مواضيع اليوم

مقطع من يوميات طفلة عربية

 
بعد أقل من أسبوعين أكون قد أكملت عامي الثاني عشر ، وأبدأ في الخطوات الأولى للصعود أو النزول( وهل هناك فارق؟) للعب دور الفتاة بعد وداع عالم الطفولة، وأتقدم بحذر مشوب بنوع خفيّ من الخوف الأنثوي ناحية .. المجهول!
صباح يوم الجمعة الماضي سمعتُ، مصادفة، أمي تتحدث إلى جارتنا الفضولية وتحكي لها عن أول قطرات دمٍ وقعت عليها عيناها، وتبشـّر بأن ابنتها الصغيرة ألقت نظرة وداع على عالَم الطفولة.
لعلي أكون التلميذة الرابعة أو الخامسة في الفصل، لكن لن ينتهي العام الدراسي حتى يصبح الحديثُ خفيضُ الصوتِ عن الحيضِ أمرًا طبيعيًا، وتبدأ الهمسات تعلو معلنةً عن قدوم أول عريس لإحدانا!
أول أمس تسللت من غرفتي، وجلستُ على الجانب الأيسر خلف أبي الذي لم يشعر بي، وكان يتابع برنامجاً تلفزيونياً عن فتاوى دينية تخصّ المرأة!
كان الضيف رجلاً سميناً، كحيل العينين، يختفي النصفُ الأسفلُ من وجهه خلف شعر كثيف مخضـّب بحناءٍ خلطها على عَجـَلٍ فبدت كرسوم طفل ليس أمامه غير اللونين الأسود والبرتقالي.
تحدث الضيف عن الضلع الأعوج للرجل، وعن أن المرأة سلاح الشيطان، وأنها نجسة ومريضة خمسة أيام في كل شهر، ولا ينبغي لها أن تتحرك بدون مَحْرَم لئلا يفترسها ذئاب البشر،وأنها عورة من صوتها إلى وجهها، وأن ولي أمرها بيده رفض أو قبول من يتقدم لطلب يدها!
خشيت أن يخرج الضيف من الشاشة الصغيرة، ويتوجه مباشرة إلىَّ، ويأخذني عنوة زوجة ثالثة له دون أن يعترض ولي أمري!
تنهدت تنهيدة كادت توقف أنفاسي، فتنبه أبي إلى وجودي، ونظر غاضبا، ثم طلب مني بلهجة آمرة أن أقوم لصلاة العشاء، لكنه، كمعظم الآباء، لا يفهمون في التغييرات الجسدية والنفسية التي تنتاب بناتهم، ولا يعرف أنني لا أصوم ولا أصلي في تلك الأيام التي تبتل ملابسي بذلك السائل الأحمر القاني.
مع انبلاج كل صباح يكون لي حديث صامت مع مرآتي قبل أن أتوجه إلى المدرسة، وصباح أمس حدثتني المرآة الصغيرة المجاورة لغرفتي حديثا أنثويا خالصا عن نهدين ارتفعا قليلا فكأنهما كافورتان، وتكورا ليبشراني أو ينذراني بمَقـْدم فتاة تكامل قدّها، والتف خصرها، وسُقيت ترائبها، فإذا مشت تهادى غصنُ البان لها!
وحتى لو لم تفصح مرآتي عن وصف جسدي فإن عيون الرجال الذين تقارب أعمارهم عمر أبي ستتولى الوصفَ ولكن بطريقة مقززة لا تفرّق بين الطفلة و .. وبين الفتاة والمرأة.
لو كنت أملك آلة الزمن لأوقفتها بنفسي عند تلك السنوات من عمري التي تكون فيها دميتي هي الصديقة الوحيدة، فأنا خائفة من الكبار خوفا يجبر الكوابيس أن تلازمني نهارا في الشارع، وليلا في فراشي.
أتأمل عالم الكبار الذي عشت معه عدة سنوات منذ أن وعيت فلا أعثر فيه إلا على جبال من الكذب تتراكم عليها أتربة من النفاق، والجبن، واللامنطق.
يتحدث معي أصدقاء أبي كأنني في روضة للأطفال، وينفثون دخان سجائرهم في وجهي، وتصبح رائحة البيت بعد مغادرتهم كمصنع سقطت مدخنته على العمال ورفض صاحب المصنع توقف العمل!
الرجل يتحدث بصوت جهوري تعبيرا عن خشونة ذكورية علّمه إياها المجتمع، فإذا جاء الحديث عن السلطة والأمن وولي أمر أفراد الشعب يتحرك لسانه على استحياء خشية أن يقطعه ضابط تتراقص على كتفيه نجوم أو نسر.
يخوضون في السياسة بين الجدران الأربعة، فإذا خرجوا إلى الشارع تحوّلوا إلى أرانب تفرّ فزعاً من خيالها، فإذا تحدثوا في الدين ظهرت لهم مخالب يراها كل من يختلف معهم.
شاهدتْ والدتي على المكتب في غرفتي رواية أدبية شهيرة فعاتبتني عتابا شديدًا، وطلبت مني اخفاء كل ما لا علاقة له بالمدرسة، وعندما أكبر، على حد قولها، وأنهي دراستي، ساعتئذ يحق للكتاب أن يستريح بين يدي، لكنها لا تعرف أن عزوفي عن القراءة سينتهي بجهل مطبق أعتاد عليه، فبيتنا ليس فيه رواية أو كتاب في التاريخ أو العلوم أو أدب الرحلات أو الفلسفة، وكنت قد قرأت لكاتب شهير رأياً يقول فيه بأن بيتا بدون مكتبة هو مقبرة موحشة!
أشتاق كثيرا للحوار مع أبي أو عمي أو جاري أو أستاذي في المدرسة أو إمام المسجد المجاور لبيتنا أو القسيس الطيب الذي أراه بين الحين والآخر وتقص علي من أخباره صديقتي المسيحية، لكن الكبار يقيمون حاجزا مصطنعا مع الصغار، وهم عاجزون عن الحوار، وأحاديثهم مليئة بالأوامر، والتوجيهات، والنصائح التي تخلو منها الروح.
كل الناس تحَذرني من الذئاب البشرية، لكن لم يُشر لي أحد على رجل غير طامع في جسدي الواقف حيران بين الطفولة و .. المراهقة.
لو أنني بمفردي في غابة بكينيا أو ناميبيا، وهبط الليلُ عليها، وبدأت الحيوانات المتوحشة في التجول بحثا عن طعامِها، فاحتمالات بقائي على قيد الحياة لعدة أيام كبيرة، ولكن لو أنني تجولت بمفردي في منتصف الليل في أحد الشوارع غير المضيئة في القاهرة أو الدمام أو العقبة أو بنغازي أو وهران أو البصرة أو مقديشيو أو ... فأغلب الظن أنه لن تمر دقائق معدودة حتى تتحول أسنان بعض المارة إلى أنياب كاسرة، وسينتهي جسدي الطفولي الضعيف بين أيدي رجال كانوا يتحدثون قبلها بثوان عن الأخلاق، والإصلاح، والأمن، ومستقبل باهر لأجيال لاحقة!
الشهوة تحرّك عقلية ذكور قومنا، والانتقام يدفع الشهوة للأمام، وغياب الوازع الأخلاقي يبرر الجريمة قبل وقوعها، فالرجال منشغلون بما يطلقون عليه الوازع الديني، لكنه ليس كافياً مالم يصاحبه ضمير اجتماعي وتربوي، وثقافة تسمح للرجل أن ينهل من العلوم الإنسانية، ويعرف حدود براءة الطفولة.
عامي الثاني عشر يحمل لي الأمل والخوف معاً، فطفلة مثلي في بلد عربي آخر يرفض أحد القضاة أن يطلقها من زوجها الستيني الذي اغتصبها في الفراش عشرات المرات، والمجتمع الأحمق يصمت، ويجد مبررات للجريمة في عالم الفتاوى الفجة.
وطفلة مثلي يعقد عليها كهل أو عجوز هَـرِم قراناً مزيفا، وتقضي يومين تحت جسده الثقيل، والمليء بالنتوءات والأمراض الجلدية، ثم يتركها في غرفتها بالفندق، وسيعثر بسهولة على سبعين مفتياً يحللون له افتراس جسدي.
أول أمس، وفي الفسحة الكبيرة، قصّت علي زميلة طيبة، ووديعة، وتحمل في عينيها أحزان الدنيا كلها، حكاية والدها الذي لم تره منذ أن كانت في الثانية من عمرها، وهو يقضي عقوبة غير محددة في سجن يختفي فيه الداخل بين أحضان الموت، ويعيش الخارج منه مشوه العقل والنفس و .. الجسد.
قالت لي بأنها ووالدتها قاما بزيارة الأب منذ شهرين تقريبا، ووقفتا ساعات طويلة تحت أشعة شمس حارقة، وأخيرا سمحت سلطات السجن لهما بزيارة انتهت بعد ربع ساعة شاهدا فيها المسكين خلف قضبان كقفص القرود، ووسط أصوات اختلطت بالصياح والبكاء والطلبات بين الزوار والسجناء!
قالت لي أيضا بأنها لا تريد من الدنيا أكثر من أن تحتضن أباها لدقائق معدودة، وتشم رائحته، وتبكي على صدره، وتحكي له عن المدرسة والتلميذات وعن الدرجات النهائية التي حصلت عليها في امتحان منتصف العام، وربما يقول لها بأنه يفكر فيها، ويرسم من خياله لوحات لها على جدران الزنزانة، ويؤكد لها بأنه أشرف من الذين اعتقلوه، وأنه رفض الظلم والفساد والقمع فتآمر القضاءُ والسجـّان والأمن وطبيب السجن، وكلهم تحت قدمي زعيم الدولة.
مضت ثلاثة أسابيع على غياب صديقتي الملازمة لي في المدرسة وطريق العودة إلى البيت، والتي تعرف أسراري أكثر من مرآتي.
كانت قد حاولت الانتحار في أحد أمسيات يوم قاتم عندما عادت إلى البيت، وقالت لها أمها بأن عريسا تقدم لها، وهو رجل طيب، وكريم بسخاء، ويحمل لها السعادة والمال والسكن الفاخر. لم يكمل عامه الخمسين بعد، وعلى استعداد أن يطلـّق زوجتيه من أجلها، وله ابنة في ضعف عمرها، وهو يعرف ربنا، ويصلي ويصوم ويحج البيت الحرام في كل عام أو اثنين.
لم تنتظر صديقتي عودة والدها عصر ذلك اليوم لأنه أعطى الموافقة قبلها بعدة أيام، ودخلت الغرفة التي تتكدس فيها مع أخواتها، وأغلقت الباب باحكام، وكادت تنجز عملية الانتحار بنجاح لولا أن حطم شقيقها الأكبر الباب، وتم انقاذها، لكنها لم تعد إلى المدرسة بعد.
منذ فترة قصيرة غضبت مني أمي عندما سألتها عن معنى كلمة التحرش الجنسي، وقالت لي بأن والدي سيصاب بالسكتة القلبية لو علم أن ابنته الشاطرة والحلوة تسأل عن أشياء إباحية، لكنني لجأت إلى الشقيقة الكبرى لإحدى زميلاتي، وهي متفتحة، ولطيفة، وصريحة جدا، فشرحتْ لي معنى الكلمة، وتمكنتُ من مشاهدة أحداث كثيرة سابقة بعيون جديدة.
بعد ساعتين يحل موعد وصول المدرس الخصوصي لأهم مادة في المقرر الدراسي، وهو يجمعني وخمس تلميذات، وأنا حريصة على الجلوس بعيدا عنه لأنني شاهدت بأم عيني أشياء مخجلة، لكن زميلاتي يفضلن الصمت عن التعرض لانتقامه، ثم إن درجات الامتحان النهائية يساهم فيها بنسبة كبيرة.
أشعر أحيانا بأن آباءنا وأمهاتنا لم يتعلموا من الحياة قيد شعرة، ولا يعرفون الفارق بين الرجل الطيب و .. الرجل الذئب، وأن مظاهر التدين هي عنوان الصلاح، والفلاح، والتقوى، وأن أكثر حوادث التحرش الجنسي تكون لها بوادر، وإشارات حمراء، ولكن أجهزة الإنذار لدى الأمهات والآباء تكون معطلة في أغلب الأحوال، ويقع الطفل ضحية، ويدفع الثمن غاليا بقية حياته.
أعيش في مجتمع ليس للطفل مكان فوق أرضه، فالدولة كلها للكبار، ونحن أطفال الوطن نقف في ذيل اهتمامات صانعي القرار!
ليس لنا موقع أو مكان أو اهتمام، أو تخطيط، أو تفكير، أو دعم في الكتاب، والحوار، والتلفزيون، والصحيفة، والحوار العائلي، والزواج الصحي والمستقر، والدين، والحدائق العامة، والأمن، وحماية الشرطة، وزيارة الطبيب، و ...
نحن على الشاشة الصغيرة بلهاء، وحمقى، وفي الأفلام العربية نظهر في مشهد واحد يسمع فيه الطفل كلام أمه، ويذهب لينام لأن والده مشغول، وهي أشياء ليس بينها أي رابط!
وفي المدرسة لا نحاور، ولا نجادل، ولا نسأل خارج المقرر الدراسي، ولا نشكك في معلومة، وعلينا السمع والطاعة!
وفي البيت لا ينصت إلينا أحد، ولا نستطيع الاحتجاج على دخان السجائر من الضيوف، أو الصوت المرتفع، أو النقاش الهستيري، أو البرامج السخيفة والمعادة والمتخلفة التي يشاهدها الكبار.
وفي الشارع نتلقى مئة نصيحة بالابتعاد عن الناس، والسيارات، والعجلات، والزحام، ولا ينصت أحد لرأي طفل في ملابس أو كتاب أو سيارة أو فوضى أو ...
أجلس احيانا ساعة أو ساعتين أستمع إلى حوار ممل، ومزعج يدور بين الكبار، وكل منهم يقاطع الآخر ولا يسمع إلا صوت نفسه، والكبار بوجه عام متغطرسون، وفوقيون، ويظن كل منهم أن الحق المطلق بجانبه.
يحدد لي أبي نوع الدراسة بعدما أنهي الثانوية، وأمي ترى أن وصول العريس يعني انتهاء عهد الكتاب المدرسي، وعمتي التي عاشت في الغرب نصف عمرها تحاول اقناعهما بأن مستقبلي في الدراسة، والثقافة، والتعلم من تجارب الآخرين، وعندما تحاورني لا تقاطعني حتى أنتهي، وإذا رأت منطقي أفضل مما تعرضه، تعتذر فورا، وتقر بأن الحق معي.
أبي وأمي لا يعرفان ذرة واحدة عن خلجات نفسي، وعن أحلامي وآمالي وكوابيسي، وإذا عدت إلى البيت حزينة أو مستاءة أو غاضبة أو مرهقة من جراء التغييرات الجسدية والنفسية والعاطفية، ينظران إليَّ نظرة تعجب، ويكرران نفس الجملة التي سمعتها عشرات المرات، وهي أنني أحتاج لتناول طعام الغداء، ثم أستريح قليلا أو أغفو قيلولتي لأعاود الواجب المدرسي قبل وصول المدرس الخصوصي!
أشفق كثيرا على الكبار، وأراهم في كثير من الأحيان معاقين ذهنيا، وقساة، وغلاظ القلب، وعنصريين، ومتشددين، وعندما يجنح بي خيالي بعيدا أتمنى أن يحكم الأطفالُ دولتنا، من الزعيم إلى الوزراء والمحافظين، ونحن الأطفال لن نقيم معتقلات للأبرياء، ولن نفسد في الأرض، ولن نحكم بقوانين الطواريء، ولن نقيم دولة الظلم والبغي.
ما أجمل وطن يحكمه طفل لا يخادِع، ولا يغدر بأصحابه، ولا ينهب أموال الشعب، ولا يلقي خطبة متخلفة بلغةٍ سقيمة يعرض فيها انجازاته الوهمية ليحظى بتصفيق وتأييد المنافقين والجبناء.
وطن يحكمه طفلٌ لن ينفق أموال الشعب على الأمن والسلاح الخردة والمشروعات الفاشلة وكذابي الزفة من الإعلاميين والسياسيين.
وطن يحكمه طفل سيغلب العقل فيه، وسيتساوى فيه الجميع بغض النظر عن الدين والمذهب والعقيدة والطائفة والجماعة، ولن يأمرالزعيمُ الطفلُ بغزو جيرانه.
ثلاث تلميذات في الفصل المجاور لفصلنا في المدرسة تنقبن، وانسدل قماش أسود سميك على وجوههن البريئة والجميلة والمشرقة، وتم منع أي شعاع شمس يريد أن يتسلل ليساهم في صناعة وجه ناضر، وبشرة ناعمة، ولون يوشي بصحة نفسية وعقلية بعدما فتحت الشمس مسامات أرادوا لها العتمة، وظلاماً دامساً، وقماشاً للموءودة وليس للعفة.
نحن الأطفال ندفع ثمن أخطاء الكبار، فهم يتعاطون المخدرات ويتاجرون فيها، ويقومون ببناء سجون بدلا من المستشفيات ومراكز البحث العلمي والجامعات، ويسرقون، وينهبون، ويمارسون الغش والتحايل.
جارتي التي تسكن في الطابق الثالث وهي تكبرني بعامين بدأت في ممارسة الرذيلة في درجاتها الأولى، ولما سألتها انهارت بالبكاء، وقالت لي بأن والدها هو الأب الغائب الذي يأتي مرة في كل عامين أو ثلاثة، ويعود إلى بلده الثاني قبل انتهاء موعد الزيارة لأهله، وأنها وهو لا يتحدثان إلا قليلا، فهو يتعجل العودة، وهي تتعجل مغادرته لتعيش عالم الكبار بدون رقيب أو ناصح أمين.
تصرفات الكبار تصيبني بالحيرة الشديدة، فوالدي يقضي المساء مع أصحابه، ثم يعود إلى البيت بعد ساعات من الأحاديث الفارغة من المضمون، والصياح المرهق، والجدال العقيم، وتأييد أشخاص حزبيين وسياسيين ومسؤولين لا يعرفون عنهم شيئا.
والدي لم يحضر اجتماعا واحدا في المدرسة مع أولياء الأمور الآخرين، وهو لا يعرف أسماء زميلاتي، وكلما رأى إحداهن خاطبها بــ يا شاطرة، وهو غير قادر على إدارة حوار مع أي منهن لأكثر من دقيقتين.
إن الكبار يقومون بصناعة أمراضنا النفسية والعصبية، ويساهمون في بؤسنا وجهلنا، وأنا أعرف زميلة لي لم يعانقها والدها في أي مناسبة، ولم يقم بتقديمها لأي من معارفه، فهو يطلب منها الدخول إلى غرفتها كأنه يتوارى من القوم من سوء حظه.
ومع ذلك فنحن محظوظات مقارنة بالأولاد الصغار الذين يدفعون ثمنا مضاعفا لأخطاء الكبار، ويفترشون أحيانا الشوارع والأزقة، وهم حقول تجارب لمهربي المخدرات، ويتعرضون لافتراسات جنسية تضعهم على طريق الهاوية ولمّا يبلغوا الحلم بعد، وتتفتح لهم أبواب الإجرام قبل أن تنغلق نوافذ الطفولة!
نحن الأطفال نمثل ثلث عدد السكان، لكن نصيبنا في كل خيرات الوطن ليس أكثر من العـُشر أو أقل قليلا!
أين نصيبنا، مقارنة بالكبار، في الكتاب، والسينما، والمسرح، والشوارع الآمنة، والعلاج المجاني، وطبيب الأطفال، والبرامج الإذاعية، وخطبة الجمعة، وقداس الأحد، والملاهي، والحماية الأمنية، وتحليلات قضايا الوطن، والمناهج الدراسية التي تجبر الدولة المدرسين على الانتهاء منها في المدرسة وليس عن طريق الدروس الخصوصية؟
أين نصيبنا في الطعام الصحي، ومنتجات الألبان غير المغشوشة، وحقوقنا في زيارات منتظمة لآباء في السجون والمعتقلات، وأيضا حقوقنا في مجلات الأطفال، وحتى نشرات الأخبار البسيطة التي تخاطبنا؟
إن افراغ الكبارعالم الكراهية في نفوسنا لهو أشد خطرا، وجرما، ومهانة من كل الجرائم الأخرى، وأنا أتذكر زميلتي التي قررتْ في بداية العام الدراسي الجديد أن تتجنب أصحاب الدين الآخر، فلما استفسرت منها عن سبب تلك الكراهية الفجائية، فاجأتني بالقول بأنها أوامر صارمة من والدتها، وأنها أفضل، وأنقى، وأطهر من زميلاتها اللائي خرجن من بطون أمهاتهن على غير دين الحق!
لابد من توعية الكبار، وإعادة تربيتهم على أسس سليمة وقويمة وصادقة حتى يتمكنوا بالتالي من تربيتنا!
أشعر بغربة قاتلة أمام الكبار، ولا أدري ماذا يدور في أذهانهم، وأريد أن أعيش حياتي الطفولية كما أرادها الله لي، وعبر عنها جسدي وعقلي وعواطفي البسيطة والساذجة، لكن الكبار يقفون حجر عثرة في طريقي، فعلاقة الكبير بالصغير هي سيطرة، وسطوة، واستعراض عضلات، واستخدام المقدس في الأوامر والنواهي، واعتبار الولاية كأنها خفاش يلتصق بالوجه فيؤلمه، ويكممه، ويخفيه!
ألم يأن الوقت الذي يسمع فيه الكبيرُ آراءَ الصغير في كل شيء؟
ربما يتغير حينئذ الوطن كله، ويكتشف الكبار أنهم لم يكونوا على قدر المسؤولية، وأن الحكمة ليست من خبرة الكبير، ولكن في براءة الصغير!


محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في السابع من يونيو 2010
Taeralshmal@gmail.com

 

 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات