مواضيع اليوم

فقه الطغيان..تداخل التاريخي مع المقدس ج2

جمال الهنداوي

2009-01-10 14:19:16

0

فلقد استطاع الفقهاء التقاط سوابق في النظام السياسي الشرعي وملامح من سيرة الخلافة ,لاستنباط الاجتهاد في تثبيت عمل الأولين دليلاً على عمل المتأخرين، وسرى ذلك على كل الدول التي قامت في تاريخ المسلمين، ومن هنا احتسبت سلطة الأمويين والعباسيين شرعية بكل المعايير بناء على ذلك، حيث تتحقق الشرعية للخليفة حال وصوله إلى الخلافة فهو مصدر الشرعية لخلافته ولخلافة من يرثه، بمعنى آخر أن شرعية السلطة تعد ناجزه حال تحقق السلطة ذاتها.

وعليه,تم إغراق الفكر السياسي التاريخي، الذي لم يكن بكل أسف انعكاسا لمبادئ الإسلام، بقدر ما كان تكييفا لهذه المبادئ مع سلطان القوة,بالنصوص التي تحرم الخروج على هذا المتغلب تحت طائلة الخروج من الدين  لإكمال عملية التنصيب البروتوكولي لدولة الأمر الواقع السياسي وإضفاء شرعية بأثر رجعي على السلطان من خلال مخزون جاهز ومرن من الأحاديث القابلة للتمدد أو التقلص حسب مقاييس الحاكم,والتي تخدم مصلحة الفقهاء من جهة أخرى لضمان التربع على قمة المؤسسة الدينية مستندين على سيف وتواطؤ الحاكم,ومسبغين على ذواتهم سلطات إلهية مطلقة السيطرة على مجمل النظام الأخلاقي والقانوني والاجتماعي والتشريعي للأمة , ومتبؤاين مكانة فوقية على المجتمع الواقع تحت سياط التكفير والإبعاد خارج الملة.فالفقيه المرتبط بالسلطة دائماً ما كان يقايض تغاضيه عن موبقات السياسي وإضفاء الشرعية لممارساته المناقضة للعقد الاجتماعي مقابل إطلاق يد الفقيه في تحييد الأمة عن الحكم ووصمها بأنهم عامة دهماء غوغاء رعاع,وحماية المنظومة الأخلاقية التي يتبناها على الرغم من الآثار التي يمكن أن تصيب المجتمع تحت الشعارات التي تؤطر لاستمرار التحالف غير المقدس بينهما.

فظهرت لدينا أفكار فقهية استرضائية للسلطة على حساب الشرع ولدت نوع من الفوضى الدينية التي تتسابق لتشكيل درع فقهي يحمي السلطة من أي تحرش من قبل الرعية حتى بالدعاء وتخليق نوع يمكن تسميته العسس الذاتي داخل الفرد المسلم وتحويل الدين والملائكة إلى ميليشيا لحماية السلطة الحاكمة من تذمر الشعب ومعارضته.

 فنرى الأمام البر بهاري يقول في كتابه(شرح السنة) :" وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب بدعة وهوى وإذا سمعت الرجل يدعوا للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة "  ويظاهره الحسن البصري والفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل حين يقولون : " لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للأمام "

 ونرى النصوص تترى بلا كلل فنجد الإمام الشوكاني يقول:" ولكنه ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد ، بل كم ورد في الحديث : أن يأخذ بيده ويخل به ويبذل له النصيحة ولا يذل سلطان الله   وقد قدمنا في أول كتاب السيرة أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح" فالظلم هنا ناتج عرضي ما دام السلطان مواظباً على الصلاة .

وهو عين ما ذكره أبو جعفر الطحاوي : ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمرنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم ولا ننزع يداً من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله ما لم يأمرونا بمعصية وندعو لهم بالصلاح والعافية.

وكذلك ذهب الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: " لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق ما لم يغيروا شيئاً من قواعد الإسلام "

وكذلك الآجري في كتابه الشريعة: فعن حذيفة ابن اليمان قال : قلت يا رسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال ( نعم ) قلت هل من وراء ذلك الشر خير ؟ قال ( نعم ) قلت فهل من وراء ذلك الخير شر ؟ قال ( نعم ) قلت كيف ؟ قال ( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ) قال قلت كيف أصنع ؟ يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال (تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع) رواه مسلم.

ونرى الإمام الصنعاني يقول في حاشية ضوء النهار : " من خرج على أمام اجتمعت عليه كلمة المسلمين فإنه قد استحق القتل لإدخاله الضرر على عباده وظاهره سواء كان عادلاً أو جائراً " وأما الفقيه الأندلسي أبو بكر الطرطوشي (ت 520هـ) فنجده يتوسّل بالنصوص الدينية مثل "من كره من أميره شيئاً فليصبر فإن من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية"

وعن الإمام احمد قال :" والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر ومن ولى الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة "
وقال الإمام سهل بن عبد الله التسترى : ( هذه الأمة ثلاث وسبعون فرقة اثنتان وسبعون هالكة كلهم يبغض السلطان والناجية هذه الواحدة التي مع السلطان )

أما القول الفصل فكان لأبى هريرة حيث قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني "

 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !