مواضيع اليوم

صاحب سيدنا يتحدى الجابري ويحقق " الكتلة التاريخية "

علي مسعاد

2009-08-24 14:06:56

0

"إن الأفكار التي تخان تنتقم لذاتها حتى من أصحابها"

مالك بن نبي

إن مفهوم الكتلة التاريخية يعود أصله للمفكر الايطالي انطونيو غرامشي الذي سعى من خلاله للوحدة بين جناحي ايطاليا التي كانت تضم المتدينين والعلمانيين لأجل مواجهة التحديات التي واجهها البلد آنذاك. ويعتبر المفكر المغربي محمد عابد الجابري أول من طرح هذا المفهوم "الكتلة التاريخية" في الوطن العربي والإسلامي. أي منذ عام 1981 إلى عام 1996 .فبعد نجاح ثورة الخميني بعامين ونيف.. حاول الجابري أن يقيم أواصر قوية بين المشروعين الإسلامي والعلماني في الوطن العربي والإسلامي بشكل عام والمغرب بشكل خاص، وأعاد طرح المفهوم نفسه في بدايات التسعينات بعدما جرى في الجزائر من صراع مرير على السلطة أنتج حربا أهلية في بلاد المليون شهيد.

يقول الجابري محددا دور الكتلة التاريخية في كتابه " وجهة نظر" " فالمطلوب هو قيام كتلة تاريخية تنبني على المصلحة الموضوعية الواحدة التي تحرك في العمق ومن العمق جميع التيارات التي تنجح في جعل أصدائها تتردد بين صفوف الشعب، لا بل بين صفوف الأمة بصور من صور المصلحة الموضوعية التي تعبر عنها شعارات الحرية والأصالة والديمقراطية ، والأصالة والشورى والاشتراكية والعدل وحقوق أهل الحل والعقد وحقوق المستضعفين وحقوق الأقليات والأغلبيات، وذلك إن الحق المهضوم في الواقع العربي هو حقوق كل من يقع خارج جماعة المحظوظين المستفيدين من غياب أصحاب الحق عن مراكز القرار والتنفيذ "

من خلال المعبر عنه من لدن الجابري، نجد أن المصطلحات الوظيفة لديه يسودها تمايز وتناقض أحيانا ما ببين التيارات التي توحدها المصلحة الموضوعية في العمق ، فمفهوم العدل عند الماركسي مثلا يختلف عن مفهوم العدل عند الإسلامي والليبرالي ويختلف عند القومي ولو بدرجة متفاوتة لدى بعض الاجتهادات العروبية..الاستضعاف مصطلح إسلامي أصيل سبق وأن أثل له وأصل المفكر الإيراني علي شريعتي قبيل الثورة التي قادها الخميني ، فالمستضعف ليس هو الفقير ، دائما، الذي يعاني الفقر والحرمان والفاقة. بل هي حالة سيكولوجية يشعر بها حتى الغني وسمة ملازمة له عندما يعطي لكل ذي حق حقه ..هذا على سبيل المثال لا الحصر..أردنا القول: إن الاختلاف حول المفاهيم ينبع أساسا من تمثلات Représentations كل واحد حسب النسق المعرفي الذي يؤسس قناعاته، ويبقى الاختلاف، هنا، واردا من البدء.

ويضيف الجابري " بدون كتلة تاريخية من هذا النحو لا يمكن تدشين مرحلة تاريخية جديدة يضمن لها الاستمرار والاستقرار ". واضح أن الذي يوجه الجابري ويحكم تصوره للكتلة التاريخية وضرورة وجودها هو هدف الاستمرار والاستقرار اللذان ضيعتهما الجارة الجزائر حينما أجهضت إرادة الشعب الجزائري في اختيار ممثليه خصوصا لما مالت الكفة لصالح الإسلاميين ممثلين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وبعدما وئدت الديمقراطية وكانت النتيجة شيوع الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار. فالجابري كان محكوما بهذا الهاجس لا سيما وأن الكتاب ظهر في إبان هذه اللحظات القاسية جدا التي مر بها الشعب الجزائري الشقيق – ولا زال يعاني من تبعاتها وتداعياتها – حيث نشر منجما عبر سلسلة من مقالات بجريدة الاتحاد الاشتراكي ..أما الآن فالاستقرار قد "تحقق" عند المثقف المغربي الجابري وكانت بدايته مع ظهور حكومة التوافق المخزني حصيلة تراضي بين المعارضة القديمة ذات الطبعة اليسارية، والحديث عن الكتلة التاريخية قد انتهى ..من هنا نسجل بداية الأزمة الأنطلوجية التي يعيشها المثقف قلبه مع الحسين وسيفه مع اليزيد ..لا يهم هو مع من غلب..والسياسة فن للكذب كما صرح ذات يوم في برنامج مع القناة الثانية.

وبعد الاختلاف بين الإسلاميين والعلمانيين عن مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية، صرح الجابري بكلام قاس جدا بحق الإسلاميين حين وصفهم أنهم هم الجفاف..جفاف الدم والفكر والعقل منذ أن كانوا..ولا زالوا.. (يراجع مجلة فكر ونقد العدد : 33).

وبعد 16 ماي الأليمة انبرى خطيبا واخذ القلم الأحمر ليصحح أصل الإسلاميين ومنبت فكرهم الذي اعتبره بما سماه بالخوارج الجدد.

أما ثاني من طرح الكتلة التاريخية هو محمد الفقيه البصري رحمه الله بعد عودته من المنفى سنة 1995، حيث بعثت الحركة الإسلامية المغربية أصالة عن نفسها ونيابة عن قواعدها من يمثلها في التهنئة ومباركة العودة إلى أرض الوطن، ولا زلت أذكر السجال الذي دار في بيته بين الدكتور محمد البشيري رحمه الله آنذاك، وبين الناشط السياسي اليساري التونسي محمد مواعدة حول قضية المرأة، فكان الفقيه البصري يلطف من حرارة الحجاج والجدال احتراما لمقام الاحتفال الذي ليس هو مقام القضاء كما ميز أرسطو بين مكونات الخطابة- الريتوريقا- ..هذه المعلومة قد تكون مسوغا رئيسا في التطرق إلى الكتلة التاريخية وضرورتها لتجسير الهوة ما بين التيارين الإسلامي واليساري ..إنني أزعم . والله أعلم!!

في رده على سؤال الصحفي محمود معروف حول الدعوة إلى التحالف بين الأحزاب الوطنية والأصولية فيما يطلق عليه بالكتلة التاريخية، يجيب محمد الفقيه البصري " ما زلت أعتقد أن هناك أشياء يجب أن نعمل على إذابتها لأن بقاءها يجعلها عوائق يصعب التخلص منها، أعتقد أن الإسلاميين لم يصلحوا بعد لمرحلة يفكرون خلالها في أن قضية الاجتهاد في التراث غير موجودة وإنهم غير قادرين على الاجتهاد في التراث حتى يحدثوه ويجعلوه منفتحا على التراث والثقافة الإنسانية ، كما أعتقد أيضا أن النخبة المعاصرة مازالت تأخذ الحداثة كما هي دون المساهمة فيها ولا بوضع أسسها ولا تطورها بتصور يمكن أن يجعلها لا تتناقض مع الأصالة أي أصل الحداثة ..ويوم يصبح الفكر بمفهوم الاجتهاد والإبداع من طرف الحداثيين ومن طرف الأصوليين، يمكننا إذ ذاك تأصيل الحداثة وتحديث التراث، فنصلح غير مهددين بالتصادم بين هؤلاء وهؤلاء".

ما يهدف إليه الفقيه البصري يرحمه الله، هو الاستقرار والعيش بأمان، والنأي عن التصادم بين الإسلاميين والحداثيين، أما السبيل للوقاية من آفة الفوضى، أو الآليات لتفعيل الكتلة التاريخية يبدأ من الاعتراف من لدن الإسلاميين أنهم غير قادرين على الاجتهاد في التراث حتى يحدثوه ويجعلوه منفتحا على الثقافة الإنسانية .هذا الكلام إذا أخذ على عموميته و إطلاقه نجد فيه قسطا من الصحة وافرا، ولا يصح هذا إذا سلمنا أن الاجتهاد هو عملية تفاعل العقل الإسلامي مع واقعه وفق ثوابت القران الخالدة وبشروط حددها الفقهاء يعز وجودها أو يكاد يكون منعدما عند من يحسبون على تيار الحداثة ولو كان بعضهم لبعض نصيرا وظهيرا. أما التراث فهو حركة المسلمين الثقافية والسياسية والاجتماعية عبر التاريخ الإسلامي مع التعاطي مع النص الذي شكل سلطة أساسية في عصر التدوين وبعده، فحين يتم النطق بحكم إسلامي، ولكنه محاولة تمثل قيم القرآن من لدن أناس ليسوا بالملائكة ولا المعصومين ..ولكن أثناء القراءة للتراث يمكن للإنسان أن يتحزب للحق حيث جاز وجوده . فمثلا علي ومعاوية صحابة، ولكن حكم علي ليس هو حكم معاوية، كما أن حكم بني أمية لم يكن على منهج واحد، فاليزيد ليس هو عمربن عبد العزيز..!!

ما وددت قوله : ممكن أن يحصل فرق بالضرورة بين النص الديني – القران والسنة- باعتبارهما محصول ومجموع قيم تتعالى عن الزمان والمكان، ويبقى للإنسان مطلق الحق في الحاجة إلى تأييد سلوكه على ضوءهما وتسديد مقاصده. أما الحداثة قيمة ثقافية ترتبط باليومي والمعيشي أكثر من ارتباطها بالتباينات الفكرانية بين مكونات الطيف السياسي، مع التأكيد أنه يوجد من الإسلاميين من يعتبر الحداثة مرادفا للاجتهاد مثل المفكر السعودي زكي الميلاد .

واضح أن الاختلاف يمس التعبير والتفكير قبل التنظير ومحاولة كيفية التعبئة والتأطير،ومن تم التسيير ..لكن إلى أين؟؟

أما الإسلاميون فنجد بعضهم كان جد متحمس للتحالف مع اليسار، وينفعل مع هذه الشعارات أيما انفعال. وإذ ينفعلون تجدهم يؤصلون لذلك بحلف الفضول كما جاء عند ابن هشام، بحيث أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال :" لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو دعي به في الإسلام لأجبت " وذلك أن بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد العزى وبني زهرة وبني تميم اجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان زمان كان محمد عليه السلام لا يزال غلاما ، فتعاهدوا وتعاقدوا أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك حلف الفضول،و هو حلف الفضائل والمروءة يحمى بمقتضاه الضعيف والغريب ..وعلى هذا الأساس قامت مبادرة حركة البديل الحضاري الإسلامية ومجموعة الميدان اليسارية في11 يناير 2001 كخطوة في سبيل إنضاج الوعي الديمقراطي الأهلي بالمغرب .

لقد تم حل حزب البديل الحضاري والزج بقيادييه في معتقلات بتهم ثقيلة جدا، وبعض اليساريين سكت، ومنهم من ركب في تراكتور الهمة، وذهب حلف الفضول أدراج الرياح كما نظر له فصيل من الإسلاميين، والحقيقة أن حلف الفضول في تاريخنا كان برنامجا عمليا وعلميا يستهدف منع الظلم ومصادرة أنماط الجور التي كانت سائدة في العصر الجاهلي، ويتغيا إلى سيادة قيم المروءة وفضائل الحق ولم يكن مشروعا مجتمعيا يمتح صواه ومعالمه من نهج فكراني ومسلك أيديولوجي كالماركسية أو الليبرالية أو حتى الإسلام كمرجعية سياسية لدى حركات الإسلام السياسي بلغة اليوم. فافهم !!

أما فصيل العدل والإحسان فنجد منظره ذ. عبد السلام واضحا تماما في تفعيل الكتلة أو الجبهة كما يسميها، فهو يقول مركزا همه على الإسلام كمنطلق باعتباره الهوية المطلقة لليساريين والإسلاميين على حد سواء " فإذا دعوتمونا – معشر الفضلاء المثقفين – لجبهة ديمقراطية نكون فيها النواة الشعبية المسوقة فنحن ندعوكم إلي مراجعة أصولكم الثقافية ذات النزعة التوفيقية بين الأصالة والمعاصرة ، ندعوكم أن تدخلوا الميدان على شرطنا وهو شرط الإسلام ، هذه هي الوسيلة الوحيدة للتفاهم " 7 ويضيف قائلا " ربما تدعونا الضرورة وتدعوكم يوما لتشكيل حكومة " وفاق وطني" نعمل فيه وانتم جنبا إلى جنب ن ونحمل معا عبء الحمل الثقيل الموروث مما أفسده السلطان العاض والجبري ومما أفسدتم ، نعمل نحن وانتم ونحمل ونصلح على بساط المروءة وفي ظل الميثاق ..أو تختارون عدم الدخول في ميثاق "جماعة المسلمين" وذلك إليكم لا تضارون فيه ولا تخشون منا عنفا" فالأستاذ ياسين يقايض الكتلة التاريخية أو الجبهة الديمقراطية بميثاق جماعة المسلمين أو الميثاق الإسلامي كما أكد في كتاباته السابقة، أما بخصوص الحداثة فهو يقر خصوصا في كتاباته باللغة الفرنسية بأنها لما تتجرد عن الدين تكون مرفوضة من الأساس ولذلك لزم العمل – حسب رأيه- على أسلمتها وليس تحديث الدين كما يشير إلى ذلك اليساريون.

هنا يكمن التعارض في المنطلقات أولا، أما أفق الانتظار لكل أيديولوجية فتتعارض كذلك. فإذا كان الإسلاميون المغاربة ما فتئوا يركزون على أن هدفهم هو تحقيق الخلافة الثانية على منهاج النبوة مستندين في ذلك على حديث صحيح أو مصحح، فاليسار الماركسي أفق انتظاره هو الشيوعية عندما تختفي الطبقة وبعد ذلك الدولة ويتحرر الإنسان ويكون الناس متساوين لما تزول الفروق بين العمال العقلية والأعمال العضلية ويتحرر الكل من الدين لأنه وهم ؟؟

إن الاختلاف كامن بشكل مقيم في المنطلق، وفي الأفق أيضا ..إلى أين؟ وهل صياغة البرامج والعمل بمقتضاها يكفي ؟ وهل يوجد حوار أصلا بين العلمانيين والإسلاميين؟ وما معنى علماني وحداثي وإسلامي؟؟!!

أسئلة وأخرى بقي اليساريون والإسلاميون إزاءها متخوفين من بعضهم البعض، ومبتعدين عن بعضهم البعض، ويقصي بعضهم البعض، إلى أن جاء صاحب سيدنا لينتقم من الجميع ويؤسس "الكتلة التاريخية" على أرض الواقع واختار لها حزبا حقيقيا كان شعاره " الأصالة والمعاصرة" حزب ليس كباقي الأحزاب، كوكتيل وخليط من اليساريين التائبين والإقطاعيين والوزراء والعسكر...كل أطياف المغرب حاضرة في حزب عمره لم يتجاوز فصامه عامين، قيل له " كن..فيكون". حزب التهم الجميع بخطاب أصيل ومنفتح جدا، يخاطب أهل البادية كما أهل المدينة، التقليديين كما الحداثيين، البزنازة كما أصحاب الشكارة، ويخاطب البسطاء على قدر عقولهم، ويخاطب الفقراء والجشعين على قدر كروشهم، كما يخاطب المكبوتين على قدر فروجهم "بصدر رحب" كما فعلت إحدى المناضلات. حزب تولى مهمة المعارضة "الحقيقية" وبات يهدد الحكومة والأحزاب في نفس الآن.

المهم أن صاحب سيدنا انتصر على الجابري الذي رفض جائزة ثقافية على عهد الحسن الثاني رحمه الله، وحقق مفهوم الكتلة التاريخية على أرض الواقع!!

وأقول للأستاذ الهمة: يا صاحب صاحب الجلالة.. أهنئك على فوزك على اليساريين والإسلاميين دفعة واحدة، وألفت انتباهك أن تبحث عن "الطيور المهاجرة" بتعبير الزميل عبدلاوي الخلافة، لأنها تصلح كحبات كرز وفراولة تزين انتصارك وتعضده وتزيد في عمره !!


 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !