في علامة أخرى دالّة على سرعة انهيار الأنموذج السياسي التونسي المصنّع من طرف عصابة الإجرام التابعة للرئيس الهارب زين العابدين بن علي و أعوانه، كان لا بدّ من انزياح الغطاء عن الوجه الحقيقي لقيادات التجمع و لضعفها الفادح على مستوى التحليل السياسي بعد وضوح الارتباك الكبير الذي باتت تتخبط فيه هياكل اتخاذ القرار في التجمع الدستوري الديمقراطي. هذا الحزب الذي طالما قدّم نفسه على أنه الوصيّ على مقدّرات البلاد، المؤتمن على مستقبلها و الأمين على تاريخها، و على الرغم من كونه الحزب الأسنّ في كلّ دول العالم تقريبا، فإنه قد قدّم للعالم صورة واضحة عن المآل الطبيعيّ لسيطرة الأصنام و لتأليه الزعامات الفرديّة في ساحة العمل الحزبيّ و السياسي الوطني.
كان حدث إعلان السيدين فؤاد المبزّع و محمد الغنوشي عن استقالتهما من منصبيهما صلب الحزب قرارا مفصليا في تاريخ الحزب ستبين الأيام مدى خطورته و أهميته. فقد جاءت خطوتهما تلك لتبرز انعدام القدرة على التحليل الاجتماعيّ السياسيّ السريع للواقع التونسيّ و العجز المتكرّر عن استيعاب التفاعلات الراهنة للشارع مع تصرّفات الساسة في البلاد و خاصة عندما يتعلق الأمر برموز التجمع. فبعد أن أثبت الشعب التونسي أنه لا يغفر لمن تمادى لفترة طويلة في الكذب عليه و أنه لا يرضى من التجمعييّن بالذات بغير الرضوخ الكامل و غير المشروط لإرادته و الانحياز اللامشروط لخياراته من خلال ما تبناه الشارع من ردّة فعل تصعيدية واجه بها خطب الرئيس الهارب، مما دفعه إلى التدرّج نحو الإذعان اللامشروط لمطالبته بتنحيه عن الحكم و إرغامه على الفرار من البلاد، بيّن الرئيس المؤقت للبلاد و رئيس حكومته أنهما لم يستوعبا الدرس الذي لقّنه الشارع التونسي لبن علي و يبدو أنه يصرّ اليوم على أن يلقنّه لكلّ رموز نظامه و حزبه الذين طالما استغفلوه و استهانوا بذكائه و عبقريته.
و أكيد أن المحلّل الحصيف العارف بعلم نفس الجماهير عامة و الدارس لنفسية الجماهير التونسية الغاضبة في هذه الظرفية بالذات لا بدّ و أن يستخلص من ثورتها و غليانها أنّ أنصاف الحلول و ما أصبح يعرف في تونس بمنطق "مسك العصا من الوسط" لا يمكن إلاّ أن يزيد من حدّة الاحتجاجات الشعبية لا العكس. هذا ما يعني أنّ جواب السيدين المبزّع و الغنوشي على مطالبة الشارع برحيلهما و رحيل كل رموز النظام السابق و حزبه قد جاء نشازا مقارنة بصوت الجماهير و بعيدا عن الحلّ المطلوب لإنقاذ البلاد و حتى لإنقاذ الحياة السياسية للرجلين. فالشعب التونسي اليوم قد أثبت عزمه على أن لا يغفر لهؤلاء على سلبيتهم طيلة مشاركتهم في نظام بن علي إلا بالانسحاب النهائي من الحياة السياسية بالبلاد مع اشتراط أن لا يثبت من التحقيق أنهم مورطون في جرائم قد تكشفها الأيّام.
و لعل ما زاد الطين بلّة ما جاء في تصريحات وزير الداخليّة السيد أحمد فريعة من تماد في انتهاج نفس سياسة الصمم العجيب تجاه نداءات الشارع مع محاولة لتقزيم ثورة الشباب التي أصبحت هاجسا يوميا يجري في عروق كل التونسيين و يسرّع من نبض الحياة لديهم. يضاف إلى كلّ هذا ما تمّ الاعتراف به ضمنيا من طرف السيد محمد الغنوشي من معرفة دقيقة بخفايا اللعبة السياسية في عهد بن علي كشفت عنها تركيبة حكومة الوحدة الوطنية المقترحة من طرفه و ذلك على خلاف ما يحاول جانب من الإعلام أن يقدّمه به للشعب التونسي من أنه رجل اقتصاد ناجح فقط و لم يكن له أي دور في صنع سياسات مرحلة بن علي.
من ناحية أخرى، فقد أخطأ السيد الغنوشي و طعن الشارع التونسي في الصميم حين اعترف بحصول اتصال بينه و بين الرئيس الهارب بن علي بعد فراره على إثر ثورة 14 جانفي المجيدة.
إن أغلب المتابعين للثورة الشبابية في تونس لا يمكن إلا أن يكونوا أقرب إلى الضحك الشديد و العميق في نفس الوقت إزاء هذا الاعتراف على الرغم من طريقة روايته من طرف السيد الغنوشي. فالتذرع بالأخلاق لتبرير عدم قطع الاتصال مع رئيس هارب مطرود من شعبه الذي لم يترك الشوارع بعد هو منتهى الاستهزاء من ذكاء الشعب الذي يعلم جيدا أن نفس أخلاق وزيره الأول لم تمنعه من الصمت طيلة سنوات على مظالم كبيرة و انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان و للحريّات العامة و لمبادئ العدالة بجميع أشكالها و الحق في التنمية العادلة و المساواة الاجتماعية خصوصا.
هذا الشعور الشعبي العارم يرادفه إحساس بمحاولة الضحك على ذقون الشعب التونسي و السعي على إخماد ثورته الملتهبة من خلال إقران إعلان الاستقالة المشار إليه بقرار الحزب طرد البقية الباقية من الطبقة الأولى من مسؤوليه و هو ما يطرح عدة تساؤلات لعل أقلها أهمية السؤال البديهي الأول عن الأشخاص الذين اتخذوا مثل هذه القرارات صلب الحزب و مدى قانونية هذا القرار و أهلية من أصدره و قدرته الهيكلية على إصداره. مثل هذا السؤال قد لا يكون معتادا قبل اليوم صلب التجمع الدستوري الديمقراطي، و لكن وعي الشارع التونسي يجعله تساؤلا جديرا بالاهتمام لصلته بالمشروعية القانونية لقرارات من شأنها أن تنحت مستقبل حزب حكم البلاد على امتداد أكثر من خمسين سنة و فقد اليوم مشروعيته الجماهيرية. إن أهم ما يثير الاستغراب في هذا الظرف هو أن تكون طريقة أخذ القرارات صلب هذا الحزب هي نفس الطريقة التي كان يلجأ إليها النظام السابق الهارب من غضبة شعب تونس الأبيّ، أي القرارات الأحادية مجهولة المصدر و التي لا تأتي إلا بعد انتهاء و فوات كلّ مبررات اتخاذها. هذه التي كانت دائما تعرف في أوساط النظام بـ"التعليمات".
و لا شكّ أن تواصل هذه الطريقة في أخذ القرار في حزب الطاغية حتى بعد سقوطه زادت في تعرية الصورة المغلوطة لهذا الحزب التي زرعتها قياداته منذ زمن بعيد من طرف قياداته ذاتها حين قدّمت رموزه اعترافا منقطع المثيل على كذب ما كان يتحدث عنه النظام من إجماع كامل حولهم و حول خياراتهم التي ثار الشعب ضدها لابتعادها التام عن مشاغله الحقيقية و لانخراط الحزب و إطاراته في تبنّي خيارات عصابات الإجرام و النهب الدولية و الدفاع عنها (نشير هنا إلى ما يتداوله الشارع السياسي من معلومات لا نعلم مدى صحتها حول دفاع مكتب المحاماة الذي يشارك فيه أحد أكبر و أبرز مسؤولي التجمع المستقيلين عن كبار تجار الآثار و المسروقات و غيرها من الممنوعات في القضايا ذات الصلة. كما تتداول أحاديث و أقاويل نجهل مدى صدقها حول شكوك تتعلّق بتورط محتمل في الفساد من قبل نفس الأشخاص في إطار احتكار شبه كلي لإسداء جملة من الخدمات القانونية).
و بعد أن تبيّن في مرحلة أولى عدم إلمام قيادات التجمع بما يعتمل في الشارع التونسي من مواقف متسارعة و متطورة إلى حدّ عجيب الدقّة و الحساسية، كشفت قرارات قيادة الحزب الحالية (و هي قيادة مجهولة بعد الاستقالة المشار إليها و هرب رئيس الحزب) عن زيف كلّ ما طبّل له قادة الحزب و رموزه طوال عهد بن علي و من بينهم الرئيس الوقتي و رئيس حكومته.
فشل المقاربة التي تعامل بها أرباب الحزب الحاليون في التعاطي مع الواقع الاجتماعي و السياسيّ في تونس و انكشاف التخبط الكبير في أوساطهم هو الدليل الآخر و ليس الأخير على دقة تحليلات الشعب التونسي لسبب وضعه المتردي و البرهان العملي الأكبر على جديّة و راهنيّة مطلبه الأخير بضرورة حل التجمع و استبعاد كل رموزه من الحكومة المرتقبة في هذه المرحلة من تاريخ البلاد على الأقل.
فخلوّ حزب التجمع الدستوري الديمقراطي من الساسة الأكفاء القادرين على قيادته في مرحلة التأزم الحاليّة (أو على أقل تقدير عدم وجودهم بين النخبة المسيطرة عليه)، يضاف إليه ما أقر به رئيسه الهارب حين اعترف بأنه لم يكن محاطا بمستشارين أكفاء، كل هذا يدفع في اتجاه الاعتراف للجماهير الشعبية التونسية بالعبقرية النادرة في تحليل الوضع الراهن و التوصّل إلى الحلول الجذرية الفاعلة و المدروسة التي كان أولها المطالبة المبدئية بحل التجمع و استرجاع ما تم تخصيصه له من أموال الشعب إلى مالكها الحقيقي و هو الشعب.
و لعل الأيام القادمة قد تخفي يقظة مفاجئة مرة أخرى لرموز التجمع الدستوري الديمقراطي التي ستكتشف من حراك الشارع التونسي أن لا مجال لها و لا لحزبها اليوم في الحياة السياسية بالبلاد.
لقد بدأت أخطاء التجمع القاتلة تتجلى للعامة حين أعلن رئيسه الهارب أنه قد فهم شعبه بعد 23 سنة من الحكم الدكتاتوري المقيت بما يعنيه ذلك من زيف كل حملات التسويق الداخلية و الخارجية لبن علي و حزبه طيلة ما يقارب ربع قرن لم يكن فيها القائد فاهما لشعبه و كان أعوانه يدفعونه في نفس الاتجاه الخاطئ و يساهمون معه في استبلاه الجماهير و النيل من حقوقها. بذلك اعترف رئيس التجمع أولا ثم حزب التجمع ممثلا في أبرز رموزه ثانيا أنه، تماما مثل رئيسه المطرود، قد كان في سبات عميق منشغلا بمآرب شخصية ضيقة و بعيدا عن شواغل الشارع التونسي. بذلك أثبت هؤلاء أنهم قد استيقظوا ـ إن استطعنا تصديق ذلك طبعا ـ متأخرين جدّا تحت هبّة الغضب الشعبي للشارع التونسي الهدّار و الممتد في كل أنحاء البلاد و خارجها بصفة عفوية و غير منظمة و لا مؤطرة.
استقالة السيدين فؤاد المبزع و محمد الغنوشي من مسؤولياتهما في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي إنما هي سير في نفس اتجاه مخالفة نبض الشارع التونسي و إن بدت خلاف ذلك. فسقف مطالب الشعب أرفع بكثير من مجرد الاستقالة من المناصب الحزبية و إنما هي دعوة إلى حل الحزب ككل و إلى استبعاد مشاركة كل رموزه في النظام القادم في البلاد. و على ذلك، تطرح الاستقالة المشار إليها إشكالين على أقل تقدير: فمن جهة، فإنها قد كانت استقالة من المسؤولية بالحزب دون تعبير عن تبرئ من الانتماء إليه أو انسحاب من صفوفه رغم معرفة المستقيلين لموقف الشارع من هذا الحزب و هو ما يعني أن هذا الانتماء سيكون حائلا دون الشارع التونسي و احتمال التسامح مع رموز الحزب المستقيلين بقبول مشاركتهم أو وجودهم على أعلى هرم السلطة في هذه المرحلة بالذات المتميزة بشدة الاحتقان. كل هذا مع التذكير مرة أخرى بأن أساس مطالب الشارع تتمثل في ضرورة حلّ حزب الدستور و مصادرة كل ممتلكاته لفائدة الدولة.
من جهة ثانية، فإن استقالة رئيس الجمهورية المؤقت و رئيس حكومته المقترح لم تأت اختيارا منهما بل جاءت تحت ضغط الشعارات المرفوعة من الجموع الشعبية الثائرة ضد التجمع الدستوري الديمقراطي و كل رموزه و قادته في كامل تراب الجمهورية.
يضاف إلى كل ما سبق أن الحزب قد أعلن عن طرد أو شطب مجموعة من قياداته الذين قدّموا للرأي العامّ على أنهم المسؤولون عن كل ما حدث في البلاد من جرائم و هو ما من شأنه أن يزيد في احتقان الشارع لا في إخماد ثورته نظرا لكون ذلك القرار إقرارا بتورط الحزب في تلكم الجرائم علاوة على أن سرعة اتخاذ هذا القرار جاءت تحت وطأة الهيجان الشعبي مما يقيم الدليل على أن قادة الحزب، و من بينهم الأعضاء المستقيلون، قد كانوا على بيّنة من أن زملاءهم القادة الآخرين متورّطون ـ على الأقل ـ في كل ما نسب إليهم من أعمال ثار من أجلها الشارع التونسي. إذ لا يعقل أن يتوصّل هؤلاء الذين يدّعون أنهم أرغموا على الانتماء إلى التجمّع من الوصول إلى كشف هوية المتسببين في أزمته و أزمة البلاد بهذه السرعة على أساس تحريات، قيل أنها قد صارت، لو لم يكونوا على علم مسبق بتفاصيل هذه الجرائم. كما أن قرار الشطب في حدّ ذاته هو تبنّ لخيارات بن علي الذي صرّح ذات خطاب أن أعوانه قد غالطون و سيحاسبون. كلّ هذا جاء رضوخا لإرادة الشعب الذي يرفض اليوم أن يرى على رأس دولته كل من ساهم، و لو بالصمت، في الديكتاتورية.
و يبقى احتمال عفو شعب تونس الأبيّ عن بعض رموز نظام بن علي واردا و إن كان مستبعدا في الوقت الحاضر، فهل ينتصر التونسيون للحرية و التحرر مرة أخرى خاصة و أنه قد ثبت مع الأيام أن أرض تونس ولاّدة للعباقرة طاردة للأقزام.
الأكيد أن الأيام ستثبت مرة أخرى صدق الجماهير التونسية الهاتفة بأن "تونس تونس حرّة حرّة، و العميل على برّة"
التعليقات (0)