فأمر بإحضار الزبير بين يديه فأحضروه أمامه فقال له من أنت وما سبب قدومك الى بلادنا وما الذي جئت بسببه فأخبرني بالصحيح قبل أن أكسر منك كل عضو صحيح فقال له أعلم أيها الملك أن مجيئي الى بلادك هو أن إمراة من قومك أتت الى النبي صلى الله عليه وسلم وشكت من ظلمك عليها وجورك أنت وقومك وذلك بسبب اسلامها هي وقومها فظلمتهم وقتلت رجالهم ونهبت أموالهم وسبيت حقيمهم فنظم ذلك الامر على ابن عمى محمد فارسلني اليك فاصحاً وإني أقول لك ان الذي أنت فيه ضلال وزور ومحال فاترك عبادة الأصنام واتبع عبادة الملك العلام الذي خلقك وسواك وكلم موسى ونجاه واصطفى محمد وجعله خير الأنبياء وعرج به السماء ليلة الاسراء فهو خير خلق الله بالاتقان وأجل المرسلين على الاطلاق وقد نصحتك أيها الملك المغرور فأبطل عبادة النفاق وتبرأ من أهل الكفر والشقاق وأعبد الملك الخلاق ثم أنشد يقول :
هو السميع البصير الخالق الباري == وهو العظيم الذي يمفو عن أوزاري
هو الذي رفع السمـــاء بلا عمـــد == أرسى الجبال على الأرض بإقدار
سبحـــانه واحــــد ليس له مثـــــل == ولا له ولــــد أيضـــاً بلا جـــــار
آمن به أيهــــا المغـــرور مبتهجــاً == وأعيـــده حقاً فتنجــــو من النار
فلما سمع عدو الله ذلك الكلام أطرق برأسه الى الأرض ساعة زمانية ثم رفع رأسه وقال كل ما ذكرته عن محمد وعن مدحك في ربك فأنا مالي به شيء وكل كلامك لم يدخل في اذني اما كفى محمد فقره وجوعه وفانته بقتل الرجال وينهب الأموال ويشن الغارات على بلاد العرب وبعد ذلك يأمرني بالرجوع عن ديني والدخول في دينه وينهاني عن عبادة الرب فراش وأنت قد رميت نفسك وأهرقت دمك بفعلك السوء ولا بد لي أن أعذبك عذاباً شديداً حتى يأتي الذي أرسلك ويخلصك مني ثم أمر العبيد أن ينزعوا ما كان عليه من الثياب ويضربوه ففعلوا وهو يقول ياغياث المستغيثين ويا أرحم الراحمين ويلك ياعدو الله ورسوله أتضرب جسداً يقاتل عن دين الاسلام ويجاهد أمثالك الكفرة اللئام ويدعوك الى عبادة الملك العلام وينهاك عن عبادة الأصنام فلما سمع عدو الله هذا الكلام غضب غضباً شديداً وأمر أن يذبحوا ناقته ففعلوا وسلخوا جلدها وألبسوه إياه وأوقفوه في الشمس فيبس الجلد عليه وهو يستغيث فلا يغاث هذا ما كان منه وأما ما كان من أمر الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فإنه جد في السير في أثر الحق الخثعمير ابن العوام فبينما هو سائر وإذا بالصباح قد علا وقائل من أعلى جبل أبي قيس ينادي بصوت عال مزعج وهو يقول يا معشر أبطال مكة وسلالتها أعلموا أن علي بن أبي طالب قد انفرد بنفسه وهو الآن سائر في البرية فالحقوه وخذوا منه بالثأر واكشفوا عن أنفسكم العار وكان هذا الصباح من أبليس أبو مرة لعنه الله وأضره فلما سمع القوم الصياح هاجت الرجال والأبطال من الكفرة وأهل الضلال الى أن امتلأت الأرض فعند ذلك أقبل عليهم ابو سفيان وقال اما تعلمون من الذي صاح فيكم فقالوا له لانعلم بشيء من هذا فقال لهم هذا رسول الهبل الأعلى قد صاح فيكم ويأمركم أن تنصروه على عدوه وكل منكم له على ابن أبي طالب ثأر فخلوا عنكم الكسل والتقصير وأعزموا على الجد والتشمير واركبوا الآن اليه وانطبقوا عليه فلا بد أن تغلبوه فعند ذلك قام عبد اللات والعزى وقال لهم اريحوا أنفسكم فلما احد يسير اليه غحقي وقام معه ابو سفيان وصارم ولم يكن يومئذ أفرس من هؤلاء الثلاثة فقال لهم أبو سفيان يا أبطال مكة ان هذا غنيمة لكم فا كمنوا بنا في هذا الطريق الى أن يأتي الينا فنقتله وقد اتفق رأيهم على مثل ذلك وجدوا في السير الى أن كمنوا في الطريق هذا ما كان من أمر هؤلاء وأما ما كان من أمر العباس فإنه قد بلغه ذلك الخبر فخاف على ولد أخيه أن يغدروه على غفلة فنادى عبده زيدا وقال له ان هؤلاء الثلاثة لا بد إنهم سائرون الى ابن أخي علي رضي الله عنه وإنهم شياطين العرب وإني أخاف عليه منهم ان يقتلوه فقم الآن واركب حصاني الأدهم وأسبقهم والتق به وقل له يأخذ حذره منهم وانت حرّ لوجه الله تعالى فقال العبد حباً وكرامة ثم ركب جواد سيده وجدّ في السير حتى أشرف على واد صعب المسالك كثير السباع فتعب من المسير فعرج عن الطريق وربط الحصان في رجله ونام فتذكر قول العباس رضي الله عنه فخاف على نفسه أن يمر به الفرسان وهو نائم فيغدروه ويلحقوا الإمام قبل وصوله اليه فربما أن يحصل له منهم أذى ويكون ذلك بسبب تهاونه في المشي ثم أنشد يقول :
أسير بدربي والجواد يطيعني == أجوب الفيافي والقفار بصارمي
أروم علياً ابن عــم محمــــــد == احذره افعال أهـــــل الجــــرائم
فقد ســار عبد اللات ثم مقاتل == كذلك ابو سفيـــان شر العــوالم
وكان العبد يحدث نفسه بهذه الأبيات والإمام سامع كلامه لأنه كان قد نزل بذلك الوادي وعرف صوت العبد فأجابه على عروض شعره .
أيا عبد لا تخشى علي من العدا == انا فالق الهامات جهراً بصارمي
ولا تحسبن الله عني غافــــــلا == وإن نمت فالرحمـــن ليس بنائــم
( قال الراوي ) فلما سمع العبد كلام الإمام وثب قائماً على الاقدام وسل سيفه وهجم عليه وهو يقول له من أنت أيها الفارس الهمام والبطل الضرغام السائر في جنح الظلام فقال له الإمام انا علي بن أبي طالب فلما سمع العبد ذلك تقدم إليه وتمثل بين يديه وأثنى عليه فقال له الإمام من أنت فقال انا عبد عمك العباس أرسلني اليك شفقة منه عليك وإني احذرك من الثلاث فوارس القادمين وهم من
التعليقات (0)