مواضيع اليوم

قبل الخامسة والستين

شريف هزاع

2009-05-11 09:50:51

0

قبل الخامسة والستين

شريف هزاع شريف

احترقت اصابعه إثر السكارة الاخيرة، رماها بصورة خاطفة ضاربا الهواء بعنف ليتخلل اصبعيه المصفرين بالنيكوتين الزيتي اللامع على تجعدات انامله النحيفة...نظر الى اصبعيه اللذين بدأ بالاحمرار والحرقة ... لم يحرق للمرة الاولى ! لقد سبقتها حوادث كثيرة ، آخرها كان احتراق سجادته منفغرة بقطر كبير لم ينتبه له الا حين تصاعدت السنة اللهب بارتفاع نصف متر ، دخان السجادة الخانق دفعه دون وعي للنزول لجلب الماء بسرعة مذهلة تجاوزت سنين عمره الطويل...تأمل الغرفة من جديد ، وجد انه رمى عقب السيكارة مرة ثانية على الارض، التقطه واودعه منفضته...اغلق ستائر النافذة ، خلد للنوم محاولا تناسي الحرقة والالم ... اطفأ المدفئة ، مصباح السرير الذي اسند الى جدار ليساعده على القراءة اثناء فترات الارق التي تهاجمه لحظة النوم ...يقراء صفحات عديدة ثم يتناول قرصا منوما! الا هذا اليوم فاحتراق انامله انساه كل شيء حتى شجيرة المطاط!... اسدل ستائر عينيه...

في الصباح يبقى ثلاث ساعات في الغرفة دون ان يفتح اي نافذة ، الغرفة معبقة برائحة الامس والدخان ، لا ينير مصباحا فتبقى الغرفة مظلمة لفترة ،يتلمس السرير ثم ينهض الى اسطواناته التي يسمعها كل صباح قبل كل شيء... العصفور الناري /كارمن /الاميرة النائمة /القيامة /المقطوعة الجنائزية ، يلمع شجيرة المطاط ويرش عليها رذاذ الماء ويفني سبع لفافات تبغ رديء ذو دخان كثيف ، تختنق الغرفة بسديم ازرق يدمع العينين يعيق التنفس لكنه لا يبالي ، انها الحياة التي يعيشها كل يوم ...

يتأمل مكونات غرفته كالحاسب الالي بدقته المتناهية، يبدوا متخلفا مع فارق بسيط – الدقة – العمليات الرياضية السريعة التي يجريها على الفراغات والكونات التي تأخذ حيزا في الفضاء ... يستذكر ..طفولته ويكتب تفاصيلها في دفتر المذكرات ، من الصعب تصور مدى الذاكرة التي يتحلى بها ، انه مبرمج ، هكذا كان يسمى في صغره...العائلة نفسها تعيش حالات الفوبيا المتطرفة اتجاه النسيان ، عدم التنظيم يدفعها الى سلوكيات عصابية مكبوتة وغير مستقرة ...اي شيء داخل المنزل لا يتحرك من مكانه ، انه يعامل بعناية تامة...الخزف ، الاخشاب ،  اللوحات ، زجاج النوافذ ينظف ويلمع يوميا...يطبق الشيء ذاته في الحياة ، خاصة والده الذي كان يعمل في دائرة البريد ، اصيب بجنون حسب تقرير الطبيب الذي عاينه فأودع مصحا عقليا منذ سنوات ...ابعد عن العمل في الفترة الاولى كانوا يظنون انه سيشفى وانها نوبة لا اكثر لكن الامر لم ينته الى هذا الحد ، طلبت الدائرة احالته على التقاعد لانه يعيق العمل ... كان يعتقد ان المراسلات تأخذ اشكالا عديدة ... لقد كان يعنون الرسائل الواردة اليه الى الابواب ، سنادين نباتات الزينة  ، صحون الطعام ، اجهزة التدفئة ، حذاء رئيس العمل !!! انها لاتنحصر بالجنس البشري ، علق ثلاث رسائل على شجرة الصنوبر وزدادت حالته سوء وانتهى الامر به ... في المصح.

ابنه يراسله شهريا ، الاب يقوم بالرد على كل رسالة يرسلها له ابنه باسهاب وطول غير معقول ، يسلمها للعاملين في المصح ويطلب ايصالها بسرعة ويكتب مثيلاتها للقطط والكلاب السائبة ونهر المدينة ،ولم يكن يكتب اي عنوان غير الاحرف الاولى من اسمه على مظروف الرسالة .

كانت الرسائل تؤخذ اولا الى الطبيب المختص بحالته وتعرض عليه لدراستها ، كان الابن يأتي كل شهر لتسلم رزمة من الرسائل التي كتبها له والده له وللوجود!.ارسل له الابن مؤخرا رسالة اسهب فيها الابن عن علاقته الانسانية التي مارسها مع نبات المطاط الطري الذي يحتفض به قرب السرير ... لقد اكتشفت يا ابي كم هي جميلة وانثوية هذه النبتة الرائعة انني ارش عليها رذاذ الماء لانها تحب الرطوبة ..ترفض تدخل اي شيء في حياتها ومحيطها ، تفضل الماء والرطوبة وتحيط عالمها بشفافية كبيرة وبالذكريات التي عاشتها في الغابات الاستوائية انها تموت اذا ما استقر عليها الغبار لذا اقوم بتلميع اوراقها كل صباح ومساء .

ابنك المخلص

فتح الدفتر ..

لم يكن ابي مجنونا ، انه اخر النماذج الممكنة الوجود المتفهمة لهذا العالم انه رجل برمائي !؟ كان يحب الاستحمام ، لقد نجح بالاتصال والتفاهم مع الوجود ...العالم مريض لم يفهم والدي ولم يحتضنه ابدا ، انني احبه كثيرا ...افكر دوما بهذا الشعور المتأرجح ..الشريد ..العالم هو التفكير نفسه ..فكر باحتراق اصبعيه ..نظر لهما ثم بدأ يتفحص مكونات غرفته انتهت الاسطوانه الاخيرة لموتزارت ثم مات ، عزفت خلال حفل تأبينه كانت الجنائزية من روائعه حقا لقد عزف لحن موته قبل ان يموت لقد جسد انغام الموت الحزين حين يسافر مع زائر لايعرف طرقات الابدية ...

انه اليوم الثاني من كانون ، المطر ينهمر بغزارة على سقف غرفته ..المطر ...المطر يسقط نحو الاسفل انه قانون نيوتن ! تأمل رماد سيكارته ثم عصرها في المنفضة حتى انبجس منها التبغ غير المحترق خارجا من شرنقته وتراقصت اخر خيوط الدخان ممتزجة مع الهواء ، انه جزء من جغرافية الغرفة  .. انه قانون نيوتن معكوسا الدخان يتصاعد الى الاعلى !؟

تتعكر والدته من الدخان الخانق وتعتبره صغيرا على التدخين رغم انه سيبلغ الخامسة والستون بعد
اشهر ...

2/اذار ... قالت امي اني ولدت في الليل قبل طلوع الشمس بثلاث ساعات قبل خمسة وستون عاما الا ثلاثة اشهر ولدت انا...

ابي لست متعبا ليبعدونك عن العمل ..العالم هو المتعب !انه يحتضر او ربما يموت قبلك انك في المكان الصحيح الان انه نقي وجميل .

ابنك المخلص

نظر الى المرآة ، بدأ مستغربا وكأن المرآة لاتعكس صورته بل صورة رجل غريب!!!بدا يتفحص جسده ، وجهه ، سريره ، منضدته ، الكتب  ، اللوحة ، المصباح ، السجادة ... اعاد النظر الى المرآة ، منفضة سكائره ، الاوراق المغادرة مكتبه ارضا ...فكر لماذا لم اتزوج ؟ لا ..لا ليست فكرة مستحبة...مشاهدة فلم سينمائي؟ مسرحية؟ قهوة؟لا ... اريد شيئا اخر كـ..أ ..آ.. نظر مجددا الى المرآة ...كنت اعمل وانظم الامور والاشياء المحيطة ، اركز على انبعاثها ... وجودها نهايتها ... اعرف اين يتجه الدخان ، المطر ، ثبوت الاشجار ، حركة النمل دوران الذباب ، الاصابع  تتحرك ربع دورة نحو الاسفل ... اللعنة اما كنت اقدر ان افكر بغير هذه الطريقة؟لماذا خمسة وستون عاما احافظ على النظام والقوانين ... انا وامي عجوزان انها تركت البكاء منذ عشرين عاما لم اجرب البكاء في حياتي !؟ ، ابي؟ لااعرف هل كان يبكي ؟... طرق الباب جاءته الام برسالة ، وضعتها على المنضدة ثم خرجت متعثرة بظلام الغرفة ، حينها تذكر ان يفتح ستائر غرفته ... انها رسالة لا بد انها من المصح ... التفت الى المرآة مجددا ليواصل خيط ثرثرته ..ابي هل كان يبكي ؟ ربما يبكي الان ؟ لا اعرف!...

لماذا كل شيء بطيء الى هذا الحد ؟، هل لانني مسن ؟ هل اصبحت عجوزا ؟ هل تعني الخمسة وستون عاما – الموت- هل احتضر دون وعي ؟ اهذا هو الموت اذن؟! انه مؤلم ان يأتي بهذا الشكل ، ليس بالضرورة ان يكون الموت ربما هو التعب ، الـ..( لماذا اتهرب من الاجابة ؟)... اجب ما هو الموت؟ هو ..التوقف..نعم التوقف و..انه..أ.. انه التوقف الضروري في اخر محطات الحياة ، ... ابتسم امام المرآة يا له من سؤال ..لاحظ الرسالة ، التفت نحوها ..التقطها ، انها من المصح ! ومن غير ابي يراسلني!؟انه الوحيد الذي يكتب لنا منذ اعوام .. فتح الرسالة ...فكر قبل ان يفتح الورقة ..انني اذهب شهريا الى المصح لاستلام رسائل ابي لماذا جيء برسالته الى هنا ؟؟؟ ثم انها غير موقعة منه..( يرجى حضوركم لقد توفي والدك – تعازينا- ) ... لقد غادر قطار ابي هذا اليوم ، لماذا ؟، كان وفيا للعالم الى اخر يوم ...

جلس ليكتب في دفتر مذكراته ..

لقد مات اليوم .. يا له من عالم بائس ...قوانين متعبة ومنطق هرم...سافكر ولو لمرة واحدة ان اعكس قوانين العالم ، ماذا لو كانت النار لا تحرق ؟.. تذكر اصبعيه ليلة امس..لا ..لا ، انها فكرة غبية ..انها جماد .. الماء لايأخذ شكل الايناء  ، المسطرة كروية ، الخط المستقيم منحني، اليوم 23 ساعة ، ساعتين ابي لم يمت ، امي ماتت .. انها لم تمت ...يالسكون العدم ، يلهذا العالم الغريب...ثلاثة اشهر مضت .. قبل الخامسة والستون كان في منزله مع اوراقه ، كتبه ، اسطواناته ...الان ...في المصح مُنِع من التدخين ، لم يرى اي دخان ولا عقب سيكارة مدعوكة ، كان يحب دعك الاعقاب ليعصرها في فمه ...توفي في 1/اذار ودفن قرب والديه قبل الخامسة والستين.




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات