قد يظن الكثير ممن آمنوا بمبدأ الديمقراطية ، و ساروا على درب طويل لا نهاية له ، أن العالم مرآة منفتحة على كافة
الشرائح والطبقات ، لا ترى العيوب و لا الميز و لا تفرق بين ملامح البشر ، فهي تراهم سواسية و متماثلين في الصفات
العامة .
لكن الواقع أمر لا يقبل التهيؤ ، و لا مجال فيه لاستخدام المنطق الشخصي الذي يكون صورة البشرية في عصر المال و
كأنها جنة ليس من الملوثات ما يعكر صفوها و ينغص على ملائكتها عيشهم الهنيء تحت مظلة العدالة الإنسانية و
الديمقراطية الحقيقة و ليست تلك التي تعج بها المواثيق الدولية و تدرس في المناهج التعليمية و تلقن بشكل نظري لا يتعداه
إلى حيز التطبيق .
ليس من محرك لهذه الحياة المترامية الأطراف و في هذا الزمن غير المال ، هو من يفكر و يقرر ، هو من يحكم و يحاكم ،
و يفصل بين الناس ، يميز بين هذا و ذاك ، فيرجح كفة المقتدر و ينصب من يملك العملة سيدا على من يفتقر إليها . و قد
يكون من النادر أن نجد في عهد الرأسمالية و الثورات الاقتصادية قوانين عادلة تطبق بشكل يعطي للفقير حقه ، تنصر
المظلوم ، تحاكم الظالم ، تحاسب الطاغي ، تبلغ كل ذي حق حقه دون إعارة اهتمام لطبقته و لا نفوذه أو جبروته و رصيده
بالأبناك الداخلية و الخارجية أو مدى وصول علاقاته و انتشار "سيط" صوته و شهرته داخل نطاق المربع الذي يخلقه المال
، و تمجده السلطة و يوسع رقعته التجبر و الطغيان .
حتى أن القضاء و هو أعلى سلطة تشريعية فاصلة بين البشر و منصفة للخلق ، أضحى يعاني الخلل و لا يسلم من التمييز و
العنصرية و الانحياز للأطراف القادرة على دفع ثمن الإنصاف ، حتى و إن كان هذا الأخير هو من اقترف الذنب و يستحق
العقاب . هذا هو حال الدنيا بالمغرب ، الدولة التي مازالت تتخبط بأسوار الرشوة ، و تعامل "التدويرة " كقانون ساري به
العمل في كافة الإدارات و المؤسسات / تشريعية أو تنفيذية أو تقريرية .. يعانق من يدفع أكثر و يصير سيدا من يقوى على
صرف العملة
، و يهمش من لا يملك غير الله منصرا ، و الضمير دهرا يتكئ عليه ، و الإيمان القلبي محركا لصلاحه و نصرته و توفيقه .
يحتقر من ليس له وساطات و "دخلات" تخول له الوصول إلى حقه المسلوب أو تعفيه من الزج وراء القضبان بتهم ملفقة لا
مجال للمنطق على استيعابها ، لكن هذا أضحى قاعدة عامة مألوفة ، " و ياما في السجن من مظاليم و مقهورين و
محرومين"
و كثيرة هي الحالات التي لم تجد القضاء حلا منصفا و لم تلقى رحمة من أدوا القسم في بداية مشوارهم بهذا الميدان الذي
يتطلب حنكة و حكمة و رزانة تحيل دون زلة صاحبها و انسياقه وراء متاع الدنيا اللا متناهي و مطالب اليد المتفاقمة .
قد يكون المال محركا للحياة الدنيا ، يشغل صاحبه لدرجة تجعل منه مجرد عبد للمادة ، ليس فيه من المشاعر الإيمانية و لا
الأحاسيس الإنسانية ما تؤكد له أن الحياة مجرد مرحلة عابرة يمتحن فيها الإنسان ، و الأكبر من ذلك هو عمل المال على
تحنيط قلب من جعل منه سيدا على قومه، فيتنكر للقدرة الإلهية و يظن أنه امتلك الكون بين أصابعه التي
قد تتحول بين ليلة و ضحاها إلى مصفاة تتسلل بينها سعادته و راحته و كأنها حبيبات رمل فتية ، حينها لن ينفع ندم و لن
تقوى الدراهم ولا الدولارات على إعادة الزمن للوراء و استرجاع لحظات التجبر و التسلط، ، عله يصحح أخطاءه .
و إذا ألقينا الذنب على الأغنياء ذوو المال و الجاه و التسلط ، فهذا لا يكفي لأن أطرافا عديدة هي التي تدخلت في مسرحية
القهر و التسلط ، و على رأسها الجهة القضائية التي ساهمت من خلال جلسات المحاكمة توريط الضعيف ، و تشجيع
الطاغي على طغيانه و المتسلط على جبروته ... و في حالة إذا ما أردنا الحديث عن دولة ديمقراطية يتحقق في العدل
الحقيقي و ليس ذلك المنمق و الملفق ، فعلى الدولة التنقيب عن كل من يتلقى الرشوة و تصفيته على الفور و عدم الاكتفاء
بالشعارات و الهتافات و الملصقات الملونة ، و الاستماع للشكاوى التي يتقدم بها كل من عانى من ظلم أو قهر أو تمييز و
رد الانتباه لكل ما يكتب يوميا عن حالات الرشوة و العنصرية . و قد تكون حالة القاضي الذي تورط بشكل مباشر و
رسمي في قضية الخادمة "زينب" من أولى البشائر التي تحرك الجهات العليا و تدفعهم إلى أخذ إجراءات أكثر أهمية و
سن عقوبات أكثر زجرا ، حينها فقط قد يحين الوقت للحديث عن القضاء العادل و المؤسسات العدلية المنصفة ، و إلى
حين تحقق هذه الشروط فما على الفقير غير السير بالمحاذاة من الجدار و اجتناب غضب الأسياد، لأنه حتى و إن حاول
المطالبة بحقه و سعى وراء رد اعتباره ، فلن يأخذ حقا و لا باطلا و لن يجد غير الشوك متناثرا بكل مكان ، و لن تقف
المطبات حتى ينتهي عن أعماله بعدما يكون قد تلقى درسا لن ينساه في زمن أبطاله على التوالي : المال ، السلطة ،
الجبروت ، التدويرة .....يجسدون أدوارهم بكل إتقان في مسرحية تتكرر"سيناريوهاتها" الباهتة و الداعية للضجر
، فيأتي المواطن المغربي البسيط ك"كومبارس" يحرك وفقا لرغبات المخرج الذي يلعب دور الغني و
المالك .
في كنف كل هذه المعاناة يبقى السؤال المطروح
هل صار الواجب الوطني مجرد هواية قابلة للتغيير وفقا لشهوات الموظف الحكومي ؟
التعليقات (0)