مواضيع اليوم

رغبة عمر الجزلي إيقاف عقارب الساعة (جزء1)

مصـعـب المشـرّف

2014-02-17 18:15:18

0

 رغبة عمر الجزلي إيقاف عقارب الساعة

(جزء 1)
 
مصعب المشرّف:
د. عمر الجزلي

في برنامجه (أسماء في حياتنا) الذي يقدمه عبر الفضائية السودانية . إستضاف الإذاعي المعروف عمر الجزلي مؤخراً الشاعر الغنائي الكبير الصادق الياس متع الله كلاهما بالصحة والعافية ....
 
وكعادته حاول عمر الجزلي إستعراض عضلاته والسيطرة على مسار البرنامج بمحاصرة ضيفه المغلوب على أمره . وذلك داخل قوالب يختارها عمر الجزلي سلفاً دون أن يترك للضيف حرية الإختيار والإنعتاق .. وحيث غالباً ما يستسلم هذا الضيف لخيارات المضيف بسبب حياء الضيف المعتاد .... وهو ما يجعلنا نبادر هنا فنتباكى على ذلك (الزمن الجميل) الذي كان المُضيف يرخي فيه قياده للضيف ويتركه ليقول كل ما عنده .
 
ولكن الذي شدّ الإنتباه في هذه الحلقة من لقاء الشاعر الصادق الياس ؛ أن عمر الجزلي قد أوغل كثيراً في فرض سيطرته ووصايته على الشاعر حتى أصابه بالإختناق ، وكاد يمحي قامته ، ويحيله إلى مجرد ديكور.
 
طوال حلقة البرنامج التي يبدو أنها كانت الحلقة الأولى من اللقاء .. كان عمر الجزلي هو الذي يحدد ويدلي برأيه . ولم يكن على الصادق الياس سوى الإجابة بنعم والتأمين على ما يدلي به الجزلي من آراء (شخصية) حول الشعر الغنائي والمطربين . والذي كان (عمر الجزلي) لا ينفك يردد ما بين كل فقرة وأخرى نغمة (الزمن الجميل) في سرده ووصفه لعالم الطرب الذي حصره عمر الجزلي (وكعادته دائما أيضا) في شخص وزمان الشاعر حسين بازرعة و المطرب عثمان حسين خاصة .... دون أن ينسى الإشارة الخفيفة ما بين حين وآخر إلى شعراء ومطربين آخرين من جيل الأوائل والرواد .
 
 

 الشاعر الغنائي الصادق الياس

وبالطبع فلا أحد ينكر جمال ومقال وقدرات الأجيال السابقة الإبداعية الرائدة في مجال الشعر العاطفي والطرب ما بين الغزل الحسي والرومانسية والرمزية  .... ولكن لا يعقل أن تتوقف عقارب الساعة عن الدوران .... فلكل زمان رجاله ولكل حادثة حديثها .. ويبقى أن يتقبل الجميع واقع أن الإبداع والحضارة تظل مسألة تراكمية . ولبنات يضع كل جيل بعضها فوق البعض الآخر... ولكل جيل من هذه الأجيال ظروفه وواقعه سواء ذلك الذي إرتضاه لنفسه أو تم فرضه عليه من شتى الجوانب الإقتصادية والسياسية وأجهزة وأدوات العصر.
 
واقع الحال أن معضلة عمر الجزلي تظل بمثابة الجزء الظاهر من جبل الجليد الطافي في الساحة الإعلامية .... ذلك أنه وأفراد جيله ممن لا يزالون مهيمنون على مفاصل العمل الإعلامي نراهم يقفون في مكان معين وزمان محدد .... يسترسلون في البكاء على الأطلال والدمن .... ولا يرون أمامهم سوى أشخاص وتجارب بذاتها ، وظروف إجتماعية ثقافية وقوالب إبداعية تقليدية سادت في جيلهم وبادت وتسربت من بين اصابعهم دون أن يتلقفها جيل جديد حاضر .
ثم نراهم يرفضون في قرارة أنفسهم وبكل ما أوتوا من قوة ونفوذ إعلامي أن يفسحوا لغيرهم من الشباب والجيل الجديد مكاناً آخر وجدانياً إلى جوارهم في مجال تذوق الشعر والغناء . حتى لو كان هذا المنتج الجديد يعبر عن رؤى بعيدة عن مجال إهتمامهم ؛ وخارج دائرة مجالهم العاطفي الحيوي .... والنطاق الوجداني الذي يفرضه عليهم عامل السن والزمن المتغير.
 
مثل هذه النزعة من الكنكشة الفكرية والوجدانية ، والتباكي على الماضي بوصفه الزمن الجميل ؛ لا أخالها إلا إسقاط من لدن عمر الجزلي ومعظم أنداده من جيله ســدنــة الأوثان وكهـنـة المـعـبــــد الذين يرفضون مسايرة العصر وإبتلاع ثمراته خوفاً على مكانتهم أولاً وعسر هضمهم ثانيا ...... وإلى درجة أقامت سداً منيعاً بينهم وبين القدرة على تقبل الجديد الذي يفرضه العصر ...... لا بل وأرى هذا الســـد يزداد متانة وإرتفاعاً يوما عن يوم......
وبالطبع فإننا نتخذ عمر الجزلي هنا مثالاً كونه قد وجد الفرصة للتعبير عن آرائه من خلال نافذة إعلامية ...... فهو إذن ليس وحده ولكن أمثاله من جيله والذين من قبلهم كُـثـُـر.

جانب من رواد الأغنية السودانية الحديثة قبيل الحرب العالمية الثانية 

نعم ؛ لا أحد (خلا الجاحد) يستطيع أن ينكر فضل الرواد من شعراء وملحنين ومطربين وحتى موسيقيين وكورس وفنيين وإذاعيين ؛ ساهموا في وضع اللبنات الأولى لكل ما نعتقد أنه متاح اليوم من جميل وإمتدادات جميلٍ يثري الوجدان . وقد كانوا نبراساً لمن جاءوا من بعدهم ....
ولا نملك إلا أن نرد الفضل إلى هؤلاء وعلى رأسهم عمر الجزلي نفسه لما أسهم ويساهم به من موهبة فذة حتى اللحظة في مجال قراءة نشرات الأخبار ؛ وبما يجعل منه "مذيع الأجيال". والمرغوب في تواجده دائما لربط الماضي بالحاضر والمستقبل . وتدريب أجيال جديدة (تجلس إلى جواره) على قراءة نشرات الأخبار بذلك الحضور الطاغي الناقل للإحساس بقيمة وخطورة الخبر ، والعشق الصادق للمهنة ، وتلك الروح المتوثبة المُستصَحبَة بالنطق الصحيح وضبط مخارج الحروف ، وحسن التصرف ، وتفادي الأخطاء بأقصى ما يمكن من حرص. 
ولكن العمل والأداء المهني الإعلامي جانب .. والتذوق الوجداني جانب آخر لا يصلح الخلط بينهما أو أن يحاول الفرد فرض آرائه ومزاجه الخاص فيه . ومحاولة إيقاف عقارب الساعة عن الدوران..... ولأنها ببساطة لن تتوقف عن الدوران.
إذن يبقى الخلاف مع عمر الجزلي وجيله والذين من قبلهم . أنه وفي مجال تذوق النص الشعري للأغنية وجانب الأداء للمطرب . فإن الذي يشدد عليه الجيل الحالي هو ضرورة أن تخاطب الكلمات والمعنى الواقع العاطفي المعاش ؛ لاسيما لجهة الشفافية في العلاقة بين الفتى والفتاة .. وبحيث لا يعقل أن يغني (اليوم) شاب في مقتبل العمر أغنية يتباكى فيها على محبوبته بكلمات وعبارات (أغاني قديمة) من قبيل :
لي مدة ما شفتك ..... يا الحرموني منك ..... يا الحرموني شوفتك ... يا جميل يا سادة .... الرقبة قزازة عصير ... النهود رمان .... الزراق فيها تقول حرير .. البرتكان نهدك مدردم .. سمحة تحت التوب مسايروا  .... حرير ابيض مشغول يقطيفة ....  صورة قلب وسهم نحيل .... والوعد بيناتنا إنك كل يوم تكتب إلي .... حد يشعر بالسعادة ويمشي يختار البعاد ؟ .... يا ضنين الوعد .... يا سلام على ريدي الخلاك بقيت سيدي .... إلخ إلخ من عبارات وكلمات لم تعد تصلح للترديد في هذا الزمن الذي تحولت فيه العلاقة العاطفية بين الشاب والفتاة إلى ثلاث وجبات يومية طازجة ساخنة من التلاقي والحضور والإتصال بكل الشفافية على اقل تقدير ...
ثم دخلت الهواتف النقالة التقليدية والذكية على الخط ففعلت فعل السحر في فرض نقلة نوعية تقتضي من الغناء والأدب بوجه عام مواكبتها ، والتعبير عنها بصدق ومقدرات وأدوات جديدة مبتكرة لجهة القوالب والمفردة والتعبير والجرس الموسيقي ..... وبما يتيح توثيق هذا الواقع من تاريخنا الإجتماعي.
 
ولعل من الضروري هنا أن نشير إلى أن عمر الجزلي وفي خضم حديثه عن (الزمن الجميل) والأغنيات التي يمثلها ذلك (الزمن الجميل) الذي يرغب في إستحضاره وإستنساخه بحذافيره لهذا الزمان الجاري (الجميل لاحقا) .... من الطريف أن نشير هنا إلى قول (عمر الجزلي) في تلك الحلقة يصف مدى إعجابه بأغنية (سوداني الجُوّة وجداني بريدو) أنه قد سجلها عشر مرات في شريط  كاسيت ويحرص على الإستماع إليها يومياً من مُسَجَّـلِه ....
هنا يكشف عمر الجزلي بالفعل عن إستخدامه ودون أن يشعر لأدوات قديمة من عصر سابق يندر أن يستخدمها الجيل الجديد ؛ ألا وهي شريط الكاسيت والمسجل (الريكوردر) الذي أصبح محدود الإنتاجية وباهظ التكلفة وثقيل الوزن . ولم يعد يستخدمه حتى أصحاب أكشاك بيع الليمون والعصير في أسواق العاصمة الشعبية ....
 
وربما لو وضعنا شاب أو شابة من الجيل الجديد في نفس الكرسي الذي كان يجلس عليه عمر الجزلي . وطلبنا من أحدهما أن يعيد صياغة حديث الجزلي بأدوات عصره الحديثة . لكان قد قال أنه يستمع لهذه الأغنية من جهاز MP6  مرّة . ومن هاتفه الجوال مرات أخرى .... وبدلاً من أن يشتكي من رداءة شريط الكاسيت فحتما تكون الشكوى من رداءة خدمة خط الإنترنت.
 
إذن فالشاهد أنه من غير الصواب أن يحاول البعض من الأجيال القديمة فرض الوصاية العاطفية والوجدانية وأدوات عصره الماضي على الأجيال التي تليه.
 
ثم أن الذي نود الحرص على تأكيده أن نغمة (الزمن الجميل) هذه تظل مصاحبة لكل جيل .. وكل جيل دائما ما يرى في زمان شبابه زمناً جميل .... وحتماً لن تنقضي سنوات قادمة حتى نسمع أيضا من ألسنة صغار الناس اليوم من يردد نغمة (الزمن الجميل) في وصف هذا الزمان الحاضر  .. وهكذا منذ خلق آدم عليه السلام وأمنا حواء ؛ وإلى قيام الساعة .
(يتبع إنشاء الله)




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات