مواضيع اليوم

قراءة في كتاب " النظام التعليمي بالمغرب والأندلس خلال العصر الوسيط"

عبد الغاني البير

2012-01-07 22:29:50

0

 

  عرض عبد الغاني البير  - مستشار في التوجيه التربوي -                                               صدر للأستاذ سعيد بنحمادة ضمن منشورات الزمن 2011ع 12– قضايا تاريخية- كتاب بعنوان "النظام التعليمي بالمغرب والاندلس خلال العصر الوسيط" ، ويأتي اهتمام المؤلف بهذا الموضوع في إطار إغناء النقاش العمومي حول المنظومة التعليمية وأسباب فشلها وطرق تجاوزها وذلك من خلال مقاربة تاريخية ضمن سياق يستوجب تنويع المقاربات والمناهج التي يتطلبها تناول الشأن التعليمي باعتباره رهانا حضاريا وأحد أهم مداخل التحول والحراك الاجتماعي نحو التنمية المستدامة.
كما تأتي هذه الدراسة ولما لها من راهنية وقيمة معرفية ومنهجية في سياق انفتاح المؤرخين على قضايا ذات حساسية اجتماعية دون الاقتصار على التاريخ الحدثي ومحاولة رصد الجوانب الثقافية وعلاقتها بالتحولات السياسية والاجتماعية. فالنظام التعليمي بالمغرب لم يكن بالمغرب والأندلس خلال العصر الوسيط –كما رسمته هذه الدراسة- مجرد رصيد معرفي يلقن للمتعلم وإنما كان عبارة عن اتجاه, وفلسفة وسياسة متبعة خصوصا عندما ارتبط أكثر بالمدارس على حساب الرحلة العلمية وبذلك أصبحت المدرسة النظامية الوسيطية تتحكم في سوسيولوجيا الأطر التي تخرجها باعتبارها إفرازا لوضع اجتماعي ,وقانوني وسياسي لتحدد بذلك علاقة خريجيها بالمجتمع والدولة والنظام التعليمي ذاته.هذا الأخير الذي لم يكن بمحيد عن المجتمع والسياسة بل تأثر سلبا وإيجابا بتحولات العصر الوسيط مما جعل التعليم يساهم في الحراك الاجتماعي آنذاك.
تبعا لهذا قسم الدكتور بنحمادة دراسته إلى مقدمة وخمسة فصول وخاتمة وقذ خصص الفصل الأول ل"موقف المجتمع و الدولة من التعليم",في حين خصص الفصل الثاني ل" النظام التعليمي بين الرحلة العلمية والمدرسة النظامية" والفصل التالث ل" الحياة المدرسية"،والفصل الرابع ل"سوسيولوجيا المدرسة"،والفصل الخامس ل"المشاريع الإصلاحية لنظام التعليم" كما قدم الكاتب في نهاية الدراسة ملحقا بمثابة وثيقة تركيبية لما سماه النظام الداخلي للمدرسة.
الفصل الأول: موقف المجتمع و الدولة من التعليم
في هذا الفصل أبرز المؤلف الأهمية والتقديرالكبيرين الذين كان يحضى بهما التعليم من طرف المجتمع والدولة بالمغرب والأندلس خلال العصر الوسيط باعتباره حاجة اجتماعية وضرورة من ضرورات التحول الحضاري، حيث احتل المدرسون والطلبة مكانة اجتماعية متميزة وعظم شأنهم سواء لدى رجال السلطة أو الأسر التي اتخذت موقفا إيجابيا من قضايا التعليم من خلال حرصها على تعليم الأبناء وتأديبهم، وهو نفس الموقف الذي اتخذته الفئات الشعبية باقتناعها بأهمية التعليم والإقبال عليه وتقدير المعلمين. كما تطرق الكاتب في هذا الفصل إلى مختلف الوظائف التي كانت للتعليم خلال هذه الحقبة , المعرفية والدينية والاجتماعية...هذه الوظائف انعكست أهميتها في امنهان كثير من الأسر الكبرى للتدريس وتخصيص كثير من المؤلفات للمسألة التعليمية...
أما موقف الدولة من المسألة التعليمية فتجسد في حرص الأمراء والسلاطين في تقريب العلماء والاهتمام بالكتاب والمكتبات واختيار أجود المدرسين لتربية أولياء العهد. وفي هذا السياق قدم الكاتب مجموعة من الأمثلة.
الفصل الثاني: النظام التعليمي بين الرحلة العلمية والمدرسة النظامية
في الفصل الثاني حاول الكاتب أن يرسم صورة لأشكال النظام التعليمي خلال العصر الوسيط من خلال الرحلة العلمية والمدرسة النظامية حيث اكتست الرحلة العلمية أهمية كبرى ولم يكن المجتمع يثق في العالم الذي اكتسب علمه دون رحلة، وتعود أهمية الرحلة في إلى ظيفتها التربوية وما وفرته للطالب من ملكات وقدرات حيث تعدد لقاءات المشايخ وتعدد الوجهات سواء داخل المدن المغربية والأندلسية أو في اتجاه المشرق دون تعصب للمذهب المالكي رغم تمسكهم الشديد به، هذا وقد شملت الرحلة العلمية كذلك العبيد والموالي المغاربة والأندلسيين وقد كان من نتاج الرحلة العلمية بروز مراكز استقطاب ارتبطت شهرتها بالنشاط التعليمي،لكونها شكلت قبلة للعلماء والمدرسين والطلبة مثل قرطبة واشبيلية وسبتة ومراكش وفاس...
رغم الدور الأساسي الذي لعبته الرحلة العلمية في تطوير التعليم بالمغرب والأندلس إلا أن فاعليتها تراجعت لفائدة التعليم النظامي الذي رسخته المدارس بعد ذلك حيث انتقل" التعليم المدرسي" بموجب ذلك من رصيد معرفي إلى فلسفة واتجاه معينيين وأصبحت المدرسة تتحكم في "سوسيولوجيا المتعلم" من حيث علاقته بالمجتمع والدولة, ويرى الكاتب أن التعليم المدرسي إذا كان قد اقترن بالدولة المرينية فإن فكرته الأولى بدأت مع المرابطين بالأندلس والموحدين بعدهم بالعدوتين دليله في ذلك تشييد عدد من المدارس خلال الفترتين المرابطية والموحدية ،أما ارتباط المدارس بالمرينيين بالذات فيعود في تقديره إلى ظروف وملابسات تاريخية تجاوزت التعليم نفسه إلى بحث الدولة المرينية عن شرعية سياسية وجدتها في بناء المؤسسات التعليمية الرسمية وتشجيع المناهج الملقنة للمذهب المالكي والتصوف الديني وتوفير الإيواء ،والتمويل وتوفير هندسة معمارية ذات معايير تقنية وجمالية وتربوية واجتماعية وهو ما جعل المدارس تشكل مؤسسات ذات شخصية اعتبارية واستقلال إداري ومالي، ليتخذ التعليم المدرسي بذالك أبعادا تنظيمية على المستويين التربوي والبشري،وبالتالي أسس لما سماه الكاتب ب"الحياة المدرسية"، إلا أن هذا النوع التعليمي لم يعد يوفر نفس الملكات التي كانت توفرها الرحلة حيث تراجعت المناظرة والمحاورة والتواصل لصالح الحفظ كما عقدت كثرة التآليف والمختصرات والأراجيز التعليمية مهمة المدرسين والطلبة التي كانوا ملزمين بحفظها قبل التخرج.
الفصل الثالث: الحياة المدرسية
حاول الكاتب خلال هذا الفصل تلمس الحياة المدرسية باعتبارها ذلك التنظيم التربوي والإداري والمهني الذي كان يقوم عليه النظام التعليمي والذي يشمل الأسلاك التعليمية، والمناهج والطرق الدراسية، والموارد البشرية، والكفاءة المهنية للمدرسين ،وبما أن لك لم يكن بمعزل عن الحراك الاجتماعي فإن الحياة المدرسية تجاوزت تلك الجوانب المهنية والتقنية وتأثرت أيضا بنبض المجتمع باعتبارها إحدى منافذ إعادة إنتاج المجتمع وأداة للتحكم في الزمن المدرسي باعتباره إيقاعا اجتماعيا وليس زمنا بيولوجيا. وتناول الكاتب بالتحليل مختلف أوجه الحياة المدرسية من خلال الأسلاك التعليمية التي قسمها إلى تعليم أولي شكل قاعدة النظام التعليمي بالمغرب والاندلس خلال المرحلة الوسيطية باعتباره مكملا للدور التربوي للاسرة ومتداخلا معه مبرزا بذلك المعارف والكفايات المطلوبة وأمكنة التدريس متمتلة في الكتاب، وطرق التلقين التي كانت تعتمد على الحفظ أما الأدوات الدراسية فكانت تقتصر على الألواح والمصاحف، أما المناهج فتمثلت أساسا في تلقين القرآن والخط والشكل والهجاء وحسن القراءة وأحكام الوضوء والصلاة وفرائضها بمختلف أنواعها. ولم يكن التعليم الأولي يخلو من عقوبات تأديبية جسدية ونفسية لم يعارضها المجتمع، وضمانا لجودة التعليم لم تكن الفصول والحلقات مكتظة كما تم تمتيع المعلمين برواتب قارة والهدايا والمكافآت حتى يتفرغوا للتدريس. بالمقابل كان يفترض في المدرسين والمؤدبين مجموعة من الكفآت والشروط الأخلاقية والاجتماعية ، من جانب آخر لم يستطع التعليم الأولي استقطاب كل أطفال المغرب والأندلس وقد أسهمت مجموعة من الظروف التاريخية في تزايد الهدر المدرسي بالعدوتين.
أما النوع الثاني فهو التعليم المتوسط والعالي والذي ارتبط بالتعليم النظامي وقد انتظمت معالم هذا السلك خلال العهد المريني، وقد اختلفت مدة الدراسة به ومكانها وأهمية الشيوخ حسب ظروف الطالب كما تميزت علاقة المدرسين وطلبتهم بهذا السلك باندماج البعد التربوي بالبعد الاجتماعي كما تميز بدور كبير للمتصوفة .وإلى جانب هذا التعليم نشط محو الامية وتعليم الكبار هذا الأخير الذي شكل إحدى دعائم المشاريع الاصلاحية للزعماء السياسيين بالمغرب والاندلس تمهيدا لقيام دولهم والاطاحة بخصومهم. فقد اعتمد ذلك عبد الله ابن ياسين أثناء التهييء لقيام الدولة المرابطية من خلال تعليم القرآن والمذهب المالكي، في حين وظف المهدي ابن تومرت الأمازيغية في تعليم الكبار من القبائل المصمودية ولقنهم العقيدة التوحيدية باللسان البربري ، وبالتالي يظهر مدى ارتباط التعليم بالحياة السياسية.
ومن أوجه الحياة المدرسية التي تطرق لها الكاتب المناهج والطرق التعليمية والإيقاعات المدرسية، فالمناهج اختلفت بين المغرب والاندلس حيث برمج المغاربة القرآن الكريم في التعليم الاولي وبعده علوم الخط بالمدارس أما بالاندلس فكانت العادة أن يجمعوا في التدريس بين القرآن وعلوم اللغة.لتختلف بذلك الكفايات باختلاف المناهج. أما الطرق التعليمية فتكاد تكون متشابهة بين العدوتين وأهمها السماع للفظ الشيخ والعرض الإملاء أو التحديث والرواية والاجازة والمناظرة والمناولة والمذاكرة.لكن الاجازة كانت اشهر الطرق وتعني ترخيص الشيخ لطالبه والاذن له بتبليغ ما تلقاه عنه. وفيما يخص الإيقاعات المدرسية فتميزت في الغالب بانطلاق الدراسة بعد صلاة الصبح أو بين صلاتي المغرب والعشاء ،أما بمدارس فاس المرينية فكانت الدروس تلقى صباحا ومساء وكانت تختلف باختلاف فصول السنة، أما العطل المدرسية الاسبوعية فكانت يوم الجمعة على غرار باقي الحرف لاعتبارات دينية لتتحول بعد ذلك إلى يوم الأحد خلال العهد الوطاسي.
وفي استقرائه للموارد البشرية والهيئة العاملة بالمدارس المغربية والأندلسية خلال العصر الوسيط فقد تكونت زيادة على الطلبة من الامام والمؤذن والمدرسين والقيم والبواب كل حسب اختصاصه، أما هيئة التدريس فقد تم التمييز بينها حسب التخصصات العلمية من جانب آخر تفاوتت الكفاءة العلمية للمدرسين بتفاوت مؤهلاتهم وأوضاعهم الاجتماعية والسلك الذي يمارسون فيه.
الفصل الرابع: سوسيولوجيا المدرسة.
إيمانا منه بأن المدرسة لم تكن منفصلة عن مسار الدولة والتحولات الاجتماعية فإن الكاتب حاول أن يقف على مختلف تجليات العلاقات الجدلية بين النظام التعليمي من جهة والنظم السياسية والمجتمع من جهة أخرى ، وهكذا يسجل المؤلف توظيف المرابطين وعلى رأسهم عبد الله بن ياسين للتعليم لخدمة المشروعين المالكي والجهادي في حين اعتمد الموحدون على ترسيخ العقيدة التومرتية والفكر التوحيدي بمنحاه الاشعري ،أما المرينيون فشجعوا المالكية والتصوف والشرف . وفي علاقته بالمجتمع ساهم النظام التعليمي في الحراك الاجتماعي وإعادة انتاج المجتمع، كما كانت المدرسة تعكس التفاوتات الطبقية للعصر الوسيط، من جانب آخر ساهم التكويين الجيد في تسلق الطبقات الاجتماعية وقد قدم الكاتب شواهد كثيرة على ذلك.
الفصل الخامس: المشاريع الإصلاحية لنظام التعليم
لقد كان من البديهي أن تعترض النظام التعليمي بالمغرب والأندلس معيقات تحد من فعاليته وجودته ونسبها المؤلف من خلال بحثه إما إلى قلة كفاءة المدرسين أو تراجع التطور الحضاري في العدوتين خصوصا بعد معركة العقاب، وقد أدى إنشاء المدارس واقتصارها على المدن الكبرى إلى التحاق من هب ودب بكراسي التعليم ،ومما زاد من معاناة النظام التعليمي الثغرات التي شابت مناهج التعليم ومقرراته واعتماذها على كثرة الاختصارات والأراجيز التعليمية مما أخل بالبلاغة وعسر الفهم إضافة إلى سوء برمجة المقررات في بعض الأسلاك التعليمية، وضعف الدراية بطرق التدريس كل ذلك ساهم في تفشي ظاهرة الانقطاع عن الدراسة ، ولتجاوز هذه الاختلالات التي شابت النظام التعليمي بالمغرب والأندلس، تعددت المشاريع الاصلاحية، وقد اقتصر الكاتب على أنموذجان للخطاب الاصلاحي للتعليم بالمغرب والأندلس خلال العصر الوسيط، وهما لكل من أبي بكر العربي (543هـ/1148م)، وعبد الرحمان ابن خلدون (808هـ/1405م) مع مقارنة بين الأنظمة الدراسية بين بلدان الغرب الاسلامي.
-"القانون" التربوي لأبي بكر بن العربي المعافري:
وضع ابن العربي مشروعا لاصلاح التعليم سماه "القانون"، وضع فيه أولويات التعليم الأولي والغاية من تعليم بعض المواد الدراسية وفق ترتيب زمني محدد حتى تتحقق الغاية منها، وقد قدم ابن العربي بالموازاة مع ذلك البرنامج توجيهات تربوية كفيلة في نظره بتحقيق الكفايات المطلوبة في هذه المرحلة التعليمية ،كما حدد شروط تمكن المتعلم من بلوغ مراميه، وبالمثل قنن العلاقة التربوية والاخلاقية التي تربط بين المعلم والمتعلم، بما يضمن حقوقهما وواجباتهما.مع تركيز ابن العربي على إهمية التشجيع على التعليم، وقد استمد المشروع الاصلاحي لابن العربي وجاهته حسب الكاتب مما ألفه من مصنفات في شؤون التربية والتعليم ؛مثل "كتاب آداب المعلمين" ،و"مراقي الزلف"، الذي يتضمن منهجا تربويا وأخلاقيا رصينا في تعليم الأطفال. علاوة على ذلك كان ابن العربي قد تلقى تعليمه الأولي بإشبيلية وفق ذلك المنهاج الدراسي تقريبا وفقا ما رواه عن طفولته وتعليمه.
- المشروع التربوي لابن خلدون
نوه ابن خلدون بالمشروع التربوي لابن العربي لكنه أبرز صعوبة تطبيقه على أرض الواقع وبذلك ضمن مقدمته فصولا تضمنت تصوره لاصلاح المناهج التعليمية التقليدية المضيعة للوقت والجهد في نظره مؤكدا على أهمية الاقتصار على المسائل المذهبية كما اقترح مبدأ التدرج في التربية والتكوين وذلك بأن يتلقى المتعلم في البداية أساسيات العلوم بالشرح المجمل المنسجم مع مراحل نموه وجوانب شخصيته مع مراعاة استعداد المتعلم وميوله التعليمية وقدراته الحسية، كما دعى إلى التخفيف من المقررات الدراسية باعتبار اثقال كاهل المتعلمين يزيد من أزمة النظام التعليمي، ولم يفت ابن خلدون التشديد على حسن تدبير الايقاعات المدرسية ضمانا لجودة التعلمات وذلك بالتحذير من تمديد الحصص أو الفصل بينها لفترة طويلة.وينصح ابن خلدون باعتماد التخصص تركيزا للجهود,
- المقارنة بين المنظومة التعليمية لدول الغرب الاسلامي:
انطلاقا من رؤية ابن خلدون قام الكاتب بعقد مقارنة بين المناهج الدراسية بالغرب الاسلامي وهو ما يفيد في معرفة نوع المواد التعليمية الملقنة للأطفال ، وأثر ذلك على القدرات المكتسبة خلال العصر الوسيط في كل من المغرب الأقصى والأندلس وإفريقية.حيث كان في المغرب الأقصى يتم التركيز على تدريس القرآن الكريم ورسمه في الأقسام التحضيرية أما في الأندلس فيردفون تدريس القرآن الكريم علوم اللغة لتكون عونا للطالب على الفهم وهذا الخلل المنهجي هو الذي فطن له ابن العربي كما أشرنا سابقا واقترح تقديم العربية والشعر على باقي العلوم.
أما في إفريقية فقد تم توسيع قاعدة البرامج الدراسية، وذلك بالجمع بين القرآن الكريم والسنة النبوية وأوليات العلوم,وهكذا وبتباين المناهج الدراسية بالغرب الإسلامي تباينت ملكات وقدرات المتلقين في كل قطر.
خلاصة وملاحظات
لقد كان هدف الكاتب من خلال تحليله لمختلف فصول الكتاب هو الوقوف على عدد من القضايا التي تدخل ضمن اللامفكر فيه لدى المهتمين بالبحث التاريخي، رغمرغم أهميتها في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي خلال العصر الوسيط. ومن خلال الدراسة تبين الموقف الايجابي لمختلف فئات المجتمع والدولة من المسألة التعليميه، وقيمة الرحلة العلمية في المنظومة التعليمية الوسيطية قبل أن تتراجع لحساب التعليم المدرسي النظامي المرتبط بالتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمغرب والاندلس.مما جعله في بؤرة التجاذبات. أما المناهج والطرق فاختلفت باختلاف الاسلاك والغايات وكفاءات المدرسين.
الخلاصة الأساسية التي وصل إليها الكاتب في دراسته أن التعليم يتقدم بتقدم المجتمع ويتخلف بتخلفه مما يكسب البحث التاريخي مكانته ويدلل على راهنية بعض قضاياه.
لقد حاول الأستاذ بن حمادة من خلال هذه الدراسة تجاوز المقاربات التاريخية التقليدية ويقتحم قضايا منسية ومسكوت عنها ومرتبطة بلب انشغالات المجتمع باعتباره ذلك المفكر العضوي حسب تعبير غرامشي وهو ما سيساعد لا محالة في حل أخطاء اليوم باستحضار أخطاء الأمس وهفواته.وهكذا فقد استطاع المؤلف وإلى حد كبير ان يضعنا في صورة النظام التعليمي في المغرب والاندلس خلال العصر الوسيط وفق منهجية جمعت بين التحليل العلمي والرواية الشيقة معتمدا في ذلك على كم هائل ومتنوع من المراجع والمخطوطات معتمدا على منهج التحري والمقارنة.
في نهاية هذه القراءة ليسمح لي ذ. سعيد بنحمادة للإدلاء ببعض الملاحظات التي لا يمكن ان تنتقص من قيمة الكتاب المعرفية والإنسانية.
أولا: الجمع في الدراسة بين المغرب بمختلف أقطاره والأندلس ورغم العوامل المشتركة الكبيرة بينها جعل الدراسة تنحو إلى كثير من التعميم مما يجعل القارء أمام منظومة تعليمية يصعب إيجاد خيط ناظم بينها رغم ما تسمح به من عقد للمقارنات
ثانيا: النظرة التفاؤلية الكبيرة التي تعامل بها المؤلف مع الدراسة لم تسمح بإظهار كثير من إشكالات وعيوب النظام التعليمي المدروس خصوصا أنه يتناول فترة عرفت الكثير من القلاقل التي إدت بالتأكيد إلى ظهور العديد من الإخفاقات على المستوى التعليمي.
ثالثا: المغرب ومن خلال تعدده الإثني والثقافي لم يعرف فقط التعليم العربي الإسلامي وإنما تخللته نظم أخرى اعتمدتها مختلف مكونات المجتمع المغرب وهو مالم يشر إليه الكاتب في دراسته حتى تكون شاملة لمختلف أطياف المجتمع المدروس. في الأخير لا يسعني إلا أن أثمن غاليا هذا الإنتاج الفكري المتميز الذي يجب أن يلقى حقه كافيا من النقاش الإجتماعي.

عبد الغاني البير   - مستشار في التوجيه التربوي -

منشور بدورية كان التاريخية  - عدد 14 دجنبر 2012 -  الترقيم المعياري الدولي : 0449-209




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !