"هذا الما حامي ماشي المحامي" هكذا صرح أحد الأشخاص و هو على عتبة مكتب أحد المحامين، بحرقة
تجعلك تفكر في كم الخسائر التي تكبدها ، جعلته هكذا يصور المحامي رجل الحق و الدفاع ، منبع النصرة
و في الحقيقة لا ناصر غير الله . مع أن هذه الصفات التي تجسد لب واجب المحامي باتت منقرضة ، و ما
نراه في الواقع كتاب بلا عنوان يلخص جملة من التناقضات المتباعدة التي يقوم بها حامي المظلوم في
تعاملاته المادية القاسية و تجاوزاته "المفبركة" لكنها للأسف قانونية و لا مجال للتشكيك في خرقها للبنود
، و كيف لك أن تشكك في حبكتها الناتجة عن عصارة ألمت بكل كتب القانون و حيله و دارية بشتى
الثغرات و الفخاخ فيه .
لم يعد محامي القرن الواحد و العشرين غير آلة سحب للأموال المكللة بعرق جبين صاحبها الذي أتى بها
إليه على طبق من فضة عله يفوز بقضيته أو يتملص من تهمته ، سيطرت عليه المصلحة الشخصية و
الربح المادي و استلب ضميره المهني في سبيل الاعتراف بالمال و البحث عن النفوذ ، و الهرولة وراء
الشيكات مستغلا في ذلك منصبه الحساس و دوره الحيوي و المصيري بالنسبة للآلاف من البشر بعدما
تملكت النزاعات من لبنة المجتمع و صارت المحاكم مجالات مفتوحة للمشاحنات و المشدات و تصفية
الحسابات ضمن أجواء تتدخل فيها العوازل و المعيقات و نقصد هاهنا "الوساطة و المجاملات و
الرشوة..." .
يلعب السيد المحامي على وتر ذو ازدواجية متقلبة ، يسير مع التيار و عكسه ، يغير القناع في أية وهلة
مادام الأمر يتعلق بمن يدفع أكثر ،بمن يوقع شيكا بمبلغ أكبر ، بمن يضمن دفع مصاريف المتاعب في
وقت أسرع ، مبدأه في العمل عبارة متناقضة متكاملة " لا عدو دائم ..لا صديق دائم .. و إنما هناك
مصلحة دائمة.." .
إن تاريخ المحاماة حافل بالمظاهر المقلقة ، و المشاكل المتشعبة التي تجعل من يضع حافة قدمه على
عتبة أي مكتب محامي يهاب مصير قراره هذا و يتردد في اختيار محاميه ، يظن أن هذا أفضل من ذلك ،
وذلك أشرف و أكثر مصداقية من الآخر .. و في الحقيقة كلهم عند الحرفة سواسية . توحدهم 2000درهم
و ما فوق لفتح الملف و مبالغ مسترسلة متدرجة لمتابعته قضائيا، و ليس لك في هذه الحالة غير إجابة
كافة الطلبات لأن "رقبتك تحت معصميه " و ليس لك التملص من قبضته المتينة و المتمكنة إلا و ملف
القضية مغلوق بحكم قضائي قد يكون لاذعا أو لاسعا أو ناجعا .
إن الحديث عن مهنة المحامي لا ينتهي عند نقطة الغش و الاستغلال ، و لا يكمن في التقويم السلبي
لرجال و نساء هذه المهنة الحرة و الخاضعة لضوابط سبقها أداء قسم باحترام الأخلاقيات ، فككل وسط
عمل هناك صالح و طالح ، شريف و مرتشي ، سيد للضمير و عبد للمادة . و مازال هناك من المحامين
ذوو الذمة من يستفزهم ما آلت إليه المحاماة في هذا الزمن ، حتى و إن كانوا قلة و يعدون على رؤوس
الأصابع إلا أنهم على الأقل يعوضون الفراغ الذي آلت إليه المهنة ، يداوون الجرح الذي نخرت منه
تصرفات لا مسؤولية من محامين لا مسؤولين نسأل الله لهم التوبة ، و نقول "الله يهديكم على المسكين " .
التعليقات (0)