مواضيع اليوم

سوريا: من تحديث الإستبداد إلى الثورة لـ ريموند هينيبوتش

بلال الشوبكي

2012-03-06 00:31:23

0

  سوريا: من تحديث الإستبداد إلى الثورة لـ ريموند هينيبوتش 
  بلال الشوبكي


    حين تولّى بشّار الأسد الحكم في منتصف العام 2000، ساد لدى الغرب شعورٌ بالتفاؤل حيال العهد الجديد لسوريا، فالمراقبون رأوا فيه شابّاً ذو تعليمٍ غربيّ، ولديه خطاب أكثر انفتاحاً على العالم من والده حافظ، كما أنّه أكّد منذ أيّامه الأولى في الحكم على مشروعه في التحديث والإصلاح. هذا التفاؤل قد بدأ بالتلاشي تدريجيّاً حين ظهر أن بشّار الأسد لم يجر أي تغيّير جوهري في طبيعة الحكم والرؤية السورية، وإنّ ما قام به لم يكن سوى تحديثٍ للإستبداد، وكأن الأمر ليس سوى تجميلٍ لصورة النظام، وتكريس لوجوده وتعزيز لاستقراره الداخلي.


تحديث الاستبداد هو الوصف الذي أطلقه فولكر بيرتس على سياسات بشّار الأسد في أحد منشوراته الصادرة عن أوكسفورد في العام 2004، وهو ذات الوصف الذي انطلق منه ريموند هينيبوتش في دراسته للتطورات السورية، والتي جاءت بعنوان: "سوريا: من تحديث الإستبداد إلى الثورة". تناقش الدراسة التي نشرت في العدد 88 من مجلة الشؤون الدولية نهج بشّار الأسد منذ توليه الحكم وحتى أيّام الثورة الحالية، من حيث شكلية الإصلاحات والتحديثات التي قادت في النهاية إلى فشل مشروع بشّار.


الوصف الذي قدّمه فولكر بيترس وتبنّاه هينيبوتش، مؤَسسٌ له أكاديميّاً وقد خضع للبحث والدراسة من قبل علماء السياسة المقارنة في الغرب. التأسيس الأكاديمي لتحديث الإستبداد يتّضح في مصطلح الأنظمة الهجينة الذي بات متداولاً في الغرب بين الساسة والأكاديميين. هذا المصلح الذي أورده هينيبوتش في دراسته ورغم انتشاره في الغرب إلا أنّه يصف معظم أنظمة الحكم في الشرق، والأنظمة الهجينة هي تلك الأنظمة التي تتمتع ببعض الممارسات الديمقراطية والإصلاحات والحداثة كإجراء الانتخابات وانتشار مؤسسات المجتمع المدني وإطلاق بعض الحريات الإعلامية، لكن كل ذلك يأتي محدوداً ومنقوصاً في الأنظمة الهجينية حيث تُمنع بعض الحقوق والحريات الأساسية التي تُفقد الممارسات الديمقراطية الأخرى قيمتها العملية.


بناء الدولة في مجتمع مجزّأ
يقول هينيبوتش إن حزب البعث وجد نفسه بعد أن وصل إلى الحكم عام 1963 يبني دولة في مجتمع مجزّأ من حيث الهوية ومشتت جغرافياً بفعل تقسيم سوريا التاريخية على أيدي القوى الغربية. هذا الأمر خلق دولة مصطنعة تواجه مشكلة الولاء لهويات فرعية داخل سوريا، فيما العروبة الواقعة في ردم الانقسامات بين الأغلبية السنية والجماعات الفسيفسائية الأخرى كما يشير هينيبوتش كانت السبب الرئيسي للتماسك وهو ما قادها لتبنّي العروبة التي جعلتها في قلب الصراع الاسرائيلي الفلسطيني ومواجهة الإمبريالية الغربية.


تجدر الإشارة هنا إلى أن ما يمكن استنتاجه من طرح هينيبوتش حول إشكالية الهوية الوطنية السورية بعد عام 1963، أن النظام البعثي لم يكن يمتلك أي خيار سوى الزج بنفسه في مواجهة خارجية كي يحقق الاستقرار الداخلي، وهي استراتيجية كلاسيكية تقوم على خلق خطر مشترك يضمن حد أدنى من التماسك المجتمعي، وكلّما تم تضخيم هذا الخطر زاد التماسك السلبي القائم على بقاء الوضع على ما هو عليه، وهو تماماً ما قام به نظام بشّار الأسد الذي أبقى على فكرة الخطر الإسرائيلي والمواجهة من الليبرالية الغربية واحتضان حركات المقاومة كجزء من استراتيجية إشغال الداخل بالخارج.


ملخص ما أورده هينيبوتش حول بناء الدولة من قبل حزب البعث، أن الحزب كرّس جهده من أجل:
- إضفاء الشرعية على حكمه من خلال تبنّي العروبة كهوية، وذلك لإخفاقه في تحقيق الانسجام بين الأطرف المكوّنة للجتمع السوري.
- خلق حالة صراع طويلة الأمد مع إسرائيل، وخصوصاً في عهد حافظ الأسد الذي حاول تصوير سوريا كجبهة أولى على الحدود مع إسرائيل وتحتاج الدعم الخليجي وتعتمد على الأسلحة السوفييتية، وهذا الأمر كان يضمن لحزب البعث مساعدة اقتصادية خليجية تنقذ اقتصاد سوريا، كما يضمن التماسك الداخلي لشعوره بخطر إسرائيل.
- التعايش بين الجيش والحزب وتركيز السلطة بيد الرئيس والتعامل بحزم وعنف مع أي محاولة للتغيير، حيث شهدت سوريا أحداث دموية على يد نظام حافظ الأسد.

هذا الأمر تغيّر نوعاً ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فقد بات الاقتصاد السوري في خطر، وبحاجة إلى استثمارات أجنبية، وهنا وجد حافظ الأسد أنه بالإمكان إبداء الاستعداد للتسوية مع إسرائيل وتخفيض ميزانية الانفاق العسكري من أجل إنقاذ حكمه. هذه هي الظروف التي ورثها بشّار الأسد، فقد كان عليها المحافظة على استقرار الاقتصاد وتبنّي السياسية الخارجية القومية، وتحقيق قدر من الانسجام مع الرأسمالية، والقيام بإصلاحات إقتصادية، وكل ذلك كان يتطلب من بشّار زيادة نفوذ الإصلاحيين داخل النظام دون التأثير على استقرار حكمه، وقد نجح بشّار في ذلك ببراعة في بداية حكمه، لكنّه في نهاية المطاف فشل في ذلك.

الخلافة والصراع على السلطة: تمكين الرئيس وإضعاف النظام
مع وفاة حافظ الأسد بدأ تنفيذ مشروع بشّار القائم على تقارب الجيش والنخبة، وفتح السوق والتكيّف مع العولمة عبر خطوات عديدة مثل تقديم خدمات الإنترنت. كما تم التخلي عن فكر حزب البعث، وفي ظل غياب استراتيجية بديلة كان نظام بشّار الأسد يقوم بالإصلاح عن طريق التجربة والخطأ. لقد كان من أولويات بشّار الأسد في بداية عهده تعزيز الكادر من خلال استيعاب الإصلاحيين والإبقاء على القدامى.


اتبع بشّار الأسد طريقاً وسطاً في إصلاحاته فبدلاً من خصخصة القطاع العام قام بتوسيع القطاع الخاص، والمحافظة على الحماية الاجتماعية خلال مرحلة تحرير الاقتصاد فيما بات يعرف بتبنّي السوق الاجتماعي. هذا الطريق الوسطي لم ينجح بسبب غياب الاستراتيجية الواضحة لتطبيق فكرة السوق الاجتماعي، وفي ظل الابتعاد كثيراً عن فكر حزب البعث قد تشكّل فراغ فكري واضح تنافس عليه الليبراليون الجدد والإسلاميّون.
الخطوات الإصلاحية التي قام بها بشّار ضمن مشروعه تحديث الاستبداد كما يضيف هينيبوتش، أثار تخوّفات الحرس ال

قديم الذين أشركهم بشّار في الحكم مع سعيه لتمكين الرئاسة، وقد اتّبع بشّار الخطوات التالية من أجل الحفاظ على حكمه والحد من نفوذ الحرس القديم:
- استخدام صلاحياته كرئيس في إحالة الجيل القديم إلى التقاعد.
- تفريغ الموالين له في الجيش والقوّات الأمنية.
- الاستعانة بالتكنوقراط في الحكومة.
- بالنسبة لسياسة بشّار داخل الحزب فقد أجرى نقطة تحول في الكادر عام 2005 دفعت الحرس القديم إلى خارج السلطة.

قد تكون هذه الإجراءات حققت منفعة لبشّار الأسد على صعيد تقوية نفوذه داخل الحزب والنظام، لكنّها لم تنجح في ذلك على صعيد المجتمع السوري ككل، فالنظام ضعفت سيطرته على المجتمع وكذلك الجيش لم يعد موثوقاً به كما كان في عهد حافظ الأسد.

بذور الإضطراب: تحديث الإستبداد غير المتوازن

بحلول عام 2010 كانت صورة نظام بشّار الأسد قد اتّضحت، فقد قام بشرعنة النظام القومي من خلال التهديد الخارجي، وقد أظهر نفسه كقائد مصلح ومسلم تقي، بالإضافة إلى متلاكه جيشاً وقوات أمنية موالية أكثر من مثيلاتها في الجمهوريات العربية الأخرى فيما المعارضة ضعيفة ومشتتة. القاعدة الإجتماعية للثورة تمثلت في مثقفي الطبقة الوسطى الذين تم استبعادهم من النظام بسبب إعلان دمشق، مضافاً لهم الإسلاميّين والأكراد.
بذور الثورة بدأت مع تراكم المظالم في كثير من المناطق من بينها تلك التي تعتبر قاعدة لحزب البعث، كما أن فقدان فرص العمل في لبنان، وانتشار الفساد والجفاف وإهمال المناطق الريفية ساهم في انتشار السلفية بين الشباب العاطلين عن العمل. بالإضافة إلى ذلك فإن رد فعل المواطنين على اعتقال الشباب ومن ثم رد فعل الأمن المبالغ فيه عليهم، وانطلاق المظاهرات ضد منع ارتداء الحجاب في المدارس كلها عوامل يمكن اعتبارها بذور الثورة السورية التي انتشرت بشكل تدريجي داخل المحافظات السورية.


يقول هينيبوتش أن هذه الظروف والعوامل موجودة في سوريا منذ فترة طويلة، لكن ما دفعها أن تكون بذور للانتفاضة السورية هو الربيع العربي الذي ألهم السوريين للقيام بذات الشيء، وقد ساعدهم في ذلك الإعلام الذي دعم الثورات ونقل للسوريين مشاهد سقوط الأنظمة في تونس ومصر وليبيا، بالإضافة لذلك فإن السوريين في الشتات لعبوا دوراً قويّا في تحفيز الثوّار وشحذ هممهم وذلك بسبب سخطهم على نظام بشّار الأسد، كل هذه العوامل المساعدة جاءت متزامنة مع حراك من الإسلاميين السنّة في المساجد وحولها وخصوصاً أيّام الجمعة لتشكيل نواة الثورة.


القاعدة الاجتماعية التي يعتمد عليها نظام بشّار الأسد تضم أصحاب رؤوس الأموال بشكل أساسي، والموظفين الحكوميين في المناطق الحضرية، والعلويّين وبدرجة أقل المسيحيين الذين لم يتعرضوا للتضيق بالإضافة إلى تخوفهم من السلفية. مع بداية الثورة وحتى الآن قام الأسد بإظهار نفسه كمصلح وحامي البلاد من الفوضى والحرب الأهلية، وقد استطاع في بداية الثورة حشد مؤيدين له خصوصاً من الطبقة الوسطى في الأماكن الحضرية الذين خشوا أن تؤثر الثورة على نمط حياتهم الحضري والعلماني لصالح أنماط ريفية وسيطرة للسلفية، لكنّ هذه الشريحة رغم قلقها كانت ترفض قمع بشّار الأسد للمتظاهرين وتطالب بتظاهرات سلمية من أجل الإصلاح.


من الأمور الأخرى التي حاول بشّار الأسد تسخيرها لضرب الثورة موضوع التهديد الخارجي، وترويج فكرة التدخل الأجنبي وتكرار المشهد العراقي داخل سوريا بهدف دفع الثوّار إلى التراجع، كما حاول الاستعانة بملف القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل من أجل إخماد الثورة، فقد سيّر مظاهرات إلى الحدود مع إسرائيل وأثار موضوع الجولان، لكن كل هذه المحاولات لم تقنع الشعب السوري، فالثورة زادت بشكل تدريجي وجزء من الذين أيدوا بشّار في بداية الثورة انقلبوا عليه في منتصف الطريق. 
هذا بالنسبة للعوامل الداخلية التي ساهمت في اندلاع الثورة، لكن هناك عوامل خارجية ساهمت في دعم الثورة بأشكال مختلفة، منها أن الموقف الغربي والتركي والعربي جاء داعماً للثورة، وخصوصاً الموقف القطري والسعودي الذي ساهم في الإبقاء على قوة الثورة من خلال الدعم الإعلامي والمالي.


وفقاً لما ظهر في دراسة هينيبوتش، فإن النظام السوري الذي كان أكثر الأنظمة العربية اسقراراً، وأكثرها قرباً للمزاج والرأي العام من خلال دعم المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، لم يكن يدير سياساته وفقاً لاستراتيجية متكاملة، وإنما بناءً على متطلبات آنية تستهدف استقرار الحكم، وقد نجح بشّار الأسد في خلافة والده والمحافظة على استقرار المربع الحاكم، لكنّ نجاحه لم يمتد ليحافظ على الاستقرار المجتمعي، فالسياسات غير العادلة والديمقراطية المجتزأة أو النظام الهجين المطبق كانت كافية لإقبال الناس على الثورة، وحين وصل إلهام الثورة التونسية وما تلاها إلى الشعب السوري لم تُفلح آلة البطش التي أمسك بها الأسد في ردع الثوّار أو تراجعهم.

إسلام أون لاين




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات