يعيش شعبنا الكوردي هذه الأيام ذكرى أليمة تنسكب لها الدموع، وترتفع من هولها الآهات، وتهتزّ لها القلوب والأبدان، وتئنّ من وطئتها الضمائر الحية، وتندب الإنسانية حظها أن ظهر فيها من يستحلّ دماء الأبرياء بهذه الطريقة.. إنها ذكرى الجرائم الوحشية التي ارتكبها النظام السابق بحق عشرات الآلاف من أبناء القرى والقصبات الكوردية تحت مسمّى (الأنفال)..
فكيف يسمح حاكم لنفسه أن يفعل ذلك بشعبه؟ وهل كان الشعب الكوردي يستحق تلك المعاملة؟ وماذا أراد النظام السابق من تسمية عمليات الإبادة الشاملة تلك بـ(الأنفال)؟..
أسئلة تتبادر الى الذهن كلما استذكرنا تلك الجرائم الهمجية التي ارتكبت بحق شعبنا تحت شعار سورة كريمة من سور القران الكريم..
ولابد من الإشارة أولا الى أن سورة الأنفال تصف في مجملها الجولة الأولى من الصراع بين جبهة الإيمان وجبهة الكفر في غزوة بدر الكبرى، ويبدأ مطلعها بقوله تعالى: [ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ]، وتبيّن للمسلمين ضمن سياقها كيفية توزيع الأنفال وهي الغنائم التي يتركها الكفار في ساحة القتال حيث تقول: [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ]الأنفال/ 41.
ولا نحتاج هنا الى كثير عناء لنصل الى نتيجة أن النظام عندما أطلق هذا المصطلح القراني على جريمته فإنه أراد بذلك أن يضفي على نفسه صفة الإيمان والاسلام، وأن يعلن للمسلمين في أنحاء الدنيا أنه على حق حينما يحارب الكورد ويقتلهم لأنهم كفرة مارقون من الدين وأموالهم وممتلكاتهم تعتبر غنائم، وأن يبين أن هذه العملية هي جولة أخرى من الصراع الدائر بين جبهة الإيمان التي يمثلها هو وجبهة الكفر التي يمثلها الكورد!.
لقد دمرت الحكومة البعثية الظالمة من خلال قواتها المسلحة المدججة بأنواع الأسلحة الفتاكة خلال هذه الحملة أكثر من أربعة آلاف قرية كوردية، وهذا يعني ضمنا تدمير أكثر من أربعة آلاف مسجد لأن القرى الكوردية لاتكاد تخلو من مسجد يؤمه أهل القرية، فالشعب الكوردي شعب مسلم حتى النخاع ولم يكن يستحق أن يعامل كخارج عن الدين تستحل دمائه وأمواله بهذا الشكل.
ومما ساعد النظام البعثي على ترويج هذا الافتراء بحق الكورد التعتيم الإعلامي الذي كان يُمارس على هذا الشعب المظلوم، حيث لم يكن مسموحا له أن يرتفع له صوت يعبر عنه ويظهر المظالم التي تعرض لها، وكانت هناك منظومة إعلامية ضخمة تقف خلف النظام سواء في داخل العراق أو في الدول العربية تقوم بتمجيده وإظهاره بمظهر الحريص على الأمتين العربية والاسلامية وبث الدعايات الكاذبة ضد الشعب الكوردي وإسكات جميع الأصوات التي تتحدث عن مظالم هذا الشعب، يتحدث الشاعر السعودي الكبير (عبدالرحمن العشماوي) في ندوة شعرية مسجلة عن قصيدتين له كتبهما عن معاناة الكورد في تلك الفترة إحداهما عن حلبجة والأخرى تحت عنوان (نداء من طفلة كوردية)، ولكنه يقول متأسفا أن القصيدتين لم تجدا طريقهما الى النشر.. وهكذا كانت كل الأصوات العربية والاسلامية المخلصة التي تريد أن تتكلم وتأبى أن تسكت عن هذه الجرائم تتعرض لتعتيم إعلامي يحجب صداها.
لقد كان كل ذنب الشعب الكوردي أنه وقف بوجه الظلم الذي تعرض له وطالب بأن تكون خصوصياته القومية محفوظة وأن يتعامل معه حكّامه كشعب له حقوقه في الحياة الحرة الكريمة، تلك الحقوق التي ليست هبة من أحد من خلق الله يعطيها أو يمنعها، بل هي هبة من الله عزّ وجل وهبها لكل أحد باعتباره إنسانا قبل كل شيء.
لقد طالب شعبنا بتلك الحقوق التي كتبها الله له وكفلتها له القوانين الأرضية، فماذا حدث..؟
الذي حدث أن عشرات الآلاف من أبناء شعبنا لا زال مصيرهم مجهولا، الآلاف من النساء أصبحن ثكالى والآلاف من الأطفال أصبحوا يتامى، وآخرون دفنوا أحياء في مقابر جماعية، وعشرات الآلاف شردوا من ديارهم وقراهم وتم جمعهم في مجمعات قسرية تنقصها أبسط مقومات الحياة. ولا زلت أتذكر الآلاف من العوائل المهجرة الذين رمت بهم السلطات البعثية في منطقة (بحركه) وتركتهم دون عائل، فانبرى أهالي أربيل لمساعدة هؤلاء بكل احتياجات المعيشة في موقف تاريخي مشرف يسجّل لأهالي هذه المدينة.
إن ذلك قد حدث لأن حكام العراق بخسوا هذا الشعب حقه في العيش الكريم وأرادوا منه أن يتنازل عنه ويتنكر لقوميته ولغته ويسير في ركاب سياساتهم الظالمة التي كانت تحارب آية من آيات الله تعالى وهي كون الناس من أجناس وقوميات ولغات مختلفة..
ويستذكر شعبنا هذه الأيام تلك المأساة الكبرى ومهندسو ومنفذو الجريمة قد لقوا مصيرهم ونالهم عقاب ما يستحقونه جزاء ما فعلوه بالأبرياء من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، وما ققاموا به من إهلاك للحرث والنسل، وتدمير للقرى والمساجد.. فهم الآن بين يدي جبار السموات والأرض الذي لا يعزب عنه أي شيء في الأرض ولا في السماء.
إن العدالة الإلهية أبت أن يترك هؤلاء الدنيا دون أن يقفوا أمام المحكمة صاغرين وينالوا نصيبهم من الذل والهوان ويروا ضحاياهم يشهدون عليهم، وإن كان هناك مجرمون آخرون نجوا من محكمة الأرض ولم تقبض عليهم يد العدالة فإن المحكمة الإلهية العادلة لن تتجاوزهم في يوم تشخص فيه الأبصار [وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ] ابراهيم/ 42.
التعليقات (0)