مواضيع اليوم

مصر بدون مبارك كما شاهدتها الحلقة 3


مصر بدون مبارك  كما شاهدتها   الحلقة 3

 

في عهد الطاغية تتوارى خلف الستار وجوه ماكان لها أن تتنفس نفس الهواء الذي يدخل رئتي الزعيم، فإذا أطلت على الشعب دفعها الطاغية إلى الخلف أو إلى أسفل أو دفنها في عالم النسيان.
في عهد الطاغية تتم في القصر صناعة البطل، فهي صناعة محلية صرفة ولو كانت فيها نكهة من بقايا الاستعمار في سياسة ( فرق .. تسد)، أو في التلاعب على المسرح الوطني الحيّ بالصورة التي تخدم قوى الشر بكافة أصنافها وأطيافها ( كتاب الصراع الفكري في البلاد المستعمرة لمالك بن نبي )، وفي مصر كان أحمد عز بديلا عن الدكتور عبد الوهاب المسيري ( رحمه الله)، وكان أسامة سرايا يؤشر بالموافقة أو الرفض لمقال فهي هويدي، وكان رجب البنا يؤكد أن الرئيس( المخلوع) حسني مبارك لا يخطيء مطلقا، وكانت قائمة الممنوعة أقلامهم على الاقتراب من الصحافة المصرية أكثر من المسموح لهم بالتهادي في ردهات بلاط صاحبة الجلالة السلطة الرابعة.
نفس الأمر ينسحب على كل المناصب والوظائف المدنية والعسكرية والأمنية، فالدولة كلها تم تعليبها، وتغليفها، ووضعها على مكتب الرئيس ليحدد بنفسه نسبة الهبر، والنهب، والسلب، والتحايل، والحلب وفقا لسعة الولاء، فطاعة ولي النعمة هي التي تحدد تقسيم المخدرات في الغرزة، أعني تقسيم الغنائم في القصر!
نجحت ثورة الشباب في تغيير وجه الحياة والمستقبل في مصر رغم أنف الثورة المضادة، لكن وجوها شريفة ساهمت في نجاحها بصورة أو بأخرى لم تطل بعد على الجماهير على الرغم من أنها لم تكن محسوبة سلفا على نظام الطاغية.
اللواء أحمد رشدي واحد من قوى الأمن التي حاولت وضع لمسات إنسانية في علاقة متشابكة ومعقدة بين المواطن ومباحث أمن الدولة، لكن عين حبيب العادلي كانت له بالمرصاد.
تولى منصب مدير مباحث أمن الدولة بالاسكندرية في عام 2005 عندما كان هناك في الثغر احتقان طائفي، وانتخابات تشريعية، ونية مسبقة بالتزوير والتزييف والبلطجة، واعتقالات عشوائية تتحدد إثرها نتائج الانتخابات، وتم اعتقال عدد هائل من أعضاء الاخوان المسلمين.
رفض اللواء أحمد رشدي اعطاء أي أوامر بالتعذيب أو الانتهاك أو الاغتصاب أو الاهانة بكافة صورها، وظل لسبعة عشر شهرا ثابتا على موقفه، وعارضا مكتبه للوساطة الاسلامية/القبطية، والتقى لديه مسلمون وأقباط في اجتماعات مطولة ليخرجوا بعدها متصافحين، ومتعانقين.
ولم تتحمل القيادة الأمنية في القاهرة أن يلتحم المقر الثاني لمباحث أمن الدولة في الأهمية مع الجماهير، وكشر حبيب العادلي عن أنيابه، ووصف اللواء أحمد رشدي بأنه ضعيف ووديع، أي أنه يدلل أبناء الاسكندرية بلطفه وإنسانيته.
وتم نقله إلى القاهرة ليصبح أقرب إلى عيون مساعدي وزير الداخلية، فقضى في مكتب أمن الدولة بمجلسي الشعب والشورى خمس سنوات شاهد خلالها من كثب ما يشيب له شعر الجنين.
وقبل الثورة بثلاثة أشهر أنقذه الله عندما تم نقله مرة ثالثة..
منذ أكثر من عشر سنوات، وعندما كنت أستعد لزيارتي السنوية تلقيت منه رسالة شفوية بأنه تم وضع اسمي في المترقب وصولهم إلى كل منافذ مصر، فهو يعرفني من كتاباتي عندما صرح بطبع كتبي الأولى، لكن صاحب المطبعة كان رقيبا على نفسه، وحذف بعض المقالات التي تنتقد مبارك رغم التصريح بها من اللواء أحمد رشدي.
في اليوم التالي لوصولي الأول لقاهرة ميدان التحرير بعد أحد عشر عاما من الغياب قمت بزيارته في مكتبه بوزارة الداخلية، ولم أكن قد التقيت به من قبل.
كان اللقاء حارا، ودافئا، وأخوياً، وقدمت له الشكر الجزيل على مواقفه المشرفة مني، ودعمه المعنوي لثورة الشباب، وسألته عن تلك الشجاعة التي واتته عندما اتصلت به من أوسلو بعيد بث ( أوراق مصرية ) من قناة الحوار ( حلقة 13 نوفمبر 2010) التي دعوت خلالها إلى الثورة عندما يكتشف المصريون بأن عدوهم الحقيقي هو حسني مبارك!
أكد لي بأن تليفونه كان مراقبا، وأن حبيب العادلي كان على علم بتعاطفه مع شباب الثورة، وكراهيته للطاغية الرئيس، فازددت احتراما له في وقت يضع من ينصت إليك سبعين علامة استفهام إن امتدحت في ضابط كبير من مباحث أمن الدولة.
كان سعيدا لأن ملفه لم تتناثر عليه بقع سوداء، ولم توجه إليه أي جهة ثورية أو من رئيس الوزراء الدكتور عصام الشرف تهمة امتهان كرامة مواطن واحد مهما صغرت.
ثم التقيت به مرة ثانية في بيته بالاسكندرية ( الجمعة 13 مايو 2011) وسهرنا طويلا نتحدث في كل شيء، ويعرض تاريخه، وأحلامه، وتمنياته، فضلا عن مساهمته في ثورة الشباب التي ينسبها أيضا للشرفاء من أمن الدولة الذين عانوا كثيرا من ظلم واجحاف النظام البائد، لكن التعميم لم يبق لكثير من الشرفاء طريقا لاعادة المشهد بأثر رجعي.
تحدثت مع بعض شباب الثورة الذين أكدوا لي بأنهم على وعي تام بالقوى الوطنية التي لم تكن في صف الطاغية، فحاول ابعاد القرار الأمني الوطني عن أيديها النظيفة.
اللواء أحمد رشدي يملك كل مقومات القيادة والادارة الأمنية لصناعة جهاز يحمي المواطن والوطن، ويضع أولوياته في استتباب الأمن وكرامة المواطن، وأنا على يقين من أن الرجل قادر على العطاء في مصر الثورة، وانهاء الانفلات والبلطجة، وأنه سيجعل مصر واحة للأمن والسلام.
قد يكون هو المثل الأقرب لي بحكم تجربتي الصادقة والشفافة معه عندما كان في السلطة ويمهد للثورة، وكان قويا بايمانه بوطن لا تستقيم الحياة فيه بدون كرامة المواطن، لكنه كان ضعيفا في عيني حبيب العادلي!
ولكن مصر الثورة تحتاج إلى عملية فرز جديدة، وبحث في كل شبر عن الذين أزاحهم الطاغية عن طريقه ولم تبحث الثورة عنهم بعد.
مصر قادرة على اعادة تقديم شرفائها، ووطنييها، ورموز النزاهة والعبقرية والادارة والقيادة فيها قبل أن يعود رجال مبارك بوجوه قديمة عليها أقنعة حديثة.
إنني على يقين من أن الدور الذي يمكن أن يقوم به اللواء أحمد رشدي في مستقبل مصر سيكون مكسبا كبيرا للثورة وشبابها.
هذا بلاغ للثورة وشبابها وللدكتور عصام شرف ولجماهير شعبنا، ويبقى الحكم النهائي لصانع القرار السياسي والباحث عن الجندي المجهول في زمن تحتاجه مصر أكثر من أي وقت مضى.
وإلى المشهد الرابع بإذن الله في مصر بدون مبارك كما شاهدتها
 

وسلام الله على مصر.

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 5 يونيو 2011
Taeralshmal@gmail.com

مصر بدون مبارك كما شاهدتها
2
 
عندما يسقط طاغيةٌ أو يموت تتوزع روحُه علىَ رجالِه، وكلابِه، وخَدَمِه، وأتباعِه، فيدافعون عنه في غيابِه كأنه حاضرٌ أمامهم، ويركعون لخيالـِه، ويتوهمون أنه عائدٌ إليهم حتى لو أقسم لهم دودُ الأرضِ أنه لم تَعُدْ فيه ذرةٌ تؤكل!
في مصر لا تزال رأسُ الأفعىَ تستلقى علىَ فِراشٍ أبيض في منتجعٍ سياحي، لكن ذيولَها تتناثر في السجون والمعتقلات والقصور ومؤسسات حكومية ونقاباتٍ وجامعاتٍ ومراكز صناعةِ البلطجية وأصحاب السوابق.
أول انطباع جيّد قبل وصولي لمصر في أول زيارةٍ بعد أحد عشر عاما من الغياب كان في منتدىَ الأدباء بالعاصمة النرويجية الذي استضاف مجموعةً من شباب ثورة يناير الذين تلقوا الدعوةَ من وزارة الخارجية في أوسلو، وختم أحدُهم، ويُدْعىَ جمال حمدان، الندوةَ قائلاً بأنَّ عصرَ بيع الغاز والبترول بغير السعر العالمي انتهى.
في مصر بعد الثورةِ أفكارٌ تتضارب، وتتدافع، وتتسابق للوصول إلى صانع قرارٍ لم يوجد بَعْدُ.
في مصر بعد الثورة يتنفس المصريون حريةً لا يُصدق أيٌّ منهم أنَّ رئتيه تسعان هذا الكمَ الهائلَ من الهواء النقي.. أعني غيابَ التلوث القمعي للسان والذي خيّم علىَ حياةِ المصريين في عهد اللص والأربعين ألف حرامي، فلم تكن تستطع أن تميّز بين السحابة السوداء و .. بين عتمة الاستبداد.
مصرُ بعد الثورة تنجب في الدقيقة سبعين ألف فكرة واقتراح ورأي وحُلم، لكنها تتبخر في الهواء، فالثورة تحتاج إلى قائد، ومزاد القادة الذين يرفعون أيديهم ترشحاً لانتخابات رئاسية يشبه مزادَ بيع الخُردة في سوق الجمعة، وأكبرهم يُغرقه طرفُ جِلبابِ أمة من أعرق أمم الأرض، فكيف بجلباب الوطن كله؟
فكرةُ ( صندوق الأفكار ) التي طرحها المناضل الدكتور أسامة رشدي قد تكون حلاً مِثالياً لحصر كل المقترحات والأفكار، ثم الدفع بها لاحقاً إلىَ الجهة التي تتولى اخراجَها إلىَ الواقع و .. النور.

أرسلتُ قبل الوصول للقاهرة رسالةً إلى الدكتور عصام شرف مُمنياً النفس بلقاءٍ أعرض فيه مساهماتي الفكريةَ فيما بعد نجاح الثورة، وكتبت لرئيسِ الوزراء عن رغبتي الشديدة في عَرْض اقتراحي عليه وهو عن انتخابات مجلس الشعب، ولكن جاءت أحداثُ إمبابة الطائفية، ولم تُتح لي الفرصة لعرض رؤيتي، رغم أنني عرضتها بالتفصيل على شباب الثورة الذين استحسنوها، ورأوا فيها مَخرجا آمناً من عنق الزجاجة، وحلا وحيدا ينقذ مصرَ من العودة إلىَ عهد مبارك ولو غاب الطاغيةُ وكلُ أركانِ حُكمه البائد.
ثورة يناير الشبابية غيّرت مفاهيمَ، وقَلَبَتْ موازينَ، وأيقظت نائمين، ودفعتْ بالشجاعةِ إلىَ صدور المترددين والخائفين.
كان سوسُ نظامِ مبارك ينخر في كل شبر من أرض مصر الطاهرة، وكان الرجلُ قادراً على زرع كل كارهي شعبه في مؤسسات الدولة وهيئاتها وفروعها، فنهبُ الوطن المسكين كان عمليةً ممنهجةً عثر لها الديكتاتورُ خلال ثلاثة عقود علىَ رؤوس عَفَنْ ونَتَنٍ لم تكن لها أن تُطل على خيرات مصر بغير مبارك وزوجته وولديه.
لهذا فالراصدُ لمصر بعد الثورةِ سيعثر بسهولةٍ علىَ جبال من الكراهية يحملها كلُّ مصري للعهد البائد برُمته.
منذ سنوات نشرت مقالي ( لماذا أكره الرئيس حسني مبارك) ثم أعقبته بآخر ( الله يخرب بيتك يا ريّس )، وتلقيت عدداً هائلا من الاستفسارات عن سبب تجذُّر تلك الكراهية في صدري وقلبي لتنعكس على قلمٍ لم يعد يرى في مصر غيرَ طاغيتـِها.
وفي زيارتي هذه المرة اكتشفتُ أنَّ المصريين يتنفسون كراهيةً ضد أفسد طـُغاة العصر، فاستوقفني رجلٌ في مقتبل العُمر وكان يقرأ بجوار كُشْك لبائع صحف عن عمليات النهب فتكرمشت الصحيفةُ بين يديه وهو يصيح، وينتفض، ثم ينظر إلى السماء داعياً الله أن يلعن مبارك وعائلتـَه ورجالـَه، وكأنني أسمع كلماتي في مقال ( الله يخرب بيتك يا ريّس ).
عبقريةُ الثورةِ في أنها جعلتْ، فِعلياً وعَمَلياً وواقعياً، الكبارَ صغاراً، والصغارَ كباراً، وأضحى كلُّ من يمسك القلمَ أو يطل من الشاشة الصغيرة أو يترأس ندوة خبيرا في التقرب للثوار الشباب، يجاملهم، وينافقهم، ويلتصق بشعاراتهم، ويزعم أنه نام في ميدان التحرير ثمانية عشر يوما حتى أعلن عمر سليمان أن الرئيس تنحى عن السلطة، فالتنحي رغبة، والخلع اجبار، فأرادوا أن يحفظوا له كرامةً حَرَمَ الشعبَ منها، وأن يخفوا مشهد سلاح الطيران من آثاره، لكن المستفيدين من عهده الأغبر كانوا دائما يُصرّون على الضربة الجوية الأولى .. والحمد لله أنهم لم يقولوا الوحيدة!
ثورة الشباب لم تخلع الطاغية بدون ثمن، فمئات الشهداء كانوا في ربيع أعمارهم، وتنتظرهم أمهات فخورات، وآباء يعتذرون أنهم لم يستطيعوا أن يواجهوا قمع الطاغية إلا بصمت وصبر وخوف وفزع خشية أن تسمع أجهزة الأمن نبضات قلوبهم أو تتطلع على أحلامهم.
ثورة الشباب أمسكت الوطن، ثم نزعت بثورَ المسكنة والمذلة والمهانة التي غرسها في الجسد الطاهر نظام ما كان لإبليس أن ينحني لمنافس له كما فعل مع حسني مبارك، ثم وضعت الثورةُ أجنحةً مكان البثور، وأطلقت مصرَ من عقالها، وفكَّت قيدَها، ومسحت بأصابعِها الطاهرة على موضع الخوف والجـُبن والتوجس والتردد، فحلـَّت العقدةَ عن اللسان، ورسمت مستقبلا مشرقا ولو بعد حين.
شاهدت في زيارتي مصر العزةَ والكرامة، وعيونا تبرق، ثم ترسل اشعاعات تجعل الحائرين يبصرون طريقا أو طرقا خلت تماما من آثار عهد مبارك.
ولكن هل كان المشهد كله ايجابياً؟
قطعا لا، فصدمة الحرية تحولت إلى حيرة، فالحرية التي لا يتلقفها زعيم ليجعل منها برنامجاً لتأسيس نظام ليبرالي، وديمقراطي، ومستقل عن أي تبعية خارجية أو رأسمال غير وطني تصبح حرية ناقصة، أو حرية ساكنة وغير مؤثرة.
والكبار الموجودون على الساحة هم وجوه قديمة بأقنعة مزيفة! إنهم عواجيز أصيبوا بشلل فكري وعاطفي ووطني في عهد الطاغية، فزعموا في عهد الثورة أن شبابهم أعيد إليهم، وأن أفكارهم تم تجديدها، أو ترقيعها، أو تبييضها، أو ازالة الأوساخ التي عَلَقَتْ بها.
الثوار يبحثون في مصر ( الولاّدة) التي تُخرج أرضها أنبياءَ غير مرسَلين، وعباقرة يتم وأدُ رؤوسهم كلما أطلوا على الشعب ومعهم حلول ناجعة لكل أزماته وأوجاعه، لكن سارقي الثورة يتناثرون في كل مؤسسة وحزب وصحيفة ووسائل اعلامية لا تزال تتنفس مباركياً ولو ألقت قصائدَ غزل ومديح وثناء واطراء في الثوار .. الشباب!
نجحت ثورة 25 يناير في 11 فبراير، ونجحت انتفاضة الثورة في 27 مايو بفضل الروح المصرية الطاهرة لشباب لم يتحزبوا، ولم يتمذهبوا، ولم يتعلموا التمييز بين أفراد الشعب على أسس طائفية وطبقية، فاهتزت مصر بروعة وطنيتهم، واختبأ الوصوليون في مقارهم الجديدة لأنهم، على حد زعمهم، ضد انتقاد المجلس العسكري!
الخطوة هي الشعب يريد اسقاط روح النظام!
روح النظام البائد في الفساد، وغلاء الأسعار، والاحتكار، وسطوة رأس المال، ونهب أراضي الدولة، والعدالة البطيئة، والانفلات الأمني، والخوف من البلطجية، ومئات .. وآلاف من السلبيات التي غرسها مبارك ولا يمكن للثورة أن تزيلها، أو تمسحها، أو تلغيها بدون تعاون كل المصريين.
ر أيت مصر كما لم أرها من قبل، واطمأن قلبي على مستقبلها فهو في أيدي أصحابها .. أعني شباباً أقسم أن يُقدمها لجيل قادم طاهرةً .. نقية.. قوية.. عزيزة .. يحترمها المجتمع الدولي، وترفع بثورتِها رؤوس العرب في كل المحافل والمؤتمرات.
متفائل بكل المعايير، لكنني متشائم إذا استمر العمل بالنظام المتخلف، الغوغائي والبدائي والفاسد لانتخابات الدوائر التي ستفرز مجلس شعب جديد تحلق تحت قبته روح أحمد فتحي سرور ولو حمل المطرقةَ رئيسٌ آخر من العهد الجديد.
المشهد المصري سيزداد اشراقا بفضل الله، فالثورة الشبابية مستمرة، ومصر ستتخطى عنق الزجاجة، لكن مجلس الشعب القادم سيعيدها إلى نقطة الصفر.
فكرتي التي عرضتها مرات كثيرة، وفي مقال حمل عنوان ( مجلس الشعب الذي أحلم به) ، وأرسلت للدكتور عصام شرف طالبا لقاءً لمناقشتها تقوم على الغاء الانتخابات نهائيا، فالمرشَح الذي سيحصد النجاح هو من يملك المال، والتأثير على المواطن العادي، ويعرفه أبناء دائرة ضيقة، ويستطيع أن يجمع محاسيب، ووسطاء، ومنافقين، ومصفقين، ومرتشين.
نظام الانتخابات المعمول به هو ثورة مضادة لكل قيم الحق، والعدالة، والتطور، والتمدن، والمساواة، والتسامح.
إنه نظام يُلغي العباقرة، والعلماء، والمثقفين المهمومين بالوطن لأنهم ليسوا الأكثر شعبية بين العوام، ولا يعرفهم إلا الصفوة، ولا يطلع على عقولهم إلا النخبة، ولو قضى العالِم الموسوعي الأكاديمي عُمره في المعمل أو المختبر أو البحث العلمي لما تمكن من شراء شقة لابنته العروس أو عمل عَمْرة لسيارته القديمة، فكيف ينفق مليونين أو ثلاثة ملايين من الجنيهات الأخف من أوراق شجر في الخريف على حملة انتخابية؟
نظام لتأصيل الفساد، واعادة عجلة التطور إلى ذيل ركب الأمم المتقدمة، وقتل ثورة الشباب في الحرم الديمقراطي.
قضيتي كانت في العشرين عاما الماضية هي لف الحبل حول عنق مبارك، أما الآن فهي الدفاع عن ثورة الشباب ومنجزاتها بجمعة مليونية من أجل مجلس شعب يجعل السلطة التشريعية أعظم انجاز في تاريخ مصر المستقبلي.
في زيارتي عرفت قَدْري لدىَ شباب الثورة، وأتلقى رسائل دفء منهم كأنني أقرب إليهم من حبل الوريد رغم المسافة المكانية والزمنية، لذا فإن تفاؤلي بجمعة مليونية من أجل رؤيتي لانتخابات مجلس الشعب لا ريب فيه.
تتقدم كل نقابة ومؤسسة و هيئة تعليمية و ثقافية واتحاد طلابي وأكاديمي وتخصصي و ... باثنين من أفضل من ينتسبون إليها، ثقافة، وعلما، ونزاهة، وفكرا، وابداعا، وشجاعة أدبية، ومعرفة بتاريخ وجغرافيا وأزمات ومشاكل وقضايا وهموم المجتمع بغض النظر عن الدين، والمذهب، والحزب، والتجمع، والايديولوجية، والجنس، ذكرا كان أم أنثى، والحياة الخاصة.
يتجمع لدينا عدة آلاف من أفضل من أنجبتهم مصر، ثم تختار لجنة محايدة ألفين منهم، وتستبعد آلافا يصلح كل منهم أن يكون موسوعة متحركة.
ثم تأتي لجنة ثقافة فكرية محايدة أخرى، وتستبعد ألفا من الألفين.
ثم تأتي اللجنة الأخيرة لتصفية عباقرة الوطن، وتختار أعضاء مجلس الشعب، شريطة أن لا يكتب أحد في ملفه عن دينه، ومذهبه، وحزبه.
هنا تكون مصر أمام ممثلي الأمة، لا أقلية، ولا أغلبية، ولا يعرف عضو عن الاثنين المجاورين غير أنهما مصريان في السلطة التشريعية.
هنا تستطيع مصر أن تقفز برلمانيا، وتشريعيا، وتضع قوانين متطورة، وتلغي قوانين مقيدة، ومتخلفة، كانت تعيد مصر خطوتين إلى الخلف كلما تقدمت خطوة إلى الأمام على استحياء.
أبحث عن ( جمعة مليونية) يتبناها شباب الثورة، وتـُنهي إلى غير رجعة نظام مجلس الشعب المتعارَف عليه .. النظام الذي لو استمر العمل به في الانتخابات التشريعية القادمة فإنه سيكون رأس حربة ضد ثورتنا الشبابية الطاهرة.
زيارتي لمصر جعلتني أشعر بالاثنين معاً: الفخر بالثورة و .. الخوف عليها.
فرحتي بانتصار الثوار الشباب ستنقلب حزنا لو سرق البرلمانيون الهمجيون روحَ الثورة تحت قبة الحرم الديمقراطي.
مصر على المحك، والاختبار، وخبث الثورة المضادة، وعودة أعضاء الكيف، والتهريب، والقروض، والنوم على المقاعد، والأمية، والجهل بقضايا مصر، وهم يتأهبون بأموالهم، ومعارفهم، وقبائلهم، وأحزابهم، وشعاراتهم المدغدغة لمشاعر العامة لسرقة ميدان التحرير باسم السلطة التشريعية.
يا شباب الثورة إني لكم ناصح أمين، فتأملوا في رؤيتي، وتدارسوا اقتراحي، وتأكدوا من أن خوفي على ثورتكم ليس أقل من خوفكم عليها، وحرصكم على انجازاتها واستمرارها.
انتخابات مجلس الشعب بالطريقة المزمع عقدها ستكون سكاكين حادة في قلب الثورة، وهؤلاء ليسوا ممثلي الشعب، لكنهم ممثلو دوائر سيطرت عليها شعارات هلامية، وغوغائية، وغير واقعية، ينبت في أطرافها التطرف، والتحزب، والمصالح الضيقة والخاصة.
الطريق إلى الجنة المصرية يمر عبر مقاعد مجلس الشعب، والطريق إلى جحيم مستعر يمر أيضا تحت قبة البرلمان، فاختاروا أحد الطريقين لممثلي الأمة، وواضعي التشريعات، والقوانين، والمراقبة.
إنها ( جمعة مليونية من أجل مجلس الشعب الجديد)، قد تكلفكم ساعات في ميادين مصر، وكل منها ميدان التحرير، لكنها ستنقل وطننا إلى مصاف الأمم المتقدمة.
مجلس الشعب الجديد، كما أقترحه وأحلم به، يوافق أو يعترض على وزير ومحافظ ومعاهدة واتفاق وسلام وحرب ونظام مصارف وتصدير غاز وبترول وسد الثغرات في كل قوانين أعادت مصر إلى الخلف.
مجلس الشعب، كما أحلم به، لن نحتاج في وجوده إلى غضبة أخرى، ( إلا إذا ظنت أي قوى أنكم استكنتم، أو تراجعتم عن مطالبكم، أو عاد الخوف إلا القلوب) فهو سيغضب لنا، ويصحح مسيرة الثورة، وينهي عصر خصومها.
ياشباب الثورة الأطهار،
تلقفوا، يرحمكم الله، هذا الاقتراحَ، وضُمّوه إلى عقولكم، ثم إلى صدوركم، ثم إلى جمعة مليونية تنهي أحلام مُرشحي الغوغائية والأمية والوصولية إلى السلطة التشريعية.
وإلى المشهد الثالث من زيارتي ...
وسلام الله على مصر.

أوسلو في 29 مايو 2011
 
مصر بدون مبارك كما شاهدتها
(1)
 

يعتقد المستبدُ أنه يملك مفاتيحَ زنزانةِ الوطنِ، فيغلقها كما يشاء، ويفتحها متىَ أراد!
عندما يتأكد الطاغيةُ أنَّ كلابـَه تضاعفت أعدادُها، وبرزتْ أنيابُها، وانتهتْ من تدريبات شراستِها علىَ أيدي المُقربين منه، ينطق حينئذ بِحُكم مؤبدٍ ضد شعبِه فلا يسمعه إلا المقرّبون منه، ويقوم علىَ تنفيذِه خَدَمٌ لا يُفَرّقون بين الطاعة و .. لَعْقِ الحـِذاء!
سقط مبارك كما يسقط مريضٌ بالأنيميا الحادة إذا زاجته عمّا حوله ريح صرصر عاتية أو عاصفةٌ جليدية.
مصر بدون مبارك كانت حُلماً يُداعب أذهانَ عشرات الملايين، وكانت معجزةً في زمن خلا تماماً من المعجزات، وكانت أملا يُغرق خيالات أصحابِ الوطن السجن، فالطاغيةُ إذا التصقتْ مُؤَخرتُه بكُرسي العرش تحولتْ مع مرور الأيامِ إلىَ قطعةٍ منه فلا يمكن التمييزُ بين العرش و .. الجالسِ فوقه!
زيارةُ الوطن تبدأ قبل الوصول بوقتٍ طويل، وبالنسبة لي فقد زرتُ مصر َفي خيالي مراتٍ لا حصر لها، رغم أنني كنت من المترقب وصولهم في الأحد عشر عاما المنصرمة!
كانت أقصى أماني الكثيرين هي التخلُّص من حبيب العادلي، أو تخفيف قبضة الأمن، أو استبدال خرزانة ليّنة بكُرباجٍ لاسعٍ، أما سقوطُ الطاغية وزوجتِه وابنيهما فكان أصعبَ من ولوج الجمل في سَم الخـِياط!
كل السيئات والسوءات والسلبيات كانت هيّنة علىَ القلب، وخفيفةً علىَ الصدر، ويسيرةً علىَ النفسِ مادامت أنفاسُ مبارك لا تلوّث القصرَ الجمهوري، فمصرُ لو كانت في قبضة إبليس بنارِه وقرنيّه لأشفق بين الحين والآخر علىَ أبنائها، وترك لهم فتات ما ينهب، ولكرامتهم ذراتٍ تعينهم علىَ الحياة، ولأحلامِهم صغائرَ تجعلهم يشعرون أنَّ في الشر بعضَ الخير، وأنَّ أنيابَ الذئاب تلين أحيانا وهي تنهش في لحوم المصريين.
لم يعلن قائدُ الطائرة التي هبطت بي أنَّ روحَ حبيب العادلي غادرت المطارَ إلىَ مُعتقَل طُرَة، وأنَّ القائمةَ السوداءَ تم مَسْحُها كما يمسح هاكرز الهارديسك، لكن هدوءاً عجيباً كان يُخيّم علىَ الصالة الثالثة بمطار القاهرة الدولي!
إنه نوعٌ من الأمان تشعر به عندما تنسحب أجهزة أمن الطاغية، وتختفي تلك العيون التي كانت تبحلق في وجهِك وجوازِ سَفَرِك، فالمصري كان مُتَّهماً حتى يرضى عنه كمبيوتر المطار فيدخل مصرَ آمِناً، فإذا عاد للسفر احتقن الكمبيوتر مرة أخرى فلعل المغادرَ ممنوعٌ من السفر.
الثورات كالفصول الأربعة، بعضُها يبدأ شتاءً قارصاً ثم يتحول إلىَ ربيع، وعندما يأتي خريفُ الثورة تتساقط كل الأوراق والبيانات والوعود كما حدث مع الثورة البلشفية.
وبعض الثورات يبدأ ربيعاً كالثورةِ اليمنية في عام 1962، ثم تظل تصارع الزمهرير والرعدَ والبرقَ إلىَ أنْ يختطفها قرصانٌ قاتيٌّ، ويكتب مِلْكيتَها باسمِه.
وبعض الثورات تظل في موسم الشتاءِ، وتنتج الأعاصيرَ والفيضاناتِ، ويظن مُفَجِّروها أنها ( بعثٌ )، فإذا هي تأكل أولادَها، ثم يلتهمها زعيمُها، وأخيراً تسقط في أيدي خصومِها كالثورة العراقية.
لكن 25 يناير حالةٌ خاصةٌ يُطلق كلابُ الارهابي مبارك، قبل خلعِه، رصاصاتٍ عمياءَ في ميدان التحرير، فإذا بالثوار الصغارِ يُقيمون حفلَ زفاف، ويتحدوّن أشرسَ طاغية عرفته مصر، والأكثر لُصوصية وجشعاً وطمعاً في كل لُقمةِ خبزٍ قبل أنْ تدخل فاه طفلٍ جائعٍ، فمليارات مبارك ينبغي أنْ تزداد ولو انتزع الزيادةَ من فقيرٍ لا يملك ثمنَ وجبة العشاء.
ثورةٌ يحلُم مُفجِّروها الفيسبوكيون أنْ تظل فصولُها الأربعةُ ربيعاً، لكن الربيعَ يشترط اختفاءَ مبارك وأسرته ورجاله خلف قضبانٍ حديديةٍ بزنزانات في بطون أقبيةٍ تحت الأرض، أو يلتف حَبْلٌ غليظٌ حول أعناقِهم دَفْعَة واحدة!
فتيات في عمر الثورات الشبابية يستقبلن القادمين إلى المطار بدلا من ضباطٍ كانوا كلما ثقلت أكتافُهم بنجوم ونسور تصلبت عضلات وجوهِهم فيقفز الخوفُ في وجوه مواطنين لا يشفع لهم جوازُ سفر أخضر كوثيقة اثباتٍ أن صاحبه ينتمي لأم الدنيا.
استقبلني في المطار بعض شباب ثورة يناير، وهم في عمر أولادي، واصطحبوني إلى الفندق المطل على النيل والذي قضيت به يومين.
في اليوم الأول كنت أحاول أنْ أجمع مئات المَشاهد التي تقع عليها عيناي في مشهد واحد لعله يُدخل الطمأنينةَ إلىَ قلبي.
أينما وليّت وجهي كنت أرى أهم وأعظم وأبدع انجاز لثورة يناير الشبابية، لقد سقط جدار ُالخوف كما سقط جدار برلين بأيدي شباب كان هونيكر يقوم بزيارتهم في أحلامِهم فتتحول إلى كوابيس.
في أحد المقاهي القاهرية التفّوا حولي للمرة الثانية وبجواري كان الأديب الكبير والروائي الرائع فؤاد قنديل، وقلت لهم بأن أهم انجاز لثورتكم الطاهرة هو انتزاع الخوف من جذوره و .. صدوركم، فصاحبُ هذا المقهى لن يتصل بأمن الدولة لابلاغهم بوجودنا.
بالقرب من ميدان التحرير كان موعدي مع بعض الشباب، وفي انتظارهم شاهدت شابين يتجادلان بصوت مرتفع، ويستخدمان ألفاظا في انتقاد كبار ما بعد الثورة مَرَّ على مصر حينٌ من الدهر كانت تلك المفردات الغاضبةُ تحجز لصاحبِها مكاناً وراء الشمس، ثم انضم ثالث، ورابع وعاشر وعشرات، وبدا هايد بارك القاهري مُتفوقا على نظيره اللندني!
عيونهم الجميلة والواسعة تشي بالاثنين معا: الأول هو الثقة بأنهم أصحاب العبور الثاني رغم أن الساتر المباركي كان أكثر تجذُّراً في التربة من الساتر البارليفي، وكلاهما احتلال، والقصر الجمهوري في عهد مبارك كان ساكنوه يتحدثون العربية بلكنة عبرية، ومصالح تل أبيب لديهم أرفع درجات من مصر .. ومن فيها.
والثاني البحث عن قائد لهم يتسلم منهم ميدان التحرير ليقوم بتحويله إلى برنامج عمل تطير فيه مصرُهم من ذيل ركب الأمم، بفضل مبارك وعصابته، إلى التحليق في آفاق التقدم والعلم والتمدن والتسامح والاكتفاء الذاتي والانتصار على الفقر والمرض والعوز والحاجة والأمية.
في مساء اليوم الثاني لوصولي قادني الشباب إلى ميدان ماسبيرو الذي كان يعج بآلاف المعتصمين والمتظاهرين والغاضبين الأقباط.
ألقيت كلمةً مرتجلة في شركاء الوطن، فقلمي يحمل همومهم لسنوات طويلة، ونشرت من قبل ( أقباطنا .. حقوقهم واجباتنا) و ( أيها المسلمون .. ماذا فعلتم بأقباطنا ؟)، وقابلني الغاضبون بتصفيق، ونداءات محبة، وصافحني الكثيرون بعد مغادرتي المنصة وألسنتهم تدعو لهذا المسلم بالرحمة والسلامة، ولم أخطيء في فهم نظرات حُب تشع من عيون كانت تبحث عن المساواة الكاملة وليست تلك التي تنتهي بــ ( نعم لحقوقهم، ولكن .. )!
عدت مرة أخرى قادما من الاسكندرية وقضيت يوم الخميس( 12 مايو) في أحضان عاصمة الثوار الصغار، واستضافني التلفزيون المصري لأول مرة في حياتي الكتابية، فقد كنت ممنوعا من الكتابة والظهور في كل وسائل إعلام مبارك.
كان قلقُ الشباب مُنصباً على محاولات سرقة ثورتهم، ولكن النفوس الكبيرة في الأعمار الصغيرة كانت تحمل عزيمةً لو قمتَ بتوزيعها على مصر كلها لفرش الأرضَ في ميدان التحرير أكثر من ثمانين مليونا لا تستثني منهم طفلا أو مُسِنّاً أو رضيعاً أو .. جنينا!
الثورة لم تنته بعد، والشباب المصري حارس أمين عليها أكثر من ادعاء الكبار أنهم الأحرص والأنضج و .. الأكثر وعيا بقضايا الوطن.
كان خوفهم من التحالف الصامت بين روح مبارك، وحاملي الموبايلات في معتقل طرة، والتجديد خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق حتى تجد الثورة المضادة مخرجا لعُتاة الاجرام!
وكان الخوف من الانفلات الأمني، والمزايدة الدينية، والبلطجية القساة بسيوفهم ومطاويهم، وغياب ضباط الأمن، خجلا أو فزعا أو احتجاجا، فالخيل والبغال والجمال والحمير تستعد لموقعة جديدة مادامت فلول مبارك تتنفس برئتيه، ومليارات لصوصه تشتري الذمم والضمائر و المسجلين في فيش وتشبيه تم احراقه لعله يحرق مصر الثورة.
كان شباب الثورة يحيطون بي ليتعلموا مني، فإذا بي أصبح تلميذاً لديهم، فهم متنبهون لكل ذرة خيانة مختبئة في صدور بقايا نظام الطاغية، ويميّزون بين المنتفعين الوصوليين و .. وبين أطهار مصر الجدد أو .. مصر الجديدة.
أسماءٌ لم تعرف طريقَها إلى وسائل الاعلام، ولم أقرأ لها، أو أتابع مقالاتها وأعمالها، فهم طلاب وطالبات، شباب يتعلم في الميادين ثم يثور فيها.
كان معي طارق وأحمد أبو اياد والحسيني وعمرو لورد وسمير راغب وأحمد ومحمد طلعت وشريف وريهام ماجد وراضية وابراهيم وعلي بأشعاره الثورية ويتصل بهم خالد الحوت من الخارج ليبث فيهم روح الأمل ووهج الثورة.
وكان معنا أحمد أبو الفضل من مكتب رئيس الوزراء يتحدث دون خوف أو وجل، فالثورة في مكتب الدكتور عصام شرف توأم للثورة في المقهى والشارع والميدان.
حدث تناغمٌ، وانسجامٌ، والتحامٌ، وتواصلٌ، ودفءٌ بيني وبينهم بدا كأنني عُدت شاباً أو أنهم لحقوا بعمري، وشعرت بأنني أستطيع الاستغناءَ عن كبار الصحفيين والمثقفين من أجل حضور فصول دراسية في مدرسة ثورة شباب يناير، مُتحدثاً أو مُنصِتاً، مُتكلماً أو مُستمعاً!
يتعاملون مع النت كأنه يُفشي لهم أسرارَه مع كل (لوجين)، فهو ليس لتحميل الأغاني ومشاهدةِ الفيديو كليبات الموسيقية، لكنه لصناعة الثورات في الميادين، وتبادل خبرات الغضب ضد الطغاة، وفضح أعداء الشعب.
شاهدت مصر بدون مبارك، وأدعو كل المهاجرين والمغتربين والمعارضين أن يعودوا لزيارة وطنهم لتهنئة الثوار الصغار، وبث مزيد من الأمل في نفوسهم، والتقدم باقتراحات ونصائح وأفكار ومشروعات ليلتحم الخارج بالداخل.
قاموا بتوديعي في مطار القاهرة الدولي قرب انبلاج فجر الاثنين 16 مايو، وأدمعت عيناي وأنا أدخل باب الطائرة، فمصر بخير وفي أمان وأمن وسلام مادامت تلك البراعم الواعية والثورية تستطيع أن تجبر أيَّ كبيرٍ على الرحيل، وأنْ تجمع في عدة ساعات الكترونية أمام الشاشة الصغيرة عدةَ ملايين يُلوِّحون بقبضاتهم فيرسمون في القلوب عَلَمَ مصر، وفي العقول مستقبلـَها المشرق والباهر.
زيارتي الأولى ناجحة بكل المقاييس، وإلىَ المشهد الثاني عن مصر بدون مبارك كما رأيتها!




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات