مواضيع اليوم

مذكرات متقاعد (اهداء خاص الى أعز أستاذ و صديق لدي ...أحمد العناني)

عبدالحق حباب

2009-09-28 18:08:17

0

مذكرات متقاعد

كل يوم أستيقظ في الصباح الباكر مجهزا نفسي للذهاب لعملي في المؤسسة الموجودة في المنطقة التي أقطن بها ، فأنا كما يعرفني جميع سكان الحي أستاذ بهذه المؤسسة ، و في طريقي إليها أراقب المقاهي المتراصة على جوانب الطريق و التي تعج بالزبائن صباح مساء ، و كنت دائما أتساءل هل هؤلاء الناس لا يشتغلون و ليس لديهم مكان إلاّ المقهى . وأكثر ما كان يحزنني تلك الاْركنة التي يملؤها المتقاعدون ليلعبوا فيها الورق و الشطرنج و غير ذلك من اللعب التي تضيع الوقت .
إنّ أمر هؤلاء الأشخاص هو ما كان يخيفني و يجعلني في حيرة من أمري طوال الطريق، هل سأصبح مثلهم خصوصا و أنني على مشارف التقاعد ؟. تركت هذه الحيرة و هذه التساؤلات و استأنفت عملي لعدة أيام. لكن، في صباح كنت أعتبره عاديا في بدايته إلى أن نودي عليّ للذهاب إلى مكتب المدير. توجهت إليه طرقت الباب و دخلت سلمت عليه و جلست ، لكنه لم ينطق بأية كلمة ثم رسم على وجهه ابتسامة عريضة و بدأ بمدحي ، فاحمررت خجلا و قطعت حديثه بسؤاله عن سبب استدعائي . قال و هو يتحصر لقد جاءت مذكرة من الوزارة تعلمنا بموعد انتهاء خدمتك أي وقت تقاعدك ، سألته مرة أخرى و أنا أتمتم و هل هو قريب ؟ سكت قليلا و قال لي تاريخ المذكرة يؤشر على نهاية الأسبوع . قمت من مكاني و خرجت من عند المدير و هذه المرة أنا الذي لم أنطق بكلمة ، حاولت في الأسبوع المتبقي لي توثيق أواصر المحبة مع كل الزملاء و التلاميذ ، لكي يتذكرني صغيرهم قبل كبيرهم و يقوموا بالسؤال عني و لو بالهاتف .
انتهت مدة خدمتي و بدأت فترة تقاعدي، و منذ اليوم الأول شعرت بأنني غريب عن الحي أو كأنني ساكن جديد به. أصبحت لدي أوقات فراغ كثيرة حاولت أن أملاْها بقراءة جميع الكتب في خزانتي أو الإبحار في عالم الاْنترنيت لوقت أطول، لكنني أنهيت جميع كتب خزانتي و لم أزل أحس بالفراغ. فتسلل إلى أذني صوت خشن يدفعني أو بالأحرى يرغمني على الذهاب إلى المقهى لمشاطرة من يعيشون حالتي في عالمهم . لم أستطع منع نفسي من استكشاف ذلك العالم الخاص بالمتقاعدين. فتوجهت إلى المقهى المجاور للحي ، جلست في ركن منعزل و رحت أقرؤ الصحيفة . شيئا فشيئا بدأت ألاحظ أن زبائن المقهى و المارة من أمامها يحدقون بي كأنهم علموا أنني صرت متقاعدا ، أو أن خبرتهم في هذه الحالات تقودهم إلى معرفة من هو الزبون العادي الذي يأتي لاحتساء فنجان قهوة أو كوب شاي و يغادر، و من يحاول قتل الزمن بالجلوس طويلا في المقهى للعب الورق و الشطرنج . و هكذا انقلبت حياتي رأسا على عقب منذ تقاعدي ، لقد سئمت هذا الوضع و أصبحت أبحث عن عمل لأسد به ثغرات الفراغ في حياتي . و بهذا أجبت عن السؤال الذي كان يحيرني عندما كنت أراقبهم و منه علمت أنه إذا لم تقتل الوقت سيقتلك الفراغ

عبدالحق حباب

كاتب

your-mylife@live.fr




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !