مواضيع اليوم

معالجة الغلاء بتراث البخلاء

جمعة الشاوش

2012-04-30 14:49:40

0

الشعوب تحكمها معادلة الرّغيف والأمل،وهي إذ تجد رغيفا يبقى الأمل يُراودها في الخير العميم حرية وكرامة ورَغَدَ عيش،أمّا إذا استعصى عليها الظفر بالرغيف،فإنّ "الجوع كافر" ومُحرّضٌ على كلّْ البلاوي...
الفقراء والمحرومون والمعطّلون والمهمَّشون هم الذين صنعوا الثورات العربية احتجاجا على أوضاعهم البائسة واعتقادا منهم أنّ الثورة إشباع للجياع بملء جيوبهم بالمال الوفير وإغراق للأسواق بما طاب للأذواق...غير أنّ أسواق الثورة لم تمنحهم غير حقّ كشف العورة...أيْ أنهم،بفضل الثورة،انتزعوا حقّ الصّراخ بالمجاهرة بجوعهم في وجه السلطة الثورية،وهو ما لم يكن مسموحا بكشف حقيقته قبل الثورة...
لله درُّكِ أيتها الثورة "العورة" حين مكّنْتِ الجائع من أن يكشف بطنه الخاوية وأن يسمع عواء أمعائه دون خجل ولا تعفّف،لكن إذا كانت الرّغبة من ذات "الوقاحة" غير المعهودة هي إسكات الصراخ بمَلْء الفم استجابة لحاجة اللسان إلى الاضطلاع بوظيفته في التذوّق،فهل من مستجيب ؟..أحسب أنّ الثوّار الجياع أدركوا،جيّْدا،أنّ وظيفة اللسان في عهد الثورة هي خدمة رسالة الحنجرة الثورية التي كرّمت الثائر بحقه في العويل والصراخ،وإن رغب في غير ذلك فما عليه إلا التعويل على عضلاته ليستعملها فيما شاء بما في ذلك السطو والنهب واللصوصية التي ازدهر سوقها وانعدم الخوف من محاذيرها في ظلّ الفوضى والانفلات الأمني...
أما المتعفّفون من "فلول جياع النظام السابق" ومن المُفقَّرين الجدد من جرّاء تداعيات الثورة،فعليهم أن يُدركوا،عاجلا وقبل فوات الأوان،أنّ الخطاب المشحون الذي يُسوَّق لهم من القادة،أكانوا معارضين أو أولي الأمر في السلطة،هو لا يستعجل تفريج كربتهم وبالتالي هو،راهنا،"لا يُسمن ولا يُغني من جوع"...
شعوب الرّبيع العربي يزداد ضنك الحياة عليها احتياجا والتهابَ أسعار وغلاء معيشة،ولا نرى لها من حلٍّ غير اقتدائها بـ"سلفييها" في تدبير شأنهم مع خالقهم بكلّ تلك الحلول الاستعراضية اللافتة التي اهتدوا إليها نهلا من التراث الإسلامي وفق ما ارتأوه مستجيبا لإشباع النّهم الروحي الذي يشكونه...أيْ على مَنْ يحتاجون تدبُّر نهَم بطونهم،في ظلِّ غلاء المعيشة أن يستعينوا بتراث الأوَّلين في مجابهة شظف العيش بالتقتير والتدوير (الرّسْكَلة) في فنون الطبخ داعين القائمين على منظّمات الدّفاع عن المستهلك "الثوريين" أن يضعوا بين أيدي منظوريهم كتاب "البخلاء" للجاحظ،فهو يفي بالحاجة لمن أعوزته الحيلة لبطنه العليلة...
للإقناع بفضائل كتاب البخلاء للجاحظ والتسويق له في هذا الزّمن الثوري العجيب نسرد منه شذراتٍ للإغراء به :"قال المكّي:دخلتُ عليه(العنبري)يوما وإذا عنده..تمْر،وإذا ضئْرُهُ(مُرضعة الأولاد) جالسة قبالته،فكلّما أكل تمْرة رمى بنواتها إليها،فأخذتها فمصّتها ساعة ثمّ عزلتها..."
كان "الثوريّ" يقول لعياله:لا تلقوا نوى التّمْر والرُّطَبِ،وتعوَّدوا ابتلاعه،وخُذوا حلوقكم بتسويغه(ابتلاعه بسهولة)،فإنّ النّوى يَعْقِد الشّحمَ في البطن،ويُدْفئُ الكُليَتيْن بذلك الشّحم..."
"كان أبو عبدالرحمان يُعْجَبُ بالرّؤوس..ولا يأكل اللحم إلاّ يوم إضحى..أو يكون في عرس أو دعوة أو سُفرةٍ..كان يقول:الرّأس شيء واحد،وهو ذو ألوان عجيبة،وطُعُومٍ مختلفة..والرّأس فيه الدّماغ،فطعمُ الدّماغ على حدة،وفيه العينان وطعمها شيء على حدة،وفيه الشحمة التي بين أصل الأذن ومُؤخّر العين،وطعمها على حدة...(يسترسل في تفكيك الرأس)..الناس اشتقّوا من الرّأس الرياسة والرّئيس..الرّأس هو المَثَل والمُقَدَّمُ...وكان إذا كان يومُ الرّؤوس أقعد ابنه معه على الخوان..وكان فيما يقول له:اعلَمْ أنّه إذا كان في الطعام..مُضغة شهيّة،فإنّما للشيخ المُعظَّم والصبيّ المدَلَّل ،ولستَ واحدا منهما..أيْ بُنيَّ،عوِّدْ نفسَك الأثَرَةَ ومُجاهَدةَ الهوى والشهْوةِ..لِمَ زعم الرّسول (صلى الله عليه وسلم) أنّ الصّومَ وجَاءٌ(أيْ ذهاب الشهوة)،إلاّ ليجعل الجوع حِجَازًا دون الشّهوات؟..افْهَمْ تأديبَ اللهِ،فإنّه لم يقْصِدْ به إلاّ إلى مثلك..."
لا ينفع اليوم في مجابهة التهاب الأسعار وغلاء المعيشة في ظلّ هدير الثورة وصراخ جياعها سوى فرْضُ النهل من التراث للقطع بالتقتير مع التبذير ولتسكين أوجاع البطن الخاوية بنَوى التّمر ورؤوس الأضاحي لمنْ استطاع إليها سبيلا،في انتظار صعود رؤوس وسقوط أخرى...

 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !