مواضيع اليوم

فن الاوبرا

مي عبد الحفيظ عباس

2011-07-15 23:34:55

0

تعتبر الأوبرا من أكثر الفنون المسرحية- الموسيقية الغنائية صعوبة وإمتاعاً وفخامة لما تتطلبه من قدرات عالية في الغناء والموسيقى والرقص التعبيري الذي يحتاج إلى تدريب طويل ومتقن, بالإضافة إلى عناصر أخرى كالحركة وتشكيل المجموعات وثياب وماكياج وإضاءة ورسم باهر للمناظر.
وقد درج الباحثون على تقسيم الأوبرا إلى نوعين رئيسيين:‏
1- الأوبرا الفخمة Grand Opera وتقوم بشكل رئيسي على الغناء كما في أوبرا عايدة. وفيها يتحقق العمل الفني المتكامل والشمولي لاستخدامها الموسيقى والشعر على المسرح,وتعبر عن النوازع في جموحها وعن الوجدان في مكنوناته وتقودنا إلى قيعان المشاعر الإنسانية.‏
2- الأوبرا الهزلية Comic Opera وفيها يمتزج الغناء بالحوار المسرحي, ومنها انبثقت الأوبريت Operetta وهي تجمع ما بين الغناء والحوار, وغالباً ما يكون موضوعها عاطفياً خفيفاً مرحاً مثل أوبريت العشرة الطيبة لسيد درويش.‏
قد تأتي الأوبرا الهزلية بعيدة عن الضحك, والأوبرا الفخمة حافلة بالمواقف الهزلية, فما يجمعهما هو انتسابهما إلى الدراما الموسيقية الغنائية, وما يميز بينهما هو مساحات استعمال الحوار والغناء.‏
كانت البداية في القرن السادس عشر حين تشكلت في فلورنسا جماعة الأصدقاء من المؤلفين والشعراء وكان همهم إحياء المسرحية اليونانية القديمة ومعرفة كيفية استخدام الإغريق للموسيقى بمصاحبة التمثيل, وكان من بينهم المؤلف الموسيقي والعازف والمغني فينشنسيو غاليلي والد العالم الفلكي الكبير غاليليو . وفي عام 1600م شهد المسرح عرض مسرحية« يوريدتشي» التي كتبها الموسيقار الإيطالي بيري وقدمت في احتفالات زواج ملك فرنسا هنري السابع من الأميرة الإيطالية ماريا دي ميدتشي وتدور حول قصة أورفيوس المغني البارع وزوجته الحورية الحسناء يوريدس التي تموت بعضة ثعبان فيتبعها زوجها إلى العالم الأسفل« هيدز» ويناشد حراس الموتى بغنائه وعزفه إعادة زوجته إليه فترق له القلوب ويعطونه زوجته بشرط ألا ينظر إليها حتى يصل العالم الدنيا, لكنه يخل بالشرط فتعود إلى هيدز. وقد جرى تعديل النهاية لتكون نهاية سعيدة.‏
في عام 1607م قام كلوديو منتفردي بإخراج عمله الأوبرالي الأول »آريانا« ثم أتبعه في العام التالي بتأليف أوبرا« أورفيوس« وموضوعها نفس الموضوع الذي تناوله بيري وإنما سماها باسم البطلة, واستخدم فيها لأول مرة أوركسترا تتألف من آلات عديدة معلناً بذلك مولد الأوركسترا الحديث.‏
انتقل فن الدراما الموسيقية الغنائية من إيطاليا إلى إنكلترا , وبالرغم من أن جماعة المتطهرين (البيوريتان) الذين سيطروا على الحكم عام 1649م وأعدموا الملك تشارلز الأول قد منعوا المسرح إلا أنهم سمحوا بتقديم أوبريتات باعتبار أنها حفلات موسيقية وليست مسرحية وهكذا قدمت أوبرا«حصار رودس» عام 1657م وقد وضع حوارها الشاعر وليام دافينانت, وقد صممت على نسق الأوبرا الإيطالية : إلقاء ملحّن وأغان مفردة . ثم أتبعها عام 1658م بأوبرا« مظالم الإسبان في بيرو» و أوبرا« سيرة سير فرانسيس دريك» . وفي عام 1660م تنفس المسرحيون الإنكليز الصعداء بانتهاء حكم البيوريتان وعودة تشارلز الثاني إلى العرش. وحول دريدن مسرحية العاصفة لشكسبير إلى أوبريت . كما تم تحويل مسرحية ماكبث إلى أوبريت أيضاً.‏
هذا النمط الشعبي من الدراما الموسيقية الغنائية لقي إقبالاً جماهيرياً شجع على تأليف أوبريتات أخرى فقد كتب دريدن أوبرا« البيون والبانيوس» 1658م ثم أوبريت الملك آرثر بعد ست سنوات, وتنافس في هذا المجال دورفي و سيتل وآخرون في إنتاج أعمال مماثلة. وثمة فرق بين الأبريت الإيطالية التي تقوم على الغناء وبين الأوبريت الإنكليزية التي كانت بمثابة مسرحيات استعراضية مع أغنيات كثيرة وحوارات وموسيقى أوركسترالية. وفي عام 1668م كتب النجم الموسيقى الإنكليزي أوبرا«دايدو وآينياس» وتروي قصة قص ملكة قرطاجنة دايدو للأمير الطروادي إينياس.‏
ومع بداية القرن الثامن عشر بدأت ترجمة بعض الأوبرات الإيطالية إلى الإنكليزية, إلى أن جاء الموسيقار الألماني جورج فريديدريك هيندل عام 1710م إلى هانوفر مديراً لفرقتها الموسيقية وكان قد درس الأوبرا الإيطالية في إيطاليا وأخرج في البندقية أوبرا » أجريبيينا« . وقد استقر هيندل في لندن وتعصب للأوبرا الإيطالية وقدم عام 1711م أوبراه« رينالدوا» التي تميزت بألحانها الأخاذة ومناظرها الساحرة, وكان لنجاحه وتعصبه للأوبرا الإيطالية الدور في إضعاف الأوبريت الإنكليزية, إلى أن جاء الكاتب الإنكليزي جون جي ليكتب أوبرا الصعلوك ويسخر من الأوبرا الإيطالية, وقد قدمت لأول مرة في عام 1728م ونجحت نجاحاً مذهلاً وأصبحت أغانيها على كل لسان مما حدا بآخرين إلى تقليدها لكن أهم أوبريت جاءت بعدها هي »القهرمانة« لشريدان عام 1775م. ولأن أوبرا الصعلوك ليست كغيرها فهي لا تتحدث عن عوالم السحر والأساطير والفانتازيا وإنما عن شرائح اجتماعية من الطبقة الدنيا وتصور الفساد السياسي والاجتماعي والحالة الزرية للسجون الانكليزية فقد ظلت حية إلى الآن, وقد اقتبسها بريخت بموضوعها وشخصياتها فأعد منها أوبريت القروش الثلاثة والتي وضع موسيقاها الموسيقار الألماني كورت فابل.‏
انتقل فن الأوبرا من مهدها الأول في إيطاليا إلى باقي أنحاء العالم وتنوعت موضوعاتها ومدارسها وظهرت روائع خالدة في هذا المجالات فكان منها: الكلاسيكي مثل:«دون جوان والناي المسحور» لموزار. والرومانسي مثل:«تويستان وايزولده» و»بارسيفال» لفاغنز.+والواقعي مثل«بوريس غودونوف» لموسور غسكي, و»كارمن» لجورج بيزيه.+والرمزي: مثل (بيلياس وميليزاندا) لديبوسي.+وكان منها الحديث مثل (فوزيك) لألبان بيرغ.‏
هناك في أقصى الشرق, في الصين, نشأ نوع من الأوبرا لم يتأثر بالأوبرا الإيطالية, وهو مغاير لها. وقد أتيح لي في زيارتي إلى الصين أن أشاهد أوبرا بكين, وهي فن فلكوري ينبع من حياة عامة الناس, ولكل قصة شخصياتها. وهي أشهر فن تُعرف به المسارح الصينية, و محط اهتمام الأجانب وكبار الشخصيات العالمية التي تزور الصين. للمكياج والأزياء وألوانهما ورسوماتهما مدلولات رمزية هامة جداً في هذا الفن التقليدي فاللون الأبيض مثلاً يعكس شخصية غدارة وشريرة, والأسود يدل على الشجاعة, أما الأحمر فيدل على الإخلاص, وعادة ما تكون هذه الألوان مبهرة ذلك أن أوبرا بكين كانت تؤدى في ضوء مصابيح زيتية ضعيفة الإضاءة, أما الرسومات فهي تدل على مكانة الشخصية, التنين يدل مثلاً على مكانة عالية للرجل, كذلك الطاووس بالنسبة للمرأة, ولأوبرا بكين تقاليدها الخاصة في الفرجة فأن يشرب الجمهور الشاي ويتناول بعض المكسرات ويثرثر أثناء العرض هذا طبيعي, والممثل لا يتأثر بذلك لأنه يندمج مع الشخصية ويذوب فيها, فلا يشعر بما يحدث حوله. وممثلو أوبرا بكين يتمتعون بمهارات فنية عالية ومتنوعة, فهم يتقنون الغناء الأوبرالي بصوت عال جداً, ذلك أن العروض كانت تؤدي في الماضي في الهواء الطلق, كما يتقنون الإلقاء والقراءة التعبيرية والتمثيل والرقص, ناهيك عن فنون القتال الصينية في بعض الأدوار والحركات البهلوانية.‏
من المعروف أن الشعر العربي نشأ نشأة غنائية إلا أنه لم يتطور ليشكل ظاهرة مسرحية كما اليونان فهذا الأمر مرتبط بالحياة المدينية المستقرة وديموقراطية الحكم وطبيعة الثقافة لدى كل شعب, إلى أن كان القرن التاسع عشر حيث شهدت بيروت ودمشق وحلب قدوم فرق إيطالية وفرنسية تعرض مسرحيات غنائية. كما أتاحت رحلات بعض التجار والأشخاص إلى روما ومدن أوربية أخرى حضور بعض العروض الأوبرالية من المسرح الغنائي مما دفع مارون النقاش الذي كان يتردد على إيطاليا إلى القيام بمغامرته المسرحية الريادية وإدخال الغناء عليها للتذويق الجمالي نزولا عند رغبة الجمهور.‏
القرن التاسع عشر شهد مولد المسرح الغنائي العربي بشكله البسيط على يد أبي خليل القباني, وقد قدم مجموعة من المسرحيات الغنائية في دمشق ومصر منها: ناكر الجميل. أنس الجليس. ولاّدة أو عفة المحبين. الأمير محمود. هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب. لقد استهوت الأوبريت المسرحيَّ العربي والجمهور معاً أكثر من الأوبرا, وبالرغم من أن ما أتى به القباني هو فن لا تتوفر فيه شروط الأوبريت تماماً بمفهومها الغربي إلا أنه قدم مطبخاً عربياً مشرقياً للأوبريت فيه الإنشاد والموشحات ورقص السماح, وقد وحاول تفجير الموسيقى العربية من الداخل, فثمة تمثيل وغناء ورقص, وقد أصاب زكي طليمات في وصفه فن القباني بقوله: »ففي دمشق قام مسلم عريق في إسلامه الشيخ أبو خليل القباني يضع مسرحيات عربية مقتبسة مواضيعها وحوادثها من التاريخ العربي ويؤديها فوق المسرح بعد أن شحنها بألوان من الإنشاد الفردي والجماعي والرقص العربي السماعي«.‏
وقد سار على نهجه تلميذه الشيخ سلامة حجازي وفرقته وقدم مسرحيات يتخللها الغناء منها: تسبا أو شهيدة الغرام والبرج الهائل وروميو وجولييت , ثم جاء سيد درويش ليقدم أوبريتات : شهرزاد.. البروكة. العشرة الطيبة. ولا بد أن نذكر قامة كبيرة في فن الأوبريت هي الموسيقار الحلبي كميل شمبير ( 1892¯ 1934م) الذي درس الموسيقى في مدينته حلب وتابع دراسة الموسيقى الغربية في إيطاليا واشتغل في الأوبرا في أمريكا ثم عاد إلى حلب , ورحل إلى مصر سنة 1914م وترأس فرقة نجيب الريحاني وكتب له ثلاث مسرحيات بأسلوب الأوبريت ¯ كوميديا غنائية¯ منها: حُمار وحلاوة . على كيفك« 1918و1920« . ثم اتصل بأمين عطا الله وكتب له عددا من الأوبريتات وساهم بإبراز شخصية كشكش بك حتى غدا المؤلف المسرحي والغنائي لهاتين الفرقتين, ويختلف مسرحه عن مسرح القباني في أنه درس فن الأوبريت دراسة علمية وميدانية, وفي أن الموسيقى والغناء لديه هما الأساس في العرض. ومن مسرحياته الغنائية : الفنون الجميلة . عقبال عندكم. الغريب البائس. شهر العسل. النونو . أما العمل الكبير الذي ألفه كميل شمبير ولم يعرض فهو أوبرا توسكا التي ترجمها عن الإيطالية واستغرق تلحينها عامين. وعندما عاد كميل شامبير إلى حلب عام 1922م قدم أوبريت حلب على المسرح.‏
وفي أوائل الثلاثينات بحلب اشترك الشاعر عمر أبو ريشة والموسيقاران علي الدرويش وأحمد الإبري في تأسيس النادي الموسيقي , وكان درة أعماله تقديم أوبريت ذي قار مسرحية عمر أبي ريشة المشهورة. وقد تابع عمر كتابة المسرحيات الشعرية والغنائية فصدر له أوبريت الطوفان تجري أحداثها في حانة تحت الأرض و أوبريت عذاب وموضوعها الفن والحب. وفي أواسط أربعينات القرن العشرين نشط المسرح الغنائي في حلب وقدمت فرقة دنيا التمثيل ثلاث مسرحيات غنائية هي: الكارثة عام 1945م هي ألحان ودموع وقد قدمتها على مسرح سينما الرويال . تأليف حسين سالونيك, ألحان محمد رجب, والثالثة بعنوان التضحية عام 1948م تأليف حكمت منقاري وألحان الأخوين نديم وإبراهيم الدرويش , وقد قاد الأوركسترا يوسف حجة وغنى في هذا العرض حسن بصال وصباح فخري. وفي عام 1968 قدم الموسيقار نوري اسكندر أوبريت الملك والربيع.وفي صيف عام 2002 نقل اسكندر نشاطه إلى هولندا وقدم أوبريت عابدات باخوس ليوربيدس. وفي خريف عام 2002 قدمت فرقة الأمل مسرحية استعراضية غنائية بعنوان جبل الماس وضع الموسيقى والألحان سمير كويفاتي واشتركت في الاستعراض فرقة سارادار آباد للرقص الشعبي.‏
أما دمشق فقد شهدت تقديم بعض المسرحيات الغنائية ومنها »يوم من أيام الثورة السورية«, كتبها حكمت محسن , وقام الموسيقار صلحي الوادي بتضمينها أغاني شعبية صاغها في قوالب موسيقية غربية أدتها فرقة سمفونية مصغرة وفرقة للغناء والرقص الشعبي.‏
وفي عام 1966 قدمت أوبريت وردة على مسرح معرض دمشق الدولي , تأليف نجاة قصاب حسن وألحان عبد السلام سفر , وأدت الرقصات فرقة أمية مع أوركسترا فرقة إذاعة دمشق . وهي أوبريت شعبية تحكي قصة حب ريفية .‏
على أن التجربة المستمرة والمتميزة في الدراما الموسيقية كانت على يد الأخوين رحباني في لبنان ثم استمرت على يد الأبناء منهما في أسلوب أكثر تطويراً. ومهما قيل عن أعمال الأخوين رحباني عاصي ومنصور من أنها تتصف بالبساطة والبدائية إلا أنها حملت إلينا نكهة الريف اللبناني ومجتمعه وقصصه بالإضافة إلى القصص التاريخية للمنطقة, وجميعها كانت معدّة تأليفاً وألحاناً وموسيقى في مطبخ عربي لبناني. وكانت المطربة الكبيرة فيروز نجم هذه المسرحيات الغنائية مع كبار المطربين مثل نصري شمس الدين, ومنذ عام 1961 وحتى عام 1984 تتالت مسرحيات الأخوين رحباني الغنائية : موسم العز, البعلبكية, جسر القمر, عودة العسكر, الليل والقنديل, بياع الخواتم ( وهي مسرحية مغناة من أولها إلى آخرها), دواليب الهوا, أيام فخر الدين, هالة والملك, جبال الصوان, يعيش يعيش, ناطورة المفاتيح, ناس من ورق, المحطة, لولو, ميس الريم, بترا, المؤامرة مستمرة, الربيع السابع.‏
بالرغم من أن الذائقة العربية تهوى الموسيقا والغناء إلا أن العروض الأوبرالية تكاد تكون معدومة, وعروض الأوبريت أصبحت قليلة عما كانت عليه في القرن الماضي, وربما يعود ذلك إلى تكاليفها المرتفعة, ومتطلباتها من التأليف والتلحين والأصوات القديرة, ثم إلى وفود الاتجاهات التجريبية الحديثة على المسرح العربي, وأخيراً إلى انشغال المسرحيين بالراهن السياسي والاجتماعي بعد أن أصبح الوجود العربي مهدداً بالأخطار.

 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !