مواضيع اليوم

رثاء متأخر لرحيل مبكر جدا..

جمال الهنداوي

2010-09-15 06:19:41

0

هذه هي النهاية اذن..وهكذا يرحل الناس..وهذا هو الموت الذي لا يفرق بين جاهل واديب..وهذا هو اليقين المطلق الاقرب الى الشك..وهذه لحظة الصمت السرمدية التي لافكاك منها..

 غير مصدقين تلقينا نبأ القاء الشيخ بنوان اللامي عصاه واستعجاله الرحيل عن حياة استل المرض الاعم الاغلب من ايامها ..وشديدة الوطأة قاسية الوجع وغزيرة الالم ورافضة كانت هي الوجوه الواجمة لمحبيه التي اخرسها الخبر واولجها في صمت لا يحمل مساحة الا للحزن..

رحل الشيخ عن حياة لم تكن بالاتساع الذي يستوعب حجم عطائه ..ولم يحصل الشيخ على ماكان يصبو اليه فى هذه الدنيا ، وآلمه اضطراره الطويل للترحال..مقاسيا مغتربا متأبطاً اوجاعه وناثرا المه على الطرقات والمفاوز الغريبة ..ولكنه رغم ذلك كان محملا اوجاعه شحنة مكثفة من الانوار اضاءات محافل الادب والابداع في مجالس دمشق وبيروت ومنتدياتها ..حيث ملئها الفقيد بموارد النفع والإفادة ، والدعاء إلى الهدى، والدلالة على الخير، ابتغاء وجه الحق ..وخيرالانسان.. ومرضاة الله سبحانه وتعالى.. كان الشيخ بنوان يرأس منتدى الاربعاء الثقافي في دمشق.. ذلك المنتدى الذي احتضن جل الادباء العراقيين المهاجرين من بطش الدكتاتورية ، والذي قدم الامسيات الرائعة لمعظم الادباء العراقيين وطبع لهم دواوينهم ومنجزهم الابداعي طيلة ثلاثة عقود.ولقد كان الشيخ بنوان ـ وكما اطلق عليه (ابو المهاجرين) وكما اطلق على زوجته السيدة الفاضلة (أم محمد) ام العراقيين ـ واحة من الالفة ومحطة لراحة  للمجاهدين الهاربين من جحيم الطاغية وكان منتداه المرتكز والمنطلق لادامة نشاط وابداع معظم الادباء العراقيين في المهجر.

وكل هذا الجهد والالم كان يتجلى للناس من خلال شخصية غلب عليها نقاء السريرة ونظافة اللسان وقوة الحضور..وسيرة هادئة غنية لاتشوبها شائبة ..فكان لمحبيه ناصحا دون مواعظ ..حكيما دون تنظير.. فيلسوفا دون تغريب..ابا دون تعالي..يهش في وجه الجميع..و يبتسم بمحبة في وجه الجميع ..ولم يعرف في حياته الا الحب والشفافية والنبل المفتقد.

يعود الشيخ الى الوطن.. جسدا مكدودا تتمنع عليه العافية ..الفسحة التي يتمنى.. لتحقيق رسالته التي يدعو والتي يبشر.. يعود الى الوطن ليجده ليس كما كان يظن..وليس الصحاب كالصحاب..يعود ليجد الايام تغتال أمله في  تأطير وتكريس الديمومة اللازمة لمشروعه الصغيرالطموح..حالما ان يكون المؤسسة الثقافية العراقية الطليعية ..وان يرفعه الى مصاف الانتاج الثقافي المتميز..اعتمادا على طرق معرفية خالصة وانطلاقا من حاجات فكرية محضة ..

فالشيخ بنوان..وعلى الرغم من علاقاته الواسعة والمتقادمة بالكثير من السياسيين الذين هم الان في مركز القرار ..ورغم ان له يداً على اغلبهم.. كان من الاباء بحيث لا يدق على ابواب من نسوا فضله ..وكان من عزة النفس بان لا يطالب بحقه في وطن افنى لاجله سنوات عمره بقضها وقضيضها وكان من الانفة بان يفضل ان يبقى في رحلة الايجار الطويلة متنقلا  ما بين مسكن الى مسكن الى مسكن متأبطا مكتبته الضخمة التي كان يريد ان يتبرع بها للوطن الذي يحب..والذي يعشق..وان لا يستقر به النوى ولا المقام حتى لقاء رب كريم..

نشعربطراوة ذكراه التي لن تذوب في افكارنا..ولا في افكار كل من قرأ له او تلقى منه مشافهة..فلقد رحل الشيخ متقلدا قلمه ..ممتطيا صهوة علمه ومعرفته.. فلقد كان شيخنا الجليل محملا بالهم الابداعي طوال السويعات التي يمن بها عليه المرض ما بين نكسة واخرى..وكان يقف دائما في قلب الانشغالات الثقافية بكل تساؤلاتها وقلقها وتأملاتها ..فلم يكن الشيخ يرتجل الآراء ارتجالا ولا يدعيها في أي لحظة .. بل ثمة تأسيس مفكرعميق يقف وراء كل ما يفعل وبكل سلاسة ودون صخب ..

 قبل دقات قليلة من انكسار قلبه المجهد..هاتفني الشيخ شاكيا من ضعف الاتصال وواعدا بان يرسل لي خمسة عشر مقالة دفعة واحدة لاسلمها الى الجريدة..معتذرا من قصر مقالاته الاخيرة التي قد لا تشبع نهم القراء لنصوصه..والتي قد تثير عتب المحرر عليه..وناقشني في الحلول التي توصل اليها لدحر المرض وادامة حضوره بيننا..وقد وعدني بقرب الزيارة..ودنو اللقاء..وما زلت انتظر زيارته..وما زلت انتظر بريده..




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !