مواضيع اليوم

علمانية الصحابة..سقيفة بني ساعدة نموذجا ج2

جمال الهنداوي

2009-03-03 18:25:25

0

فيجيبه الحباب بن المنذر بعد الفوت :"يا معشر الأنصار! املكوا أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم; فاجلوهم من هذه البلاد، وأنتم أحقّ بهذا الأمر منهم، فإنّه بأسيافكم دانَ الناس بهذا الدين، أنا جذيلها المحكك وعُذيقها المرجَّب، أنا أبو شبل في عرينة الأسد، والله إن شئتم لنعيدها جذعة."

وهنا يذكر لنا التاريخ – كبداية مسرحة الموقف- تأزّم الموقف وكاد أن يقع الشرّ بين الطرفين، فوقف أبو عبيدة بن الجرّاح ليَحُول دون ذلك ويتدارك الفشل، فقال بصوت هادئ مخاطباً الأنصار:" يا معشر الأنصار! أنتم أوّل من نصر وآوى، فلا تكونوا أوّل من بدّل"،و كلازمة ضرورية لكل المشاهد ما قبل الخاتمة انسلت كلماته هادئةً إلى النفوس، فسادَ الصمت لحظات على الجميع، فاغتنمها بشير بن سعد لصالح المهاجرين هذه المرّة، يدفعه لذلك حَسده لسعد بن عبادة فقال:" يا معشر الأنصار! ألا إنّ محمّداً من قريش وقومه أولى به، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر."

فاغتنم المهاجرون الثلاثة هذه الثغرة في جبهة الأنصار، فطفقوا يقدّم بعضهم بعضاً، فبدا أنّهم لم يروا أنّ واحداً منهم يدعمه نصّ شرعيّ أو يختص بميزة ترفع من رصيده مقابل غيره فتؤهّله للخلافة.فقال أبو بكر: "هذا عمر وأبو عبيدة بايِعوا أيّهما شئتم"، وقال عمر:" يا أبا عبيدة ابسط يدك أبايعك، فأنت أمين هذه الأمة" فقال أبو بكر:" يا عمر! ابسط يدك نبايع لك"، فقال عمر:" أنت أفضل منّي"، قال أبو بكر:" أنت أقوى منّي"، قال عمر: "قوّتي لك مع فضلك ابسط يدك أبايعك"-كل هذا والأنصار يتابعون هذه الروح الايثارية صامتين- فلمّا بسط يده ليبايعاه سبقهما –الطيب- بشير بن سعد فبايعه، فناداه-الشرير- الحباب بن المنذر:" يا بشير! عَقَّتك عقاق أنفِستَ على ابن عمّك الإمارة؟"

ولمّا رأت الأوس ما صنع بشير وما تطلب الخزرج من -مؤامرة- تأمير سعد; قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن خضير وكان نقيباً:" والله لئن وليتها الخزرج مرّة; لازالت عليكم بذلك الفضيلة أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر"، فانكسر على سعد والخزرج ما أجمعوا عليه، وأقبل أصحاب أسيد يبايعون أبا بكر-تسدل الستائر-، وهنا لم يعدم الإمام علي ابن أبي طالب من يهرع إليه ناقلاً خبر السقيفة، فسأله الإمام:" وبماذا احتجوا على الأنصار؟"

قال الرجل:" احتجوا بأنهم عشيرة الرسول وأولياؤه والسابقون إلى الإيمان به ونصرته، وهنا قال (عليه السلام): (احتجوا بالشجرة وضيعوا الثمرة)."

والذي يهمنا هنا انه في معضلة بهذه المفصلية والخطورة احتج الصحابة بكل شيء من العصبية القبلية إلى النصرة إلى السابقة إلى القوة إلى القرابة إلى الأفضلية إلى الشجرة إلى الثمرة, ولكن –وهذا مما يثير الاستغراب – لم يحاول احدهم أن يستدعي أي من الخزين الدسم من القرآن والسنة الذي كان متوفرا طازجاً وفي متناول العقول والألسن ومتناثر بين جوانح المجتمعون وأفئدتهم,وكيف لا وهم الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار الذين شهدوا الإسلام وليداً يحبو ورعوه يافعا وبذلوا من اجله المال والدماء والأهل والعشير.وهم ذوي الرأي والسابقة والخبرة وممن شهد لهم النبي بالجنة ومنهم من شهد بدر وغيرها من المعارك مع النبي.

فالملاحظ هنا أن الصحابة في هذا الأمر تعاملوا مع هذه المشاكل والحوادث الناشئة على أساس قاعدة بسيطة وضعها الرسول محمد: "أنتم اعلم بأمور دنياكم... إذا كان شيئاً في أمر دنياكم فشأنكم، وان كان شيئاً في أمر دينكم، فلي" ولم يكن للمسلمين الأوائل تصورا واضحا أو رؤية مشتركة فيما يخص أسلوب الحكم واختيار الحاكم  وإنما كان كل منهم يتعاط و  يفتي وينظّر حسب ما يراه أو ما اتفق عليه مع من يشاء  وحسب مقتضيات واشتراطات الزمان والمكان.وعندما تصدى مسلمو الصدر الأول لهذه الممارسة كانت الأولوية عندهم للشأن الحياتي والدنيوي على الشأن الديني وتعاملوا مع الخلافة كمؤسسة ذات صبغة سياسية وإدارية وليس كإمامة فقهية أو مرجعية دينية وهذا ما نجده في تكوينهم للتحالفات وانضمامهم لهذه الجهة أو تلك أو اعتزالهم أو تنقلهم بين هذا الفريق أو ذاك, ومن الواضح أيضا أن مواقف الصحابة العدول حددتها مصالح أو أحقاد أو مطامع أو رغبات أو مطامح أو مشاعر بالتهميش والإقصاء أو حتى شعور بالضعف والخوف من الاحتواء من قبل قوى أخرى متعطشة للسلطة.وأنهم في كل تصرفاتهم لم يجدوا أنفسهم معنيين بالتزام نص معين في اختيار الحاكم  لكون المسألة اعتبرت من أمور الدنيا التي هي من شأن العباد التي تحل بينهم وبين ما يرونه صائباً أواقرب إلى صلاح دنياهم وبعلمانية واضحة وفصل ما هو مقدس عن البحث في تسيير أمور الدولة.

والأكيد أن الصحابة الأوائل لم يدر بخلدهم أن أفعالهم وأقوالهم وبعض مواقفهم سوف تُنَظِرْ وتؤسس لأحكام وفتاوى سوف يضفي عليها الفقهاء والأصوليون فيما بعد صفة "الشريعة الإسلامية"، لتصبح جزءا لا يتجزأ من المنظور الإسلامي الذي سوف يعتمد من قبل الحكومات الإسلامية المتعاقبة في تثبيت دعائم حكمها شعبياً عبر التنظير بشرعية الاستخلاف الأول ومطابقته لأصول الشورى الغير معرفة أيضا وأن الخليفة منصوص عليه بما لا نعلم من الحديث والقرآن بشكل أو بآخر بل يمكن القول أن المصادر التي أضيفت إلى القرآن والسنة في التشريع واستنباط الأحكام هي ليست  وليدة تطور التشريع الإسلامي ومحاولة الفقهاء لمواكبة مستجدات العصر وإحداث شيء من التحديث في إطار المنطوق به في النصوص الدينية المقدسة,وإنما  هي انعكاس طبيعي لحاجة الخلفاء إلى شرعنة مواقفهم وسلطانهم. ولا يكون هذا إلا من خلال شرعنة الخلافة في عصرها الأول وفي بداياتها وإضفاء قدسية مصطنعة عليها وعلى رجالاتها وعلى العقلية النكوصية  التي سادت لقرون مثقلة بالمذابح والحروب وبركات رجال الدين الذين يوافقون الحاكم في هواه ويوصمون أي ميل نحو التحديث كمؤامرة و طمس للدين.وتكريس أسلوب الوصول إلى السلطة كدين رسمي للحاكم ومن بعده الدولة , ولا دين لها سواه، وهو دين المطاولة والاستمرارية والتأبد على العروش المضمخة بدماء ودموع الشعوب وتحويل الإله وملائكته  إلى مسئولو امن للحاكم , والعقل والنقل هنا لا يعدو كونه مستلزمات تزيينية للسلطان أو فزاعة لإرعاب المؤمنين وتحذيرهم من التفكير بأن يقاوموا الجور والطغيان بما هو ابعد من الصبر والدعاء بالهداية . ....

..............................................................

للاطلاع على المزيد حول الموضوع يرجى الاطلاع على البحث القيم المنشور على الرابط:

http://fernas.blog.com/%D8%A8%D9%80%D9%80%D8%AD%D9%80%D9%80%D9%88%D8%AB/

 

 

 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !