فقراء حي "المولوية": سكان منسيون فوق نهر "أبو علي"
طرابلس(شمال لبنان): صهيب أيوب
لا يمكن لعابر جسر أبي سمراء - القبة، إلا أن يلفته مشهد البيوت المتراكمة فوق بعضها بعضاً، متجمعة كأشياء متوالدة ومستنبتة على عجل. مشهد يغري العابرين بالنظر عبر شبابيك سياراتهم، الى الحي المتروك كأشلاء إسمنتية مهترئة فوق هضبة نهر "أبو علي" الأكثر تلوثاً في لبنان. لا شيء سوى بضع "أنتينات" صغيرة وصحون لاقطة أكلها الصدأ، مصفوفة قرب بعضها على مدماك إسمنتي ضخم، توحي أن سكان الحي يعيشون مثلنا مثلهم في القرن العشرين.
المكان غائر في بقايا شجر عتيق يعود الى 120 سنة خلت، حين كان الحي عبارة عن بيوت صغيرة موزعة بهدوء وبطريقة عمرانية منظمة، تسكنه عائلات تابعة للسلطنة العثمانية ودراويش من المتصوفين والمتدينين من أتباع الطريقة القادرية وأصحاب "الفتلة المولوية" المشهورة.
زاروب صغير وضيق تعبره بصعوبة، تصطف فيه البيوت متلاصقة، وكأنها علب سردينية لا تتخيل أن أناساً يتنفسون يعيشون في غرفها البائسة. دراجات نارية موزعة على طرفي الزاروب، تبدو أنها الوسيلة الوحيدة للتنقل بين شبان الحي ورجاله الذين يعملون "مياومين" في ورش الباطون والحدادة والدهان، وقلة من أبناء الحي يتعلمون كما أخبرنا. أطفال يرمون أنفسهم أمام الكاميرا لعلها تلتقط وجوههم المسكونة بالتعجب. وكأنها وجوه خلقت لاندهاش مسبق. أحدهم ينظر بخفوت لا واع الى ما نقول. يتابع جولتنا وهو يحاول التلصص الى طريقة حركتنا ومشيتنا. وكأننا كائنات فضائية تغزو مساحتهم الخاصة. نستدرك المشي في الزقاق ونمضي لعلنا نعثر على أحد الكبار يسرد لنا قصة الحي العادي بكل جوانبه، ولكنه غامض بقصصه.
نعبر متأهبين لأي مشهد صادم، فيخاطبنا مراهق بلهجة خشنة تدل على رجولية مبكرة ربما اكتسبها من مجتمعه "الذكوري بامتياز" كما وصفته إحدى السيدات المطلقات، التي التقينا بها لاحقاً وهي تصب جام غضبها على هذا المجتمع "الظالم" بعد أن تركها زوجها وأولادها لعبث القدر في غرفة كئيبة مع أمها المريضة. يخاطبنا بسؤال مباشر وواضح: "ماذا تريدون؟". نخبره أننا نحاول أن نستقصي معلومات عن هذا الحي. فيدلنا بحركة من يده المتصلبة (كما بدت لنا) الى بيت صغير يشبه الكوخ، لنتعرف هناك الى السيدة منال فتوح (32 سنة). سيدة أنهكها الزواج وتربية أطفالها الخمسة وتعبها من مرضهم وعلة صغيرها المزمنة. تعيش منال مع زوجها "المياوم" في ورشات البناء داخل غرفتين تبدوان مرتبتين، بقليل من المتع والأغراض المنزلية البسيطة والضرورية. تلفاز ملون يعرض أفلاماً كرتونية على محطة "ام بي سي فور" متروك بلا مشاهدين، وكنبات خشبية صغيرة وواطئة، ومطبخ ضيق للغاية وغرفة نوم وحيدة تضم "مفرشاً" خشبياً وملاءة من الصوف. وحدها "مروحة" بدون غطاء حديدي تحدث جلبة في البيت الهادئ. تتحدث منال عن يوميات أسرتها الصغيرة بطلاقة لم نتوقعها. تقول إن زوجها يعمل في ورش البناء "معلم" باطون ويقبض أسبوعياً 100 ألف ليرة فقط لا تستطيع أن تعيل أطفالها الخمسة الصغار ولا حاجاتهم اليومية، ولا تستطيع أن تؤمن لطفلها الصغير أيمن (سنة ونصف) قيمة دواء مرضه (نوبات كهربائية في الرأس). تقول ان أهالي الحي منسيون ومتروكون بلا أمل امام تحديات العيش المكتوم بالفقر والشقاء. تؤكد ان الكهرباء تنقطع كل يوم 8 ساعات وحين تنقطع ليلاً "نختنق ونشعر أننا ميتون في الظلمة" وفق ما تقول. تتحدث بلا حسرة وكأنها اعتادت هذه الحياة وتأقلمت مع تفاصيلها. تصحبنا في جولة صغيرة في الحي. نعثر على بيوت أخرى مظللة تحت "تخشيبات" من التنك. أسر فقيرة ومنسية. نكتشف بيت ليلى الخالد السيدة السبعينية التي كانت تجلس مع بعض جاراتها حول "نفس" من التنباك التركي، مؤكدة انه الافضل لصحتها المتدهورة. بيت متواضع لكنه ربى كل أفراد عائلتها بـ"محبة" كما تقول. مؤكدة ان زواجها من رجل يكبرها بسنوات والعيش معه في بيت صغير جعلاها تؤمن ان الحياة رغم كآبتها تحمل بذوراً من "الحلاوة". مشيرة الى "جيرة" حسنة كان ينعم بها أهالي الحي سابقاً. عند السيدة ليلى نتعرف الى ألفت معمار(65 سنة) التي كانت ترتدي عباءة زرقاء اللون وتمسك بطرف أصابعها سيكارة من نوع "كنت". تعيش ألفت وحيدة في غرفة هي كل بيتها. لم تتزوج "لأن القدر يحبني" تقول ساخرة. وتضيف ان: "حياة الوحدة فيها حرية ونظافة وراحة". ومن يعيلها؟ تجيب: "أعمل في البيت في تحضير طبخات ورق العنب والكوسى والشيخ محشي والشيش برك للعائلات الميسورة في أبي سمراء، حيث لا تعرف تلك النساء تحضيرها".
تأخذنا منال الى بيت الحاجة عائشة حبيب (87 عاماً). لا تتوقع الحاجة الكثير من أيام حياتها المتبقية. تنتظر بهدوء أن "يأخذ الله أمانته" كما تردد على مسامعنا، وهي تجلس فوق كنبة عتيقة مع وحدتها الموحشة، داخل غرفة جلوس ضيقة ربت أولادها الثمانية بين زواياها بكل همومهم اليومية. تشرّع نافذة الغرفة الخشبية الوحيدة المطلة على نهر ابو علي في عز حر الظهيرة، منتظرة نسمات رطبة ان تأتي مع هواء النهر. لا شيء سوى هبات ساخنة وعابقة برائحة نتنة ومقرفة تجتاح أنفها الصغير المغضَّن بالتجاعيد، تعيدها حالمة الى زمن عتيق وقديم من عمرها الغابر. تنظر بهدوء الى وجوهنا متفرِّسة بها، غير آبهة على ما يبدو الى زيارتنا، رغم أنها لا تتلقى الكثير منها في يومياتها المضجرة في بيت مؤلف من غرفتين صغيرتين تنزل إليهما عبر درج إسمنتي مهترئ. قرب بيت الحاجة عائشة تسكن عائلة صغيرة كان صوت تلفازهم يبث أغنية لنانسي عجرم "شيخ الشباب". نطرق الباب ونستأذن بالدخول. تستقبلنا فتون (17 سنة) التي خطبت منذ 4 أشهر لإبن عمتها في المنية وستتزوج بعد رمضان مباشرة. تقول ان أمها تحضّر لها "الجهاز" لكن لا تستطيع ان تحصل على كل ما تريد كعروس بسبب عجز عائلتها عن شراء كل المستلزمات. مؤكدة ان رمضان على الابواب والفقر سيد الموقف. نطارد بعدستنا أخاها عبد الحكيم الذي خرج حافياً متسلقاً الدرجات ليلتقي بأترابه من رفاق الحي. هناك نصطدم بالأطفال المتكومين كرزم بشرية في الزقاق وهم يحملون بأياديهم الصغيرة هرة التقطوها بعبثهم اليومي هرباً من قيظ الغرف. ينظرون بلا كلام وكأنهم فقدوا ألسنتهم للتو. ينظرون فقط تاركين في اذهاننا عشرات الاسئلة. من بينها: ما مصير هؤلاء في زقاق منسي؟.
التعليقات (0)