مخطئ من ظن أن الطالب المغربي يعيش في رفاهية مطلقة في ظل عصرنا الحالي، معتقدا أن الدولة توفر له كل شيء
و لا ينتظره غير الجد و التفوق لتتوج مجهوداته في آخر المطاف بمنصب يتماشى مع التخصص و مجال الدراسة،
فالواقع أكبر من تلك التخيلات و الأحلام الوردية التي تصاحب الطالب بدوره منذ أن تطأ قدماه المدرسة إلى حدود
الحصول على شهادة التخرج، حيث تكون الآمال مازالت قائمة حتى و إن كان القلق يتسلل إلى المخيلة إثر سماعه عن
تجارب من سبقوه مع البطالة و العمل بمجال غير التخصص أو الارتماء بين أحضان منطقة هامشية بعيدة للعمل لسنين
قبل الالتحاق بالمدينة المناسبة للاستقرار.
يعيش الطلبة ما بعد البكالوريا آفاق جديدة بعد التمكن من اختيار التخصص و تحديد الهدف الذين ولجوا من خلاله لكلية
دون أخرى . ينطلق مشوار العمل و تنطلق معه عراقيل عدة تواجه على وجه الخصوص الطلبة الذين ينحدرون من
مناطق نائية و مدن لا تتوفر على الجامعات و المعاهد و المدارس العليا فيضطرون إلى التوجه نحو أقرب مدينة تتوفر
على هذه المؤسسات ليستقرون بالحي الجامعي بمشاكله و تحدياته الناتجة عن اختلاف العقول الطلابية و تباين أسباب
الالتحاق بالجامعة، و من عجزعن الاستمرار في جو الاختلاط و التأقلم مع قاعدة "الأذواق لا تناقش" فعليه اللجوء إلى
شقة برفقة مجموعة من الزملاء بأثمان عالية بحكم قرب موقعها من مقر الدراسة .
سنوات تمضي طويلة للبعض و قصيرة للآخرين، تتخللها امتحانات و أبحاث و مشاريع تخرج ترمي بالأساس إلى
تأطير الطالب و تأهيله لسوق الشغل الذي يشكل مستقبل و مبتغى كل طالب ، و في نفس الوقت الكابوس المزعج الذي
يطارد حلمه و يحمله على حمل قناعات مسبقة ترسبت وفق تجارب لأفراد من العائلة أو المعارف ،كما أشار الطالب
"ي.ب" الذي اعتبر الجامعة تحصيل حاصل و دخولها مجرد امتثال لرغبة الوالدين و ليس لشيء آخر.
إن واقع المجتمع المغربي و ما يعرفه حاليا من احتجاجات و مطالبة بالتغيير و ما صارت تتراوده المنابر الإعلامية من
قضايا البطالة أقحم القلق و الاستياء في صفوف الطلبة الجامعيين و جعلهم متخوفين من مرحلة ما بعد التخرج ،
خاصة عندما يتحول الأمل و الرغبة في استكمال المشوار الدراسي إلى خوف من مستقبل مجهول و مصير لا ينبئ بالخير.
بمجرد ما يحصل الطالب على شهادة التخرج بميزة معينة حتى يشرع في خوض غمار معركة البحث عن عمل ، و ليس
أي عمل ذلك الذي يركز عليه في بداية مشواره و إنما يسعى وراء المنصب الذي يتماشى مع كفاءته و طاقاته و يوفر له
دخلا ماديا محترما و قيمة اجتماعية جيدة، عن طريق التقدم لاجتياز مباريات التوظيف التي غالبا ما يخرج منه الطالب
خاوي الوفاض لأسباب تتنوع ما بين قلة الكفاءة و الخبرة أو لتدخل عامل المحسوبية و الزبونية في انتقاء المرشحين ،
حينها لا يجد الطالب المعطل بدا غير الوقوف أمام قبة البرلمان لخوض اعتصام مفتوح إلى غاية استجابة الحكومة لمطالب
المعطلين حملة الشهادات العليا "الماستر/الدكتوراه" و ما يشمله هذا الأخير من تماطل و انتظار ثقيل منسم بتوابل العنف
من طرف السلطة التي تترصد لهذه الفئة من المعطلين بالمرصاد ، فكل معتصم يحظى بحصته الكاملة من الضرب و الاعتداء
الجسدي و المعاناة النفسية،و لن يكون ذلك إلا ثمنا بسيطا نضيفه إلى سنوات الدراسة كاملة ليحصل الفرد على وظيفة
تعفيه من حمل صفة "معطل" التي نهجت وزارة الداخلية إجراء جديا عندما حذفتها من قائمة المعلومات التي تحملها البطاقة
الوطنية ، في اعتقاد أن هذا الإجراء كفيل بتقليص حدة البطالة بالمغرب ، كما جاء في تصريح أحد الطلاب المتخرجين
عندما سألناه عن سبب تقدمه للاعتصام رغم معرفته بتكلفته القاسية، فأجاب " واشنو غادي نديرو ...هادا هو المغرب".
ليظهر في هذا الإطار قانون التوظيف المباشر الذي نهجه المغرب لسنين طويلة ، فيمنح امتيازا لحملة الشهادات العليا
و يخول لهم الحصول على وظيفة دون الحاجة إلى اجتياز المباريات ، طبعا بعد خوض الاعتصام التي يكون في مدينة
الرباط و يستمر لفترة يفرض فيها الحضور اليومي إلى ساحة الاعتصام امتثالا للقوانين المؤطرة لهذا النوع من الاحتجاج
على الوضع و المطالبة بأحسن منه ، وحسب بعض المصادر- يقال أن التوظيف المباشر سيتوقف عند سنة 2011 ليتم
العمل بمبدأ مباريات الولوج إلى وظيفة حتى بالنسبة لحملة الشهادات و هو الشيء الذي لم يثر إعجابهم معتبرين أنهم
أكبر من تلك الشكليات.
رغم كل ما بات يعرفه التعليم في ظل السنوات الأخيرة، ما بين ضعف المنظومة التعليمية و تراجع النتائج الدراسية
و قلة فرص الشغل ، مازال الطالب المغربي يتشبت بحقه في إكمال دراسته و التمكن من شهادة التخرج التي تخول له
الحصول على المهنة التي تناسبه و ليس تلك التي رمي بها لملء الخصاص الذي يخيم على عدد من القطاعات العمومية
بالمملكة ، حتى و إن كان أمل الطالب قد انتعش شيئا ما إثر إصدار الدستور الجديد الذي رسم صورة جميلة لمغرب الغد
و الأهم من ذلك لشباب الغد .
التعليقات (0)