ها نحن على مشارف الاحتفال بالحول الجديد ، أو بالأحرى السنة الميلادية الجديدة التي تشكل بالنسبة للغرب لب الحياة و
نقطة الفصل بين فترتين متزامتين مختلفتين ـ يتبادلون فيها الهدايا و بطاقات التهنئة في اطار جو احتفالي صاخب تعلوه
حفلات الرقص و المكوث لساعات متأخرة من الليل ارتقابا لساعة الحسم التي يكللوها بمتمنيات و مباركات ، تطبيقا
لمعتقداتهم و تفعيلا لشعائر تمث بصلة وثيقة لدياناتهم ، كما أنهم يؤرخون بطقوسهم تلك سنة جديدة يجعلون منها ناجحة
بفعل عملهم الجاد و المثابر المتواصل و فكرهم النير الذي يعترف بنظرية " وقت العمل عمل و وقت المرح مرح" .
لكن ما نفعله نحن العرب مقابل ذلك ،هو أن نأتي كل سنة بتقاليد و أعراف دخيلة على مجتماعتنا العربية ، نستقدمها من
الغرب عبر تيارات العولمة و الحداثة المتآكلة و ندمجها ضمن حياتنا المستقلة بشكل غير لائق و لا مناسب ، يجعل منا
مجرد هياكل منساقة عقب سيل من الافكار التي لا ندرك مفادها و لا غاية تطبيقها .
و الموضة كانت خلال الفترات السالفة الأخيرة هي الاحتفال ب"نويل" ، بصورة طبق الأصل عن المجتمعات الغربية ،
حيث تتداول بكثرة بطاقات التهنئة و دباديب الحب و الورود الحمراء ، إلى جانب اكتظاظ محلات الحلويات التي تعيش
انتعاشا اقتصاديا لا مثيل له، و في كثير من المناطق المغربية و العربية على حد السواء ، نجد عدد من العائلات ذات
الشأن المادي التي تحتفل ضمن جو من الخمور و المشروبات النابذة ، منهم من يعتبر ذلك تطورا ، و منهم من يجده فرصة
للترويح عن النفس و التملص من روتين الحياة الرتيب .
حتى أن قنواتنا الفضائية ترصد ميزانيات هامة للإعلانات المتوالية بهدف تشجيع العامة الرعاع على متابعة سهرات
الاحتفال برأس السنة ، و التي غالبا ما يحضرها نجوم من العيار الثقيل ، و يا ليتهم من رواد الفن الوطني ، لا ، فلا بد من
أن يحيي حفلة بهذه القيمة و المكانة فنان ذو وزن و قاعدة جماهيرية يزيد من تلهف الشباب و تشبتهم بهذه العادة و ارتقابهم
لحلولها على أحر من الجمر ، و في أغلب الأحيان ما يكون هذا الأخير من الدول العربية الشهيرة في هذا الميدان ، و نخص
هاهنا نجوم السلالة الفرعونية ، و فناني بلاد الأرز الذين أثبتوا جدارتهم في تكريس ثقافة الاحتفال بالسنة الميلادية ، بعدما
باتت بدورها منبع رزق و فرصة عمل لا تعوض .
نحن ، بتعقيبنا على احتفال العالم العربي بالسنة الميلادية ، لا نود أن نجعل منها أمرا محرما ، أو أن نبين أن هذا الاحتفال
منبوذا او مذموما بين أوساطنا الإسلامية و لا يجدر بنا الاعتراف بالسنة الميلادية كتأريخ زمني عالمي و معترف به منذ
الأزل ، و لكننا نعيب طرائق الاحتفال التي باتت منافية لتعاليم ديننا الإسلامي و ما صارت تشمله من بذخ و تجاوز و
انحراف ، كالشأن لثلة من شبابنا السائرين وراء التيارات الغربية بكل حيثياتها و تفاصيلها ، مع أنهم لا
يتذكرون في كثير من الأحيان موعد السنة الهجرية ، حتى أن أغلب الشعب العربي بات ينسى أصول الاحتفال بالمناسبة
التي ترسخ ذكرى الهجرة النبوية ، و ما نشاهده في الواقع خير مثال ، حيث أن رأس السنة الهجرية يمر مرور
الكرام ، يدخل بصمت و يخرج بسكون ، لا من محتفل به ، و لا مكترث بقيمته ، و لا مبارك بحلوله .
فمع كل مظاهر التناقض في الشخصية العربية ، مع كل المفارقات التي خلقتها عولمة القرن 21 ، طبقتها على مواطن
الإسلام الأصلية كدول الخليج قبل التي عبر ربوعها الإسلام بفعل العصبيات التي تعاقبت على حكمها . و جعلت من
العادات الغربية طقوسا معممة على سائر الربوع ، مع كل رواسب حت العقول العربية المتشبتة بقيمها و أعرافها و
تعويضها ببنيات مستقدمة ، منافية لحدود الإسلام و ضوابط الدين . يبقى الاستفهام مطروحا و الجواب معلقا :
كيف يحتفل المسلم بعيد المسيح ، و يتناسى ذكرى الهجرة النبوية ؟؟؟
و هل "نويل" ثغرة جديدة لغزو عقول العرب و إبعادهم عن رواسي دينهم الإسلامي الحنيف ؟؟
التعليقات (0)