، وتبذل(14)، فما هو مفهوم هذا الأدب إذن؟..

الأدب الشعبي: هو مجمل الفنون القولية التلقائية، وهذه الفنون هي على رأس قائمة فروع التراث، ونقلت هذه الفنون بلهجة دارجة من جيل لجيل، وبشكل شفاهي، وهي تعبير عن تفاعل الإنسان مع الطبيعة، ومع الإنسان، والأدب الشعبي بهذا المفهوم عبارة عن تتويج لخبرات الإنسان ومعارفه، وأحاسيسه، ومشاعره.

  تشتمل هذه الفنون على الحكاية الشعبية، المثل الشعبي، الأغنية الشعبية، النادرة والنكتة، نداءات الباعة(15) …الخ.

  لا يستطيع أحد أن يدعى إبداع أي موروث شعبي، وهذا لا يناقض القول أن مبدعاً قد وضع حجر الأساس لقصة ما أو مثل ما… في بيئة ما وزمان ما نتيجة تجربة شخصية ما… لكن هذا الأساس هو مركز الدائرة عند رمي حجر في بركة ماء… فالدوائر المتلاحقة لهذا المركز ما هي إلا مشاركات الجماهير الشعبية… عبر بيئاتها المختلفة، وعصورها المختلفة، وطبيعة تجاربها ونفسياتها المختلفة..

  من هنا لا يمكن أن يتم هذا البناء والإبداع دفعة واحدة، بل بصورة تراكمية ولكن متناسقة… ففي حكاية الحيوان اجتمع الأسد، والحمار، والبغل في الغابة، وبدأوا يتباحثون في أمر ابن أدم، وقوته، وجبروته.. شكا الحمار من ظلم الإنسان له، وأنه يحمله، أكثر مما يطيق، كذلك البغل أدلى بدلوه.. في الشكوى على الإنسان.. أخذت الحمية الجاهلية ملك الغاب، وثارت ثائرته على قاهر شعبه "الإنسان" فأراد القصاص منه.. مشى في الغاب، وإذا به بحطاب يحتطب الحطب..

-من أنت؟ .. سأل الأسد.

-حطاب..

-ابن آدم؟!

-نعم..

حرك الأسد عنترته وعنتريته.. –أريد أن أصارعك، فاصرعك.. يتهمونك بالقوة والجبروت.. ولا ملك غيري.. ولا جبروت إلا لي..

-لكني تركت قوتي في البيت – أجاب الحطاب…

-هلا رجعت للبيت وأحضرتها.. وأنا في انتظارك.. قال الأسد..

-أخاف أن تهرب قبل أن آتي.. –أجاب الحطاب..

-أهرب؟! قالها الأسد بعنجهية..

-نعم تهرب.. وياماء غيرك هرب.. وهنا تدارك الحطاب: عندي حل..

-ما هو؟ سأل الأسد؟

-أربطك بهذا الحبل بجذع الشجرة، حتى أحضر قوتي، وأصارعك..

-ولم لا.. قال الأسد بثقة واعتزاز، وشجاعة..

وهنا تقدم الحطاب وربط الأسد..

-والآن قال الأسد: اذهب لإحضار قوتك.

-الحطاب (ضاحكا): هاهي قوتي يا عزيزي.. ستموت وأنت واقف، وتشاهد بنفسك أية ميتة تموتها..

عندها أدرك الأسد الحيلة، والمكر، والدهاء، والذكاء.. وأدرك أين تكمن القوة.. فجسد بلا عقل لا يساوي شيئاً.. والعقل زينة، وقوة..(16).

هذه يمكن اعتبارها أساس قصة.. إذ احتوت على سرد، وحدث، ونتيجة. أراد القاص أن ينقلها للسامع.. وفي نفس الوقت يمكن اعتبارها قصة كاملة حيث بداية وعقدة، وحل.

في المثال السابق: لو سرد السامر القصة على الجمع وأكمل بعد النتيجة التي توصلنا لها الآتي:

  الأسد مربوط في الشجرة، يفكر بطريقة يحل بها وثاقه.. وهو على هذا الحال إذ بفأر يراقبه تحت شجرة.. عرض الفأر خدماته على الأسد، وأن باستطاعة الفأر أن يحل الأسد من ورطته.. وقبل الأسد المهموم مساعدة الفأر.. فبدأ الفأر بقرض الحبل.. وبعد هنيهة حل الحبل، وفك الأسد من أسره.. هذه الإضافة من القاص أو الإخباري، جاءت لتضيف معلومات جديدة، وتعطي بعداً آخر في القصة لتنهيها بموعظة إضافية، مفادها:

  لا تحقرن صغيراً في مخاصمة           إن البعوضة تدمي مقلة الأسدِ

ولا يستطيع الإخباري أن يضيف هذه النتيجة إلا على أسس:-

  أ- مناسبة النصيحة للموقف "أي لكل مقام مقالاً".

ب- الأخذ بعين الاعتبار نوعية السامعين من حيث ثقافتهم، وأحوالهم العاطفية والنفسية وتقبلهم للسرد والإطناب.

  ج- موقف القاص النفسي والعاطفي، ومستواه الثقافي.

 

  ويمكن لقاص آخر أن يأخذ نتيجة من النتيجتين السالفتين، أو يأخذهما معاً ويضيف ثالثة، أو يغير واحدة، بأخرى جديدة، وهذا تبعاً للأسس السابقة.. لتصبح مسائل الحذف والإضافة، والتغيير والتحوير، متواليات عددية متراكمة.. وهذه العمليات لابد إلا وأن  تتفق مع ذوق الجماعة الشعبي.. ويمكن لهذه العمليات أن تتم قبل أن تعترف الجماعة بالحكاية، أو أثناء تناولها وتداولها لها.. لكنها بالتالي تصبح قاسماً مشتركاً للجماعة، وتصدر عن وجدانها الجمعي.

  من هنا فإن أي نوع من أنواع الأدب الشعبي يتكون من جزيئات أو مجموعة من الأحداث ترتبط بعلاقة معينة تحدد مساره، ومن هذه الجزيئات والعلاقات يتكون الطراز وهو مجمل النوع الأدبي(17).

فالقصة السابقة مثلاً يمكن تحليلها إلى جزيئات:

1.          اجتماع الحيوانات الثلاثة.

2.          جبروت الأسد.

3.          حوار الأسد والإنسان.

4.          حيلة الإنسان والمكر الذي استخدمه ضد الأسد.

5.          مساعدة الفأر للأسد.

أما ربط هذه الجزيئات بعلاقة (نمط)، فهو الذي حدد مسار القصة، من بداية، لعقدة، لنهاية، ومن هذه الجزيئات وهذه العلاقة، تكون الشكل النهائي للقصة.

 

سمات الأدب الشعبي:

  هناك جوانب كثيرة يتسم بها الأدب الشعبي، من حيث الشكل أو المضمون ومن هذه السمات:-

أولاً:       اللغة: وصفها الدكتور "محمود ذهني":- بأنها فصحى مسهلة، أو ميسرة، حتى تكاد تقارب العامية في الشكل الظاهري(18)، أما "إيليا الحاوي" فقال:- أن هذه الألفاظ قد تكون عامية، مشبعة بروح الريف، متداولة بشكل يومي(19).. ويقرر آخرون، أن تناول الأدب الشعبي بالفصحى يجعله يتنازل عن قدر كبير من الحرية الشفوية التي يتمتع بها(20).

ثانيا:      الموضوع: موضوع الأدب الشعبي عام بحيث يمس كل فرد من أفراد الأمة، وهو أيضاً خاص، بحيث يحس كل فرد بأنه موضوعه الشخصي الذي يهمه وحده، أو يهمه قبل أي شخص آخر. فالأدب الشعبي يتناول كل موضوع، أو أي موضوع، له اتصال مباشر بالشعب(21).

ثالثاً:      الشكل: يعتبر الأدب الشعبي قمة الوعي الفني، فهو لا يحدد لنفسه شكلاً معيناً، ولا يأنف أن يستعير لنفسه أي شكل يجد أن فيه، تحقيقاً لأهدافه ومراميه.. فقد تقال قصة ما.. بعدها تعزز نتيجة القصة بمثل ما، أو تحول القصة إلى أغنية شعبية.. أو
مسرحية شعبية، أو تزاوج بين هذه الأشكال مجتمعة(22).

رابعاً:     من حيث الوسائل: يستخدم الأدب الشعبي كل الوسائل المتاحة، مثل وضع المفهوم المعين في أسطورة، أو ملحمة، أو سيرة، أو دراما.. وكل همه تحقيق المضمون والغاية.

خامساً:    العفوية والتلقائية: فالأدب الشعبي يساير الفطرة أكثر من الأدب الرسمي، وتتجلى هذه الفطرة في حَبْك الأدب، وطريقة إبداعه المتغيرة، من بيئة لأخرى، ومن زمن لآخر، كما تتجلى الفطرة والتلقائية في لا منطقية السرد، والربط بين الأحداث، بعكس الأدب الرسمي، الذي يعتمد على الربط والمنطقية(23).

من هنا أكد الباحث "أحمد رشدي صالح": أن الأدب الشعبي أكثر صدقاً في إعطاء الصورة الحقيقية للعملية الاجتماعية.

من هذه السمات نستطيع أن نحدد للشعبية معلمين أساسيين هما:

1.    الانتشار أو التداول: بحيث يشمل هذا الأدب كل طبقات المجتمع، وذلك بعكس الأدب الرسمي الذي تتناوله طبقة معينة.

2.    التراثية أو الخلود: إن هذا الأدب يستطيع أن يطفو فوق سطح الزمن ليقابل كل عصر بنفس الجدة والحيوية، ويلتقي مع كل جيل بنفس الانفعال والتأثير(24).

من هنا يمكن أن نصف الشعبية بصفة تحددها وتدل عليها هي: "تراثية التداول" أي الانتشار والخلود.

  الانتشار على مستوى الأمة، والخلود على الزمن من عصر لعصر وهذه الميزة "تراثية التداول" أهم ميزة للأدب الشعبي(25).

 

علاقة الأدب الرسمي بالشعبي واتصال الأدب العربي بغيره من الآداب:

  إن غاية الأدب –بشكل عام- سواء أكان هذا الأدب شعبياً أم رسمياً هي تلبية احتياجات الإنسان المادية والمعنوية كذلك الأمر، مهما اختلفت أشكاله، أو خصوصياته، فإن غايته تتمثل في إثارة المشاعر والأحاسيس، والمتعة، واللذة أو الإشباع النفسي والعاطفي، والمؤانسة والتسلية والترفيه، ولا يخلو غرضه أحياناً من توجيه الفرد، أو تقديم عظة أو عبرة له، وذلك ما يندرج تحت الغايات التعليمية.

وهناك علاقة اتكاء تبادلية بين الأدبين وتبرز ملاحم هذه العلاقة في:

أ- اعتماد الأدب الرسمي على الأدب الشعبي، واعتبار الموروث الشعبي مصدر قوة وتواصل وجداني للأدب الرسمي، وظهر هذا الاعتماد بصورة جلية في الحركات الأدبية الحديثة كالرومانسية، والرمزية والواقعية، وفي هذه المقطوعة من قصيدة بدر شاكر السياب "غريب على الخليج" ، التي تظهر هذا التوظيف:-

بالأمس حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق.

وكنت دورة اسطوانة

هي دورة الأفلاك من عمري، تكور لي زمانه

في لحظتين من الزمان، وإن تكن فقدت مكانه.

هي وجه أمي في الظلام

وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام

وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهم الغروب

فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب،

من الدروب

وهي المفلية العجوز وما توشوش عن حزام

وكيف شق القبر عنه أمام عفراء الجميلة

فاحتازها ألا جديلة

زهراء أنت أتذكرين

تنورنا الوهّاج تزحمة أكف المصطلين؟

وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين

ووراء باب القضاء

قد أوصدته على النساء

أيد تطاع بما تشاء لأنها أيدي رجال

كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلال

أفتذكرين؟ أتذكرين؟ بذلك القصص الحزين

حشد من الحيوان والزمان، كنا عنفوانه(26)

  هذه اللوحة الفنية "للسياب" ، تحكي مشاهد وصور ريفية محلية، وتمثل نوعاً من التعبير تنقل به الأشياء في حدود بيئتها الريفية، ألا نرى فيها صورة الأم تحكي الحكايات لولدها، حكاية الأشباح التي تنتشر في الظلام، وتخطف الأطفال الذين لا يرجعون لبيوتهم قبل حلول الظلام، كذلك نرى في هذه التحفة الشعبية صورة العجوز، بألفاظها العامية، وعباراتها المهلهلة، تحدث قصة عشق عروة بن الحزام وحبه لعفراء، وأمام كانون النار، والأكف تستدفئ شتاءً، نرى صورة العمة تتطرق لأحاديث تاريخية شعبية، وقد أطلقت العنان لذاكرتها، تسرد كل ما يخطر ببالها.

  إنه ليس "السياب" وحده الذي وظف مفاهيم الأدب الشعبي، في شعره بل نرى، معظم الشعراء المعاصرين، أو الذين يكتبون الشعر الحر، يتطرقون لهذا التوظيف، مثل: محمود درويش، وسميح القاسم، والفيتوري، وممدوح عدوان.

  يتطرق فاروق خورشيد إلى قضية ربط الأدب الرسمي بالموروث الشعبي، وذلك لكي يحقق الأدب إنسانيته، ويصور تطور الوجدان والضمير، وهذا واضح من ارتباط الآداب الأوروبية "بالميثولوجيا الإغريقية" كالإلياذة والأوديسا، وتقدم هذا الأدب من وجهة إنسانية نتيجة هذا التواصل. وينعى خورشيد، فكرة تقسيم الأدب العربي إلى مراحل سياسية، لأن الأدب في هذه الحالة ما هو إلا تعبير عن سياسة الحاكم، يحيا بحياته، ويموت بوفاته، ولا يعبر عن تطور الوجداني الجمعي الشعبي(27)، وما قتل ابن المقفع، وهروب عبد الحميد الكاتب إلا صور من صور الأدب، الذي احتكم للمرحلة السياسية، وحكمت عليه السياسة بقتله، أو تشريد صاحبه، بعد أن تغيرت المرحلة السياسية(28).

ب- اعتماد الأدب الشعبي على الأدب الرسمي: لم يأت الموضوع في الأدب الشعبي من فراغ، فلا بد من اعتماده على بيئة معروفة، أو زمان معروف، أو بطل تاريخي معروف، فلا أدب بلا أصل، إما أصل حقيقي، أو رمزي.. "فسيرة عنترة بن شداد" مثلاً، تحكي قصة أو سيرة بطل عربي معروف، ولكن داخل هذه السيرة ما جعلها تحيد عن مسارها الرسمي وتنقلها إلى الشعبية، مثل طريقة السرد، الخيال والمبالغة، لا منطقية الأحداث….

  باختصار شديد فإن اللغة والطريقة التي يحكى بها الأدب هي التي تحدد رسميته أو شعبيته.. فكليلة ودمنة مثلاً التي دفع ابن المقفع حياته ثمناً لها لمهاجمته السلطة المتمثلة بالمنصور، تعتبر أدباً رسمياً، إذا تناولتها الخاصة، وتعتبر أدباً شعبياً إذا حكتها الجدات لأحفادهن.

ج- الأثر والتأثير بين الآداب: كثيراً ما نرى صورة من صور الأدب الشعبي لشعب ما، وقد تشابهت مع صورة أخرى، أو حتى توحدت معها، ومن هذه الصور الكثيرة التي يقع فيها التشابه "المثل الشعبي"، أو الحكاية الشعبية، ولنأخذ على سبيل المثال: المثل الإنجليزي
Birds of Feather Folk Together”، نرى أنه صورة طبق الأصل عن المثل العربي "الطيور على أشكالها تقع" وهذا في الأدب الرسمي، أما في الأدب الشعبي فيقابله المثل "كل من على ولفه يلف، حتى النحلة والزلف".

بيئتين مختلفتين، يسكنهما شعبان مختلفان، ومثل واحد.. ترى من هو الأدب الذي أثر في الآخر؟.. وكيف حدث هذا التأثير..

  الإجابة على السؤال الأول، تتطلب دراسات، وأبحاث مقارنة جادة وجدية.. لا مجال لبحثها في هذه الدراسة، أما إجابة السؤال الثاني فهناك افتراضات كثيرة، منها نظرية "جاستون باري" في التلاقي التاريخي بين الآداب، وأنه لا يمكن أن تلتقي صدفة، ويدلل على ذلك في التقاء الشرق مع الغرب في الحروب الصليبية.. أما "جوزيف بيديه" فيرىأن من طبيعة الأدب الشعبي، أن تتلاقى فيه قصص جميع الشعوب، من غير تأثير أو تأثر لسذاجتها، وانبعاثها من الحالة الفطرية المشتركة بين الشعوب(29)، إن ملامح النظرية هذه، بأقانيمها الثلاثة، تستدعي الباحثين في الأدب عامة، والأدب الشعبي خاصة، لمزيد من التقصي والبحث والتحليل، والنظر للأدب بصورة شمولية مفتوحة، لاستنباط تطور الفكر البشري، وتطور الضمير والوجدان الشعبي عبر الحقب التاريخية المتتالية.

 

وظائف الأدب الشعبي:

  إن كل نوع من أنواع الأدب، بل كل قطعة أدبية شعبية، لها وظيفتها المعينة، والوظيفة: هي الدور الذي يقوم به الجزء أو النوع في الحياة الثقافية لدى شعب معين(30). فالأغنية الواحدة لها وظيفة واحدة، أو أكثر، وقد تشترك معها أغانٍ أخرى بل أشكال أخرى كأمثال، أو أساطير، أو حكايات للقيام بنفس الوظيفة. وهذه بعض الوظائف التي يقوم بها الأدب الشعبي:

 

1- الوظيفة الجماعية:

ينتمي كل إنسان إلى جماعية معينة، ويشعر بهذا الانتماء، ويتكيف تبعاً لانتمائه، وقد قيل "الإنسان مدني بالطبع"، والإنسان اجتماعي بالطبع"، ويمكن أن يقال أن "الإنسان منتم بالطبع" أيضاً، فالفرد في المجتمع الفلسطيني مثلاً ينتمي لفكر سياسي معين، أو ينتمي لأسرة، أو حامولة، أو ينتمي لقريته، وقد يتحول هذا الانتماء إلى نوع من العصبية أحياناً، إن هذا الانتماء، وهذه العصبية قد انعكسا بأصدق الصور في الأدب الشعبي، والمثل التالي من أغاني النساء الذي يمجد رب الأسرة، أو زعيم الحامولة، وهي ما تسمى "بالمهاهاة" تعكس بصدق صورة التعصب(31).

      هي يا بي فلان لا ترخي الحبل بيـنا       هي ولا تشمت بينا يا طيب الفالـي

     هي وحنا إن رحلنا جعلناك الدلول لينا       هي وحنا إن نزلنا جعلنا بيتك العالي(32)

المهاهاة: أو الزغرودة: أغنية نسائية منفردة، تقابل الموال الذي يغنيه الرجال(33)، والزغرودة من أربع شطرات غالباً، وتنتهي بزغرودة من النساء الأخريات ويبدأ كل شطر بأداة النداء العامية (هي) بمد الياء وإمالتها كما في كلمة (بيت) بالعامية.

ويتجلى هذا الانتماء، والتعصب للبلد، ولأهله في مقطع هذه الأغنية الشعبية النسائية:

  طاب العز وطاب الكيف        اتمايلي عطارية

  ع حفلتك يا محــمد               عزومة ع الكلية

  طاب العز وطاب الكيف        اتمايلي يا م سوارة

  ع حفلتك يا محــمد               عزومة ع العطارة(34)

ويكبر هذا الانتماء ليعطي معاني أوسع، وأكبر:-

  طاب العز وطاب الكيف        اتمايلي يام المنديل

  ع حفلتك يا محمــد               عزومة ع أهل الخليل(35)

ويتسع الانتماء أكثر لإعطاء المزيد من الشمولية:

  طاب العز وطاب الكيف        اتمايلي يام الجكيت

  ع حفلتك يا محمــد               عزومة على الكويت(36)

ومن منطلق الانتماء هذا تناجي العروس القاضي (كاتب عقد القران):

سجل يا قاضي سجل     واطلعوني غريبة         واطلعوني غريبة

        وامي في البيع تعيط     واختي تقول الحبيبة     واختي تقول الحبيبة

  سجل يا قاضي سجل   واطلعوني من البلد      واطلعوني من البلد

   في البيت تعيط        واختي تقول للأبد       واختي تقول للابد(37)

لحن جنائزي.. تبثه العروس، تستدر به عطف القاضي، كي لا يزوجها خارجاً عن بلدها.

 

2- ترسيخ القيم والمعارف الثقافية ونشرها:

تنظم حياة الإنسان حصيلة من القيم والمعارف الثقافية، ولقد لجأ الإنسان إلى أساليب وطرق مختلفة لنشر هذه المعارف منها: الأدب الشعبي، الجامعات، وسائل الإعلام، الأندية وغيرها.. ولعل الأدب الشعبي كان أهمها في وقت من الأوقات، حيث ضآلة حجم وقلة فاعلية الوسائل الأخرى، ولم يقتصر دور الأدب الشعبي في ترسيخ القيم والعادات ونشرها فحسب، بل ساهم أيضاً في نقد السلبي منها ونبذه(38).

لننظر كيف تعامل هذا الأدب مع النذل من خلال لقطة من لقطات الدلعونا:

      جفرا ويا للربع تحط التبن بالخيــش واللي جوزها نذل ترخي السوالف ليش

     لهجر بيوت الحجر وسكن بيوت الخيش         وعيـش مـع البدو ووخذ بـدويا(39)

في الشطر الأول يتساءل هذا الأدب لماذا تتزين المرأة لزوجها النذل، هذا الزوج غير الجدير بها لنذالته.

ولنأخذ قيمة أخرى يحافظ عليها المجتمع الشعبي، وهي النظافة.. فالدلعونا قالت:

البس الروزا واحفظ قيمتها      يا الله العن أمك ما أقرف شوفتها

بدري عفانة وإلاّ عـادتها         وإلاّ ما فشي حق الصـابـونـا(40)

وتساند الأمثال الشعبية الأغاني في الحض على النظافة، فمن الأمثال الشعبية: "حلوة من حلاوتها، ومالح من عفانتها"، "يا أم الخلاخل والبلا من داخل"(41) وغيرها.

 

3- الوظيفة النفسية والعاطفية:

  تتمثل هذه الوظيفة في تعبير الجماعة، عن حالاتها النفسية والعاطفية، بشكل سار مفرح في الأحداث السارة، وبشكل حزين كئيب في الأحداث الحزينة.

فحينما تحتفل الجماعة بحدث كالزواج، والولادة والختان مثلاً، تعبر عن سعادتها من خلال التراث، وحينما تنتاب الجماعة الآلام والأحزان نتيجة لموت عزيز، أو ظلم واقع، أو شقاء وحرمان.. فإنها تلجأ للتراث أيضاً، وكذلك يلجأ المحبون والعاشقون إلى التراث يبثونه عواطفهم وآمالهم(42).

لننظر ونتأمل كيف قارنت امرأة بين الأمس المظلم، واليوم البهيج في حفلة عرس:

  ع الدوم عيني ع الدوم           وش جاب امبارح لليوم

  وامبارح بقت عتمة               واليوم قمر ونجــوم (42)

وفي دبكة الهيجانا يعبر الرجال عن فرحتهم (بالعريس)، من خلال الرقص والغناء معاً:

من بين العربان من بين العربان           شوقي مرق خيال من بين العربان

والسرج ذهبان والسرج ذهبان               والمرشحة فضة والسرج ذهبان

يما انداهيله يما انداهيله                   شوقي مرق خيال يما انداهيله

وَنا بحكيله وَنا بحكيله                     بس أطلعي برة ونا بحكيله

بيضة ورفيعة بيضة ورفيعة            نزلت من التاكسي بيضة ورفيعة

كوني مطيعة كوني مطيعة              الحماة للكنة كوني مطيعة(44)

حيث ينقسم الرجال إلى صفين متوازيين، صف يغني والآخر يردد ما يقولون، وسط تصفيق وزغاريد المشاهدين.

ويبث المحب لوعته من خلال الدلعونا:

     جفرا ويا للربع من هونا لأرض الدير          والسر اللي بيننا شو وصّلوا للغير

   وان كان ما في ورق لكتب ع جنح الطير     وإن كان ما في حبر هلن يا عينيا(45)

هذا في الأفراح، أما في حالات الحزن، والوفاة فنسمع:

قصين الشعر يا صايناته ليش              قصين الشعر ع طعامين العيش*

قصين الشعر يا صايناته عاد              قصين الشعر ع طعامين الزاد(46)

 

4- الوظيفة النقدية التربوية:

  تمثلت هذه الوظيفة بشكل جلي واضح في الأمثال، فأخذت طابع تعليم الفضيلة، والقيم الرفيعة..

"ظب قرشك الأبيض ليومك الأسود"، مثل شعبي يقال لتوجيه المسرف وتنبيهه من عاقبة الإسراف. "صرارة بتسند حجر" مثل يحض على التعاون. "الوفق فيه الرزق" يحض على التعاون أيضاً.. ولم يكن المثل هو الفرع الوحيد الذي ظهر فيه التعليم، بل ظهر التعليم أيضاً من خلال الأدب الشعبي في الحكاية الشعبية، والنكتة والنادرة.. ومن خلال المشاهد
المسرحية  الساخرة، التي كانت تقام بشكل عشوائي وتنقد سلبيات الأحوال السائدة(47).

 

 

5- وظائف أخرى:

  مختلفة، ومنوعة، مثل أغاني "صبة السطح"، و"عقد البيوت"، وأغاني الحصادين، والأغاني التي تصور أشياء مادية أو معنوية.. ولنختم هذا الفصل ببعض هذه الصور:

 

من أغاني الحصاد:

  يا ميمتي سكّي الطبيخ           ربع الدرابي روحت(48)

 

من أغاني "صبة السطح":

  ولّع الباطون ولّع                واللي ما يشتغل يتقلع(49)

 

وفي تصوير الوضع السياسي في مرحلة حكم الليكود بزعامة بيغن، يغني الزجال الشعبي أبو أشرف العرابي:

 

  بكفي يا أمريكا وعود             إلى بيغن هالإرهابي

  بدو دولة مالها حدود              حتى المرج بعرابي

                  حتى المرج بعرابـي

  يا بيغن هذي أوهام              أمريكا مش راح أدوم

  حزب العمل قبلك قام             في بحرنا مالـو عوم

  طياراته بفعل السام               أحرمناها كيف تحوم

  كله هذا نسور الشام             والفدائي الهيابــي(50)

  بكفي يا أمريكا وعود           إلى بيغن هالإرهـأبي

 

 


الهوامش:

1.    علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، البيرة، منشورات جمعية إنعاش الأسرة، الطبعة الثالثة 1993.

2.          صالح، أحمد رشدي، الفنون الشعبية، القاهرة. وزارة الثقافة والإرشاد القومي طبعة 1961.

3.          علقم، نبيل، مصدر سابق.

4.          علقم، نبيل، مصدر سابق.

5.          صالح. أحمد رشدي، مصدر سابق.

6.    د. البرغوثي، عبد اللطيف، ملامح الأغنية الشعبية الفلسطينية، محاضرة ألقيت في مركز تدريب المعلمين في رام الله 1993.

7.          علقم، نبيل، مصدر سابق.

8.          خورشيد، فاروق، عالم الأدب الشعبي العجيب، القاهرة. دارة الشروق الطبعة الأولى 1991.

9.    الساريسي، عمر، ماهية الفلكلور، عمان. مجلة الفنون الشعبية، العدد الأول، كانون ثاني 1974.

10.      صالح، أحمد رشدي، مصدر سابق.

11.      علقم، نبيل، مصدر سابق.

12.  تيمور، محمود، فن القصص- دراسات في القصة والمسرح، مصر. مكتبة الآداب ومطبعتها، الطبعة بلا تاريخ.

13.      تيمور، محمود، مصدر سابق.

14.  د. ذهني، محمود، الأدب الشعبي العربي- مفهومه، ومضمونه- مكتبة الأنجلو مصرية، الطبعة بلا تاريخ.

15.      د. ذهني، محمود، مصدر سابق.

16.      هذه الحكاية مما سمعه الباحث من عبد الرحمن دراغمة من طوباس.

17.  سرحان، نمر، الحكاية الشعبية الفلسطينية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسة والنشر، طبعة 1974.

18.      د. ذهني، محمود، مصدر سابق.

19.  الحاوي، إيليا سليم، نماذج في النقد الأدبي، وتحليل النصوص، بيروت. دار الكتاب اللبناني، طبعة 1996.

20.      د. ذهني، محمود، مصدر سابق.

21.      د. ذهني، محمود، مصدر سابق.

22.      الحاوي، إيليا سليم، مصدر سابق.

23.  صالح، أحمد رشدي، الفلكلور العربي المعاصر، مجلة الفنون الشعبية، العدد الرابع. نقلاً عن علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور.

24.      د. ذهني، محمود، الأدب الشعبي العربي، مصدر سابق.

25.      د. ذهني، محمود، الأدب الشعبي العربي، مصدر سابق.

26.      السياب، بدر شاكر، ديوان أنشودة المطر – المجلد الأول، بيروت. دار العودة، طبعة 1971.

27.      خورشيد، فاروق، عالم الأدب الشعبي، مصدر سابق.

28.      خورشيد، فاروق، عالم الأدب الشعبي، مصدر سابق.

29.      هلال، محمد غنيمي، الأدب المقارن، بيروت. دار العودة ودار الثقافة، الطبعة الثانية 1962.

30.      سرحان، نمر، الحكاية الشعبية، مصدر سابق.

31.      علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.

32.      علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.

33.      علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.

34.  ما سمعه الباحث في حفلة مدرسة العطارة المختلطة الأساسية لتكريم أوائل الطلبة 17/5/1998م.

35.      حفلة مدرسة العطارة، مصدر سابق.

36.      حفلة مدرسة العطارة، مصدر سابق.

37.      ما سمعه الباحث من شريط للفنان مصطفى الخطيب.

38.      علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.

39.      ما سمعه الباحث وحفظه من أغاني في أعراس قرية العطارة.

40.      علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.

41.      علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.

42.      علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.

43.      ما سمعه الباحث وحفظه من أغاني في أعراس قرية العطارة.

44.      ما سمعه الباحث وحفظه من أغاني في أعراس قرية العطارة.

45.      ما سمعه الباحث وحفظه من أغاني في أعراس قرية العطارة.

46.      علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.

47.      علقم، نبيل، مدخل لدراسة الفلكلور، مصدر سابق.

48.      ما سمعه الباحث وحفظه من أغاني في أعراس قرية العطارة.

49.      ما سمعه الباحث وحفظه من أغاني في أعراس قرية العطارة.

50.      شريط فرقة أصوات فلسطين- الكويت، الشاعر أبو أشرف العرابي وزملاؤه، إنتاج 1978م.

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

الحكاية الشعبية

 

 

 

 

 


الحكاية الشعبية

 

  الحكاية الشعبية في أبسط مفاهيمها هي: القصة السائرة في المجتمع، والتي لم تدون في كتب، ونقلت مشافهة، ولم يعرف قائلها الأول(1) وهي في الأصل مجموعة من الأخبار تتصل بتجارب الإنسانية منذ القدم واتصالها بهذه التجارب يعني أنها وجدت حيث ومنذ وجد الإنسان(2) ويجوز لنا الاعتقاد بأن الحكاية الشعبية نشأت أولاً على أيدي رواة متأدبين، ثم أهملتها الطبقات الخاصة، إلا أن العامة تلقفتها واحتفظت بها بعد أن هضمتها، ومنحتها طابعها الشعبي فاستقرت هذه الحكايات في الحياة الشعبية، ومما يشجع على هذا الاعتقاد أن الحكاية الشعبية ما هي إلا رافد من روافد الذهنية الشعبية التي أبدعت المرويات القولية، والفنون اليدوية الشعبية، وهذه جميعاً تنطبق عليها فرضية أن ما تتخلى عنه الطبقات المثقفة، تتلقفه الطبقات الشعبية وأوضح ما يكون ذلك في ميدان الأزياء الشعبية(3).

  إن الحكاية الشعبية من هذه المنطلقات تعني سيرة بطل، عبر الأحداث، يحملها مشافهة الراوي، أو القاص، أو الإخباري، وقد حوت جعبة الإخباريين في مختلف العصور العربية، صوراً من سير الأبطال، وحوادثهم، ونقلها الإخباريون على شكل قصص شعبية مثيرة للعامة، بأساليب مشوقة، عكست الحياة الاجتماعية العربية، ومثلت نفسية الأمة العربية، ومما يدل على وعي مبكر في تقويم الخرافات والأساطير الشعبية أن ابن خلكان (يروي)، أن الخزرجي ادعى إرضاع الجن، وزعم لهارون الرشيد، أنه بايع الجن لولي عهده، فقربه (الرشيد)، وكان الخزرجي يضع على الجن والشياطين والسعالي، أشعاراً حساناً فقال له الرشيد: "إن كنت قد رأيت ما ذكرت فقد رأيت شيئاً عجباً، وإن كنت ما رأيته فقد وضعت أدباً"(4).

 ولعل من نافلة القول، أن ندرك أن الحكاية الشعبية ليست مقصورة على الأمة العربية دون غيرها من الأمم، فالقصص الشعبية توجد في جميع المجتمعات البشرية، مع أن درجة الانتشار والتداول تختلف من مجتمع لآخر، وحتى داخل المجتمع نفسه، وتنشأ هذه الحكايات من
تكامل ثقافة المجتمع عبر حقبه التاريخية المختلفة، لتلبي احتياجات نفسية، وعاطفية، وهذه الاحتياجات موروثة في الطبيعة البشرية، ولكن شدتها تتراوح تبعاً للتغيرات في الأحوال الاجتماعية، والمادية التي تمس قدرة النظام الاجتماعي على تلبية احتياجات أفراده الطبيعية، والاجتماعية والنفسية والعاطفية ويبدو أن الأقاصيص أكثر استجابة من بقية الأشكال الأدبية لهذه التغيرات(5).

  فالحكاية الشعبية إذن نسيج يحيكه البطل بفاعليته، وما يواجه تلك الفاعلية من عوامل مساعدة أو معوقة(6) عبر حقبة تاريخية، ثم ينتقل هذا النسيج مشافهة لجيل حقبة تاريخية تالية، مع ما يسود هذا النقل من تحريف، أو تبديل، أو تغيير، مع الاحتفاظ على خط سير البطل من البداية للنهاية. ويستمر النقل لأجيال تالية، ليصبح البطل، كأنه مادة كيماوية في مختبر، يجرب عليه كافة المؤثرات التي تنضج تجربته، وتصنع منه المثل.. وغير هذه الامتدادات التاريخية القصصية، تصور الحكاية أسس البناء الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، والنفسي، والبيئي، للبطل ومواطنيه عبر الحقب التي عاشوها.

لذلك نجد في القصص الشعبية –اليوم- أكداساً من تراث الأجيال المتعاقبة، والعصور الحضارية المختلفة"، وليس عجيباً أن نجد فيها رواسب الوثنية والسحر، والمردة، والشياطين، والرقى، والشعوذات إلى جانب الملائكة والأنبياء والصديقين، وأبطال العصور المتأخرة(7). وهكذا التقت أذواق العصور المختلفة من تاريخنا حول تعبير قصصي شعبي، إننا نجد الإنسانية وقد تجلت على سجيتها وعلى طبيعتها الفطرية مكشوفة في تلك الألوان المختلفة لذلك التراث الشعبي القصصي، حيث تبدو هناك بكل غرائزها، ونزعاتها، وكل معتقداتها ومقدساتها، وتصوراتها وأوهامها عن الكون والحياة.

موقع الحكاية الشعبية في التراث:

 
 

 

 


التراث الشعبي

               
   
   
 
     

 

 

 

 


الأشغال اليدوية                   الفنون القولية                    فنون أدائية

                                                       
         
                       
       
 
 
 
 

 

 


 تطريز     خزف     جبس            حكاية      مثل            اغنية                       دبكة   رقص شعبي

صناعة قش    صناعة جلود                نكات      نوادر "الغاز"             مسرح شعبي    موسيقى شعبية                            


  يعتبر علماء التراث، أن الفنون القولية، هي موقع القلب من التراث، والحكاية الشعبية هي رأس الفنون القولية، لما لها من ميزات، الأثر والتأثير في المتلقى، وطريقة السرد والوصف، التي تكشف كنه النفس البشرية في أوضح صورها، كذلك فإن فاعلية البطل عبر الحدث، تعكس صراع الإنسان مع واقعه، وتفاعله مع هذا الواقع، وهذا يفيد في الدراسات الأنثروبولوجية، والاجتماعية، والاقتصادية لتلك الحقب التاريخية التي عاشها البطل.

  وللحكاية الشعبية مدى تعبيري غير اعتيادي، لأن الحكاية تشترك مع الفنون الشعبية الأخرى، في حقيقة كونها عملاً وتكويناً إبداعياً فذاً قادراً على تشكيل صورة مرئية خيالية.

  فالقصة تشارك المسرح، لأن المسرح ما هو إلا قصة، أو قصة ممسرحة، والحكاية تتفاعل مع الرقص، في القدرة على الإيحاء بالحركة، وتشارك الموسيقى في قدرتها على الإبداع الإيحائي والجمالي، من خلال القدرة على التأليف في إطار الإيقاع المتناغم(7)، من هنا تتضح لنا مركزية الحكاية في الأدب الشعبي، لما لها من مشاركة وتفاعل وتأثير في باقي الفنون القولية خاصة، وفي فروع التراث المختلفة عامة.

 

أنواع الحكاية الشعبية:

  اختلفت وجهة نظر باحثي الحكاية الشعبية حول أنواعها، وأقسامها، وكان هذا الاختلاف نتيجة اختلافهم في المحاور التي انطلقوا منها لتقسيم الحكاية، فمنهم من اعتمد مسألة طول الحكاية وقسمها تبعاً لطولها، وآخرون اعتمدوا وظيفة الحكاية في المجتمع، وقسم ثالث اعتمد مقدار الواقعية والخيالية في الحكاية، ومهما اختلفت وجهات النظر هذه، إلا أنها ليست مشتتة بقدر ما تلقي الضوء على تاريخ الحكاية، ووظيفتها، وتفاعل الأجيال مع موروثهم الشعبي. ففي دراسته للبطل في الحكاية الشعبية يحدد "علي الخليلي"(8) ثلاثة أنماط من الحكايات:

أ- الحكاية الأسطورية: وهي الحكاية التي تدور حول الآلهة، والأحداث الخارقة، وتشرح بمنطق العقل البدائي ظواهر الكون والطبيعة، والعادات الاجتماعية، ولنتأمل هذه الحكاية الملخصة التي تمثل أسطورة نشأة القرد.

  يحكي: "أن امرأة كانت تخبز، وحولها طفلها يلهو، ويلعب، فغاط الولد على ملابسه، فكرت المرأة بطريقة تنظف بها ولدها، ولم يكن بحوزتها ماء، فأنزلت الآلهة لها، مناديل جميلة من السماء، أعجبت هذه المناديل المرأة، فاحتفظت بها، وأخذت قطعة من الخبر، وبدأت تنظف بها "غائط الولد"، فما كان من الآلهة إلا أن غضبت عليها، فمسختها قردة، ومسخت ابنها قرداً أيضاً.

ب- الخرافة: حكاية تقصد أي مغزى أخلاقي، من خلال أشخاص، غالباً ما يكونون وحوشاً أو جمادات. مثل قصة (إجبينة) .. ومناجاتها للطيور:-

          يا طيـور طايــرة          يا مية(1) يا ســايرة(2)

          سلمي ع(3) أمي وبوي(4)         وقوليلهم(5) إجبينه راعية

          ترعى غنم، ترعى بقر           وتقيل(6) تحت الداليـة(7)

وتروح هذه الطيور، وهذه المياه، وتسلم على والدي الست (إجبينه)، وتعلمهم بحالها. في هذه الحكايات يتمثل الشجر، والحجر، والحيوان، والجماد، بطلاً في مقدوره أن يقوم بجميع مهام البطل الإنساني.

ج- الحكاية الشعبية: حكاية تتمحور حول الإنسان الشعبي، وتستخدم في محاورها، ما يفيدها من عناصر أسطورية، وخرافية، ثم تتطور هذه الحكاية، فتنبذ كل ما له صلة بالأساطير والخرافات، لتتجذر حول هموم الإنسان مباشرة.

ولعل حكاية "شيخ جمزو" مثل للحكاية الشعبية: فملخص القصة يدور حول شيخ ظالم غاشم، يأخذ أتاوات من فلاحي قريته، حضرته الوفاة، فجمع أهل البلدة، وطلب منهم أن يسامحوه عما بدر منه، ففعلوا، وطلب منهم أن يربطوه بحمار، ويجروه في كل أركان القرية، وذلك تكفيراً لمعاملته السيئة لهم.. غادر الرجال، وبعد مغادرتهم، طلب من زوجته أن تذهب وتحضر (الجندرمة) التركية، حال وفاته، وجرجرته في البلدة.. وهكذا كان.. مات الرجل، وربطه الفلاحون بحمار، وإذ بالجندرمة التركية تطوقهم بعد إعلام زوجته لهم.. ويكيلون للفلاحين صنوف الأذى، والتعذيب، والتنكيل، والسجن.. وهكذا أساء الشيخ لبني بلده حياً وميتاً..

أما الباحث نبيل علقم(9) فيقسمها إلى حكايات:

-     خرافية خيالية: وهي التي تخرج أحداثها عن حد المعقولية، وتجافي منطق الأشياء، حتى لو كانت حدثت بالفعل.

-             حكاية هزلية: وهي حكاية المرح، والتسلية، والإمتاع.

-     حكايات الأولياء والقديسين: حكايات يكون أبطالها من الأولياء، أو يكون هؤلاء الأولياء عوامل مساعدة لإنقاذ البطل من ورطته، أو حل مشاكله.

-     حكاية الواقع السياسي والاجتماعي: وهي الحكاية التي تعكس الواقع السياسي لفترة حياة البطل، وتعكس سمات المجتمع الاجتماعية مثل: التقاليد والعادات والمعايير..

 

ويربط "توفيق زيّاد" في دراسته صور من الأدب الشعبي الفلسطيني(10) أنواع الحكايات الشعبية بوظيفة تصويرها لكفاح الأمة العربية ضد المحتلين، الأتراك، والإنجليز، والصهاينة، كذلك يرى أن هناك أنواعاً من الحكاية تصور الكفاح للتحرر من العبودية الاجتماعية، المتمثلة بعبودية الأغنياء والإقطاعيين والمالكين وصراعهم مع سواد الشعب والفلاحين.

  وهناك قصص ذات إطار سياسي، ومضمون وطني مثل (قصة ممدوح وميثا)، التي تصور خلال قصة حب، كفاح جيل عربي ضد العبودية التركية، وقصة (محمد الملحم) التي تصور كفاح الشعب العربي السوري ضد الفرنسيين، وقصة (حسين العلي) التي تصور كفاح الشعب العربي الفلسطيني ضد الاستعمار الإنجليزي.. ويجمل (زيّاد) قوله: إن تراثنا الشعبي الفلكلوري، غني وزاخر، بقدر ما هو غني وزاخر، كفاح شعبنا على مر العصور والأحقاب، وأبطال هذا الادب المختلفون هم وجوه متعددة للبطل الاساسي –الشعب كمجموع . اما من حيث الطول فتقسم الى : 1- الحدوته : نشأت مع الإنسانية في طفولتها الأولى ، يوم ان كان الإنسان، حيواناً جوالاً يعيش في جماعة قليلة العدد محصورة الأفراد، وعلى هذا الوضع الفطري الساذج، عاشت الحدوتة في بيئة الأطفال، وفي حدود إدراكهم ومستواهم، وهي أقصر أنواع الحكايات.

1.    الحكاية: وهي محاكاة الواقع، واسترجاع له، وتزحزحت هذه المحاكاة للإيهام بحدث قديم مرت الدهور عليه، وهذا النوع أطول من الحدوتة.

2.          الأسطورة: وهي حكاية الخوارق، وأبطال أنصاف الآلهة، أو الآلهة، وهي أطول من الحكاية.

ومهما اختلفت هذه التقسيمات، إلا أنها تعطي مفهوماً واحداً للحكاية، يتمثل في بطل وحدث، تنتقل سيرته مشافهة من جيل للجيل الذي يليه.

 

بنية الحكاية الشعبية:

يتطرق الدكتور "عبد اللطيف البرغوثي" إلى بنية الحكاية الشعبية، فيرد هذه البنية إلى نسق واحد، مهما اختلفت نوعية الحكاية، أو تسميتها، ويحلل هذا النسق التقليدي، إلى مكونات ثلاثة هي(11):-

  أ. البداية.       ب. العرض.            ج. النهاية.

أ- البداية: يلجأ إليها القاص حسبما يراه مناسباً لخدمة أغراضه القصصية، مثل لفت نظر الحضور، إلى أنه سيبدأ حديثه حتى يتهيئوا للاستماع إليه.. ويمكن للحكاية الشعبية أن تأخذ أشكالاً متنوعة من البدايات مثل:

القاص: كان يا ما كان، يا سامعين الحكي والكلام، انخرف ولاّ أنام؟..

الحضور: إنخرّف.

-             ما يطيب الحديث إلا بالصلاة على النبي.

-             اللهم صلي على سيدنا محمد.

القاص: كان هانا خير.

الحضور: خير إنشا الله. (إن شاء الله).

ب- العرض: وهو مجمل الأحداث، والعقد والمشاكل، التي تصادف البطل، ويجتازها البطل عادة بنجاح.

ج- الخاتمة: وهي خاتمة تقليدية أيضاً مثل:-

-             هذي خريفة الطير عجاج.

-             وطار الطير الله يمسيكم بالخير.

-             رحت وخليتهم ما عدت أريتهم.

-             وهذي خريفتي وعلى فلان بدالها..

ويلاحظ أن هذه البدايات والنهايات التقليدية ليست في صلب بناء الحكاية، بدليل أننا نستطيع حذفها بسهولة دون أن تتأثر الحكاية بشيء، بل نحن في الواقع نحس بوجوب حذفها، حتى نتفادى ما قد يحدثه تكرارها في الجلسة الواحدة من ملل ثقيل، كذلك فإن القاص لا يستخدمها إلا في الحكاية الأولى إذا كان سيسرد أكثر من حكاية في الجلسة الواحدة، وبناءً على ما تقدم فإن هذه الأنماط لا يجوز أن تعتبر بدايات ونهايات حقيقية للحكاية، وإنما هي بدايات ونهايات شكلية ظاهرية، غايتها فقط إدخال الجمهور إلى جو الحكاية أو إخراجهم منه.

ويبرر "علي الخليلي" هذه البدايات بتعلق الناس بالدين، ونتيجة لعقيدتهم الإسلامية بشكل عام(12).. يقول الخليلي: "في هذه البدايات، يتكرس الدين مهما كانت الحكاية، بل إن الراوي يرفض ويخاف ربه، إن نطق بكلمة واحدة دون الصلاة على النبي، واستجابة السامعين لهذه الصلاة، وهذه البداية لا تشذ عن السائد مكتوباً كان أم محكياً، كما يمكن أن نلاحظه في افتتاحيات الكتب المدرسة والتقليدية مثل: "الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين"، وكما هو في كل أناشيد تغريبة بني هلال، كحكاية شعبية مكتوبة، ومحكية، "أول ما نبدى نصلي ع النبي..".

هذا عن البداية والنهاية التقليديتين، ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا المقام: ما هما البداية والنهاية الأصليتان؟ أو الحقيقيتان؟ وكيف تنطلق الرواية من بداية لتمر في حبكة أو عقدة، أو عرض وتختتم بنهاية أو خاتمة.

 

بداية تتحدث الحكاية عن بطل، إنسان عادي، وأحياناً اقل من العادي، وعند وضع هذا البطل على مسرح العرض، فإنه يواجه تحديات متعددة، وصراعات مختلفة، تتمثل هذه التحديات، في مواجهة البطل مع العوامل البيئية، كالبرد الشديد، أو قطع البحور، أو قد يواجه أصحاب قوة وسلطان كالملوك مثلاً، والجبارين، ويمكن أن تبالغ الحكاية فتذهب إلى (الميتا فيزيق)، وتواجه البطر أشكال وألوان من الجن، والغيلان، والسعالي، والمردة، والشياطين. وهذه المواجهة تأخذ شكل الصراع بين قوتين: قوة بطل القصة، والقوة الأخرى المعاكسة، وتميل معظم الحكايات الشعبية إلى جعل قوتين متصارعتين معاً في وقت واحد، قبل أن ينتقل البطل إلى مشهد آخر.. وفي النهاية يميل حل الصراع لصالح البطل غالباً، وهو الطرف الذي خلق الأسطورة، أو الوسط الذي أوجدها، وفي هذا الحال يكون الحل أشبه بتحقيق أمنية. وحتى في النهاية المأساوية نجد أنها تكون ممزوجة بدعابة سوداء ساخرة لتفريج هم السامع، والتنفيس عنه(13).

  فلو أخذنا مثلاً حكاية (نص انصيص)، نجده إنساناً معاقاً (نصف إنسان)، يحترم والده أخوته ويدللهم ويعطيهم أسلحة للصيد، بينما يحتقره والده نتيجة إعاقته، يصبح أخوته فرساناً على ظهور خيول مطهمة لا تأكل إلا الشعير المنقى، بينما يركب (نص انصيص) ماعزاً جرباء، يطعمها نخالة.. ويثبت البطل (نص انصيص) كفاءته في الصيد، وفي صراعه مع الغولة التي همّت بالتهام أخوته.. ويقتل الغول، بدهائه وحكمته، ويحرقها، ويحتل منازلها وثرواتها.

  إن بطل هذه الحكاية المعاق، استطاع أن يقوم بأدوار كثيرة خطيرة، فشل أخوته الأصحاء، وبدعم كل قيم ومعايير المجتمع لهم –القيام بها، وحقق النجاح، له، ولأسرته، وانتصر على الشر، فأعاد الناس احترامهم له، واستطاع (نص انصيص) أن يثبت ذاته ويحققها، كما فعل عنترة بن شداد في سيرته.. فما عنترة بن شداد إلا (نص انصيص)، ناضل ضد التمييز القائم على اللون، ونجح، وحقق ذاته.

 

الحكاية الشعبية كنظام:

النظام: هو الكل المكون من عناصر متعددة، لكل عنصر من هذه العناصر سماته الذاتية، وترتبط هذه العناصر ببعضها في علاقات شبكية متبادلة، وتتفاعل هذه العناصر مع بعضها لإنتاج مهمة أو وظيفة معينة..

ويتكون النظام من:

1.          مدخلات: وهي العناصر البشرية، والمادية، والبيئية قبل التفاعل.

2.          العمليات: مجمل التفاعلات بين العناصر.

3.          المخرجات: وهي المدخلات بعد مرورها بعمليات التفاعل.

إن الحياة التي نعيشها، نظام دقيق، وصور الحياة المختلفة تشكل أنظمة أيضاً، فالحياة الاجتماعية نظام، مدخلاته: الإنسان والقيم، وعملياته: تفاعل الإنسان مع أخيه الإنسان في منظومة القيم. ومخرجاته: إنسان يراعي قيم مجتمعه، ومعاييره. كذلك فإن عملية التعليم والتعلم نظام أيضاً. عماده: الطالب قبل تحقيق أهداف التربية. وعملياته: الدرس والتعليم والتعلم، ومخرجاته: الطالب وقد تحققت الأهداف التعليمية التعلمية فيه.

  انطلاقاً من مفهومنا للنظام، وهذه الأمثلة المختلفة، هل نستطيع أن نعتبر الحكاية الشعبية نموذجاً لنظام؟ لنتأمل ثانية حكاية (نص انصيص)، ونحاول تحليلها إلى عناصرها الأولية:

1.          بطل معاق، أب يقسو على البطل، يدلل اخوته، معايير اجتماعية لا تحترم المعاق.

2.          (نص انصيص) ينجح في الصيد بينما يفشل أخوته، يغتال الغول.

3.    يحصل على مكاسب مادية باستيلائه على ثروة الغول، ويحقق ذاته اجتماعياً، ويحترمه الآخرون.

بكل بساطة نستطيع القول أن البند الأول يمثل مدخلات النظام، والثاني يمثل العمليات، والبند الثالث ما هو إلا مخرجات النظام. ولو استقرأنا حكاية (ست اليدب)، نرى نظاماً آخر: بنت فقيرة، تتزوج ثريا، يخطف الغول كل أسرتها، وولديها، ويهجرها زوجها ويحاول أن يتزوج بأخرى غيرها. بعدها تنجح في استعادة ولديها، وأسرتها وفي استعادة زوجها لها.

  إن النظام في الحكاية الشعبية مكون من عناصر محددة، بينها علاقات متفاعلة، ونتيجة لهذا التفاعل تكون الوظيفة أو مهمة الحكاية، كتحقيق الذات في حكاية (نص انصيص). من هنا نجد أن البطل في الحكاية (قبل مرحلة العبور)، -العبور هنا هو انتقال البطل من حال لآخر-، هو أهم مدخلات النظام، والبطل الذي اجتاز المرحلة وحقق الفوز، أهم المخرجات.

  إن النظر للحكاية الشعبية كنظام، يقود لتحليلها إلى عناصرها، وجزئياتها الأولية، مما يمكن من إلقاء الضوء عليها، ووضعها تحت المجهر النقدي، لاستخلاص ما تعكسه الحكاية من أنواع حياة ثقافية، واقتصادية، واجتماعية، سادت وتطورت عبر الحقب التاريخية.

 

عناصر الحكاية الشعبية:

أ- البطل:

  البطل في الحكاية الشعبية عصب الحكاية، هذا ما يقرره غسان الحسن في دراسته عن الحكاية(14)، ذلك لأن البطل، هو الذي يقرر امتداد الأحداث، فالحدث فيها تابع للبطل، وليس البطل تابعاً للحدث، فموضوع الحكاية هو البطل أولا وأخيراً، وامتداد الحكاية لا يتقرر بحدث معين حتى ينتهي، وإنما يتقرر بمصير البطل نفسه، ووصوله إلى هدفه.

إن البطل في الحكاية، يمكن أن يكون أي شخص في المجتمع، ويمكن أن يكون كل شخص. حيث تتمحور الحكاية حول الإنسان الشعبي، وتستخدم ما يفيدها من عناصر أسطورية وخرافية، ثم تتطور هذه الحكاية فتنبذ كل ما له صلة، بالأساطير والخرافات لتتجذر حول هموم الإنسان مباشرة(15). أما الشاعر "توفيق زيّاد" فيربط البطل بكفاح الشعب على مر العصور، ويرى أن الوجوه المختلفة للأبطال ما هي إلا صورة البطل الأساسي، الشعب كمجموع(16).

   إن مهمة البطل الشعبي هي الكشف عن الطريق المؤدي إلى النجاح وإن كان وعراً.. وتقتضي مهمته هذه أن يأتي بالخوارق والمعجزات، أحياناً وبأشياء غير عادية، أو مألوفة، فهو ساحر بكلماته، وأفعاله، بحياته وموته، أما الذين يقفون في وجهه، فإما أن يتغلب عليهم، أو يطيح بأعناق قاتليه حتى ولو بطريقة ما، بعد مماته.

  إن البطل هو المحور الذي تدور حوله الحكاية، وتبعاً لهذه الأهمية، فقد أبرزت الحكاية بشكل جلي:

1.    ميلاد البطل: أظهرت الحكاية تميزه في ولادته ففي محاضرات الأدباء(17) "النيروز هو يوم ولد كيومرث بن هبة الله بن آدم، لأن الجدران اخضرت لمولده، وأثمرت الأشجار لغير أوانها"، وقد تكون ولادة البطل مسبوقة بنذر كما في حكاية (بنات الطرنج) إذ تنذر الأم أن تجري قناة سمن وعسل للناس عامة إذا هي أنجبت، وبالفعل فقد تم لها ما أرادت. وقد يكون الميلاد نتيجة أمنية، كما في (اجبينة)، إذ تمنت الأم أن تلد فتاة بيضاء كقرص الجبن، حينما رأت قرصاً من الجبن.

2.    تميز البطل عن غيره من الأنداد: كأن يكون ولداً لامرأة مسكينة، مظلومة مثل (نص انصيص)، وكجعل هذا البطل محط معاملة سيئة واحتقار. ويمكن للحكاية الشعبية أن تميز البطل بأخلاقه الحسنة، وصفاته، وبطولته.

3.    الفاعلية ومرحلة بلوغ البطل وشبابه: وهذه أهم مرحلة للبطولة، حيث غالباً ما تدور حبكة الحكاية في مرحلة بلوغ البطل وفاعليته في شبابه. وما الموت في الحكاية الشعبية، على اختلاف أنواعها، إلا النهاية الزمنية، سواء كانت مرحلية أم نهائية، يصل إليها الكائن الحي عند انتهاء الفاعلية. فالفاعلية تعني الحركة والاستمرار، وبالتالي فهي تعني الحياة، فإذا انتهت وصل الإنسان للجمود، الذي هو الموت بعينه.

 

 

ب- الزمان:

  كثيراً ما تبدأ الحكاية بعبارة "كان يا ما كان في قديم الزمان"، لا شك أن هذه العبارة مبهمة وعامة، ولا تحدد زماناً بعينه، وهناك حكايات أخرى تفصح عن انتمائها لعصور معينة(18) فحكاية (احديدون) تجيز لنا الاعتقاد، أنها تعود لعصر الحديد. (فاحديدون) تعني تصغير لفظة (حداد)، ومما يؤكد هذا الاعتقاد أن الغولة تخشى من حربة (احديدون) الحديدية. ونلاحظ في الحكاية نفسها أن الغولة عدوة (احديدون) تملك وعاءً للطبخ مصنوعاً من النحاس الأحمر، وهذا يدفع للاعتقاد بأن الغيلان هم نوع من البشر المتوحشين، الذين تخلفوا عن ركب الحضارة، وكانوا ما زالوا في عصر النحاس، في حين كان الإنسان المتمدن الذي ينتمي إليه (احديدون) قد دخل عصر الحديد.

وهناك من الحكايات التي نستطيع من خلالها التكهن على اقل تقدير بعصرها ،  وذلك من خلال القيم والمعايير التي كانت تسود ذلك العصر ، فحكاية تحكى عن الجواري ، والحريم ، نحكم عليها بالانتماء للعصور الوسطى ، واخرى عن  الارض ،  والحيوان  ،  والانسان  ، والاستغلال ، نستطيع ان نرجعها لعصر الاقطاع .. وهكذا

الا ان ادق طريقة لمعرفة العصور التي سادت او انبقثقت فيها الحكاية ، لا يمكن ان يتم إلا بتحديد (موتيفات) الحكاية، أو أجزائها الأولية، حيث أن كل موتيف يمت لعصر بعينه.

  فالحكاية كما هو معروف ليست بنت قائلها الأول فحسب.. بل اشتركت في تأليفها الأجيال المتعاقبة عن طريق سردها مشافهة، وأحاط بطريقة السرد هذه كل أشكال التحرف والتغير، والحذف والإضافة، تبعاً لحالة السارد النفسية والعاطفية، وتلبية لحاجات المتلقي النفسية والعاطفية، وذلك بما يتلاءم مع ظروف البيئة المادية والمعنوية. ففي حكاية (ست اليدب) مثلاً: نجد الغول، ثم في (موتيف) آخر نجد شعائر العبادة الإسلامية من صلاة وصوم، بينما في (موتيف) ثالث نجد المدرسة، والأستاذ، والطلبة الأوائل. إن هذه العملية التراكمية للجزيئات، تمثل مراحل حضارية مختلفة، وقيم عصور مختلفة أيضاً، فالحكاية هنا ومن خلال هذه الموتيفات الثلاثة يمكن أن تحدد في ثلاثة عصور:

1.          عصر الأسطورة، حيث كان الغول شخصية واقعية.

2.          عصر الإسلام، وانتشار الحضارة الإسلامية بقيمها ومعاييرها.

3.    عصر متقدم أكثر –ربما- من زمن الكتّاب، وهو مرحلة الانتقال من مرحلة الكتّاب إلى مرحلة المدرسة في مفهومها الحديث، إن طريقة التحليل هذه، لمعرفة زمان الحكاية، هي أصدق طريقة تتطابق مع مفهوم الحكاية، وسمتي الانتشار والتداول وبنية الحكاية.

 

ج- المكان:

  يمكن أن يكون:-

1.          مبهماً وعاماً، لا ذكر له في بداية الحكاية.

2.    قد يذكر بشكل مسطح مثل: "من هان لها(1)، بقي هالزلمي(2)، مجوّز(3) هالمرة(4) وحالته بالويل(5). راح عند ملك الصين…….."

3.    قد لا يذكر مكان بداية الحكاية، ولكن تذكر أمكنة أخرى، قام بها البطل بتفاعلات معينة مثل رحيل البطل من مكان البداية غير المذكور إلى بدل معين…

ولما كانت الحكاية الشعبية حكاية بطل أولاً وأخيراً، وحركة هذا البطل هي موضوع الحكاية، لم يأبه السارد ولا المتلقي بمسألة المكان، إلا من تلك الزاوية التي يكون المكان فيها دخل في تحديد حركة وتفاعل البطل.

فالبطل يقطع الفيافي والمسافات، ولا تذكر أية محطة له كمكان محدد، في هذا المسير، لأن طول المسافات هذا لا يحدد حدثاً للبطل.. في المقابل قد ينام هذا البطل في "كهف"، وتسهب الحكاية أو السارد في وصف هذا الكهف، ذلك للدور البيئي الذي يقوم به هذا الكهف، في صراع البطل، ويأتي وصف المكان، من بيئة السارد والمتلقي، أي أن السارد، يسقط سمات مكانه، أو مكان المتلقي على مكان الحكاية، لأن السارد –ضمن ثقافته- لا يفهم إلا الأمكنة التي يعرفها، كذلك فإن استجابة المتلقي النفسية والعاطفية تكون أكثر للمكان الذي يعرفه، وأولى هذه الأمكنة التي يعرفها، هو بيئته، ومكان سكناه..

د- الحدث:

  ما يقوم به البطل، وما يتوجب عليه القيام به، إن هذا العنصر هو الذي يعكس صورة البطل في الحكاية، وهو أداة التغيير أيضاً، فلانتقال البطل من مر%D


التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !