مواضيع اليوم

كلمات عن فلسطين والقدس والمقاومة ودعاوى المصالحة ومجريات الراهن الفلسطيني

أحمد بوعشرين

2009-12-11 17:48:11

0

أطلت علينا في هذه الأيام بعض من إفرازات منطق الانهزام، في صورة الوهم توحي بالشجاعة والبسالة لدى أصحابها، وهي تلوح بسهامها إلى أصحاب الدار وتهددهم بكلماتها الخطابية المستمدة من قاموس الذل والعار والسب والشتم، هكذا استعرضت بعضا مما تملك من أشرطتها المكررة، وهي تنتشي أمام الملأ من الحضور والإعلام بعنتريتها الرسمية، وهي لا تعلم أن كل العالم يعلم أن ما تتبجح به مجرد هراء في هراء في هراء، وإلا ماذا يعني أن تظل وحيدة "المسكينة"، "تؤنس العدو في تبرير العدوان وتأجيل الإدانة والعقاب له"، والآن تستعير قاموس العدوان في النيل من الشرفاء والمجاهدين وفي تعميق الانقسام ولو بلغة ظاهرها السياسوي وحدوي.
المصالحة بلغتهم إخضاع تحكمي لكل من لازال على خط المقاومة، تحت دعاوى توحيد "سلاح السلطة"، والقضاء على "التشكيلات العسكرية"، وهكذا دواليك من المراوغات الماكرة التي هدفها تحجيم المقاومة، وإسكات صوتها ورشاشاتها وتحضير الكفن لكل أحلام التحرير وإزالة الاحتلال.

أكره شديد الكراهية أن أكتب مقالا لأبين المبين، وأجلي الذي انجلى من إفرازات هذا المنطق الانهزامي، وأجدني ممتنعا من حيث لا أدري أن أناقش أفكارا ووجهات نظر من شدة وضوحها الخياني خفت عن البعض، وفي تقديري لا تستحق كل هذه المظاهر التي أفرزها هذا المنطق أن تكون معرضا للمناقشة وللأخذ والرد.

لكن لا بأس أن أجد لكل هذا اللغط الذي دار ويدور حول الراهن الفلسطيني إطار عاما حتى لا ينحرف النقاش إلى تفاصيل تفقده بوصلته، وبوصلته هي الذاكرة الحية والمواقع التي تنشأ المواقف والخطابات، إن هذه البوصلة هي التي تعيد عقرب التذكير بأبجديات التحرير إلى بداياته، فتحملنا إلى قاموسه لنلقي نظرات من خلاله على معنى التحرير ومعنى الاحتلال ومعنى مقاومة المحتل ومعنى خيانة تطلعات وآمال التحرير.

وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار أن موقع المرء في خريطة التدافعات داخل جسم الأمة ومحيطه، لا يعدو أن يكون أحد هذه الأحوال الأربعة في تقديري:

1. فهو إما أن يكون متقاعسا منشغلا فقط بيومه وملذات النفس والهوى، غير آبه بكل ما لا يرى فيه مصلحة ذاتية وآنية له، وغاية مطمحه أن يعيش لحظته تمتعا وملذة وهوى، وهو بذلك يختزل كل العالم الكبير والواسع في ذاته الصغيرة، ولا يرى في هذا العالم سوى عالمه الأناني الصغير والضيق الآفاق والتطلعات والطموحات، ومعاركه التدافعية إن كانت فهي لا تتعدى حدود هذا العالم الذاتي المرتبط بكينونته البيولوجية الصرفة.

2. أو أن يكون ظالما ومعتديا على حق الآخرين في الوجود والحياة سالبا لهم المسكن والأرض والحرية والتاريخ والهوية، وذلك مثال العدو الصهيوني الغاشم المحتل للأرض والسالب للحريات والقاتل للأرواح والمعتدي على الحرمات والمتجرأ على المقدسات، والتعامل معه متمثل بوضوح في ضرورة ووجوب مقاومة احتلاله الغاشم والظالم، وصد كل هجماته وكل مناوراته لتأبيد احتلاله للأرض وما يستتبع ذلك من ظلم وعدوان وتقتيل وتشريد لأصحابها.

3. أو أن يكون خائنا لآمال التحرير، رضي أن يبيع قضية "مظلوميته" و مظلومية أمته بثمن بخس أياما ودراهم وسلطات محدودات معدودات، وتحول "من حيث لا يدري " أو من حيث يدري إلى مسهم رئيسي في ما يقترفه العدو من جرائم وفيما يخطط له من مناورات لتأبيد احتلاله للأرض، ومن تحريف للقضايا الحقة إلى قضايا هامشية وهمية، فكانت البداية مع محاولات تحويل مشكلة قضية الاحتلال إلى مشكلة قضية أراضي متنازع عنها فقط، ثم استتبعها بمحاولات تحجيم خط التحرير من استراتيجية شاملة لمقاومة المحتل إلى استراتيجية ضيقة للتفاوض معه، ثم محاولات لاختزال كل المشكل في إحدى تجلياته وهو الاستيطان، ثم ليستمر مسلسل تتويجات هذا المنطق الانهزامي مع لعبه لدور المتعقب للشرفاء، تنكيلا بهم ووشاية ودعاية مغرضة ضدهم ومحاصرتهم ومحاربتهم أحيانا، وهكذا دواليك الهزيمة تلو الهزيمة.

4. أو أن يكون ممانعا و مقاوما شريفا، ظل ولا زال ثابتا على حال مقاومة المحتل ضمن استراتيجية شاملة لذلك، لم تخدعه الكلمات والخطابات المزيفة، ولم تبدله موازين القوى المادية بل سعى ولا زال جاهدا لتغييرها لتكون أنفع وقعا للخط المقاوم والممانع، غاية مطمحه إزالة الاحتلال وتحرير الأرض وعودة اللاجئين، يسمي الأسماء بمسمياتها، فالاحتلال عنده احتلال مادام جاثما بعساكره ومستوطنيه على الأرض المحتلة، والعدو عدو مادام مستمرا في تقتيل الأبرياء والمجاهدين وفي سلب حرياتهم وفي قطع أقوات أيامهم وفي محاصرتهم وفي التخطيط للمزيد من تشريدهم والتنكيل بهم، والممانعة عنده أن يتم التصدي لكل محاولات التحريف لقضية الاحتلال وللذاكرة ولهوية التحرير الحقة، وأن يستمر النفس المقاوم حيا، ثقافة وسياسة وعملا أهليا ومدنيا خارج محيط فلسطين، واستراتيجية شاملة ومتكاملة للتحرير وإزالة الاحتلال من داخل الأرض المحتلة فلسطين.

تلك هي الأحوال الأربع لمواقع المتدافعين، وتلك القواعد الأساس التي ينبغي في تقديري أن يرتكز عليها أي تحليل للمواقف وللخطابات، ومادون ذلك فهو مجرد محاولات لخلط الأوراق وتزييف الحقائق وتسليم باليومي المبتور عن أصوله وعلله.

إن الخيانة ليست وجهة نظر، إنها إعلان عن انحراف على خط الصواب وعلى حمى المتاح وعلى ثوابت التحرير.

وحينما تطل علينا مثل هذه الظواهر الشاذة عن جادة التحرير والصواب وإرادة الأمة، حينما يصبح ويمسي تبرير العدوان وتأجيل الإدانة له ولجرائمه البشعة مجرد وجهة نظر ينبغي أن تحترم من داخل منطق التحرير، حينما يشتد التنكيل بالشرفاء والمجاهدين في الأرض المحتلة وفي القدس الحبيبة وفي المسجد الأقصى المبارك وبالمقابل يسمح لقاموس الاحتلال أن يخترق خطابات من يدعي التحرير زعما، فيعوض الصهاينة في وسم شرفاء هذه الأمة بالظلامية، فتلك هي الظلامية بعينها تلبس لبوس الهزيمة وتنظر للهزيمة وتكافح لسيادة منطق الهزيمة.

غير أن منطق التاريخ مختلف تماما، يلفظ خطوة خطوة كل من أراد أن يتلاعب بسننه، فالاحتلال يتطلب مقاومته وإلا زاد عدوانه وطمع احتلاله، والظلم يتطلب دفعه وإلا خرب العمران، والباطل يتطلب فضحه وإلا التبس مع الحق، والتضليل لا ينفع تاريخيا وحتما سينفضح لأنه من جنس الباطل.

أحمد بوعشرين الأنصاري، مكناس، يوم الثلاثاء 3 نونبر 2009




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !