مواضيع اليوم

خريطة ومصير

شيرين سباهي الطائي

2009-12-12 20:51:22

0

شاعَت في العقود الأخيرة علومٌ تُعنى بإعادة تنظيم المعلومات داخل الدّماغ البشري أو العقل أو ذلك الصندوق والقرص الصلب الذي يحتفظ بالمعلومات ويعالجها،وتفنّنَ الباحثون والمُجرّبون في عرض بضائعهم ونتائج خبراتهم على الملأ فُرادى وجماعات،وانعقدَت لهذا المَجال دورات وحلقات تدريب وورش عمل وصُنّفَت فيه كتبٌ ومراجع وأضحى من مظاهر الحضارة والثقافة العصريّة ..

ليستْ هذه الأمور جديدة المضمون ولا بجديدة الاكتشاف لكنّها بلا شكّ ولا ريب جديدة الطّرح وجديدة الاهتمام والشّيوع بين الناس سواء كان من يتدرّبُ على زيادة طاقةِ استيعابه ذكراً أو أنثى أو من يسعى لتحفيز الذكاء العاطفي داخله مديراً أو مأمورَ بوابة أو من ينخرطُ في دورة تدريبيّة على القراءة السريعة والخرائط الذّهنية طبيباً أو طالباً في المرحلة الإعداديّة،ومن الجميل في هذا الأمر أن اختيار المصطلحات والتّسميات لعناوين الموضوعات التي تناولها مُقدّمو هذا العلم تُناسبُ الفهم العاديّ للجميع ..

وفي الماضي كنتُ أسمعُ من بينِ الكلام بأنّ "الخريطة" تُطلقُ على "كيس" قماشي توضع فيه الحبوب أو طحينُها،وفي لغة مراكز صيانة السيارات والآلات يستخدمون "الخِراطة" كعمليّة لتطويع الحديد لمزيد من الاستخدام وفق قياسات معيّنة مُخلّفين وراءهم الكثير من ضريبة "التّخريط" وهي بِرادة الحديد،ولفتَتْ نظري هذه الجزئيّات الصغيرة أن تكونَ هي المعوّل في التجزئة لتسهُلَ عملية التعامل مع الأمور الملموسة لتنتقلَ العدوى للأمور المعنويّة والتصوّرات فتحتاج "خَرْطاً ذهنيّاً" ..


وأذكُرُ أنّي أوّل ما سمعتُ عن مبدأ أَسْمَوْهُ "الخريطة الذّهنيّة" تشوَّهَتْ داخلَ ذهني كثيرٌ من المعلومات التي كنتُ أظنُّ بأنّ ترتيبها الذي اخترتُه لها منذ زمن يحفظها من الزوال أو التضاؤل أو التبخّر،وبدَتْ كلّ المُسلّمات التي عِشْتُ ردحاً من العُمر وأنا خاضعٌ لها ترحلُ شيئاً فشيئاً تاركةً فراغاً كبيراً في ذهني الذي تأثّرَ كثيراً وهو يسمعُ من المثقّفينَ بأنّه "خريطةٌ" تتفرّعُ عنها "خرائطُ" أُخَر،وأنا الذي كنتُ أعتقدُ بأنّ مبدأ تراكمَ المعلومات بعضها فوقَ بعض حفظاً وسرداً واسترجاعاً هو غايةُ الذكاء والعبقريّة ..

وما إن تبدّدَتْ الغيوم وامتصّ فصّ دماغي الأيمن الصدمات وتعاملَ الفصّ الأيسرُ مع الموضوع بعقلانيّة هداني إليها توفيقُ ربّ العالمين عرَفتُ بأنّ تلك الخرائط الذهنيّة التي أُعيدَ تدويرُها وأُعيدَتْ هيكلتُها بشكل وطريقة تتواءمُ مع طموحات المتعطّشين للمعرفة السريعة ما كانتْ لتُزعجني لولا أنّني استعجلتُ الحُكمَ كعادَة من علّمني ـ عفا الله عنه ـ بأنّ ما يقولُهُ لي هو الحقُّ الذي لا صوابَ غيره والطريقة التي يُلزمني بها هي الطريقُ المُنجي والواضح والآمن للتعلُّمْ ..

استمرّ عنادي مع "الخريطة" حتى في الجغرافيا رغمَ قِدَمِ هذا العلم النّظري في الأرض لرسم الحدود والتعرّف على مساحاتٍ أكبرَ من المساحة التي تراها الأعين في حيٍّ أو شارعٍ أو مدينة،وكنتُ أقرأُ رسومات الحدود بين البلدان العربيّة التي هيَ أوّلُ ما دُرَّسَ لنا من حدودٍ يجبُ الالتزام بها كما يقرأُ العرّافُ خطوطَ الكفّ وتقرأُ العجوزُ تعاريجَ بقايا القهوةِ اليابسة في قَعْرِ الفنجان،لكنّ الذي أغراني بأنُ أُلقي بالاً للخرائط وتصميمها وأطلسها ما تُبديه صور الأقمار الصّناعيّة من خطوطٍ بين الماء واليابسة هي أوفرُ الخطوط والرّسوماتِ حظّاً من الصّدق والواقعيّة ..

ما يحتاجُهُ الفهمُ الصحيح والسليم من مثل هذا العرض للأمور على أنّها خطوطٌ ودوائرُ ورسومات هو ذاتُه ما يحتاجه المُجتمع ليفهمَ ما يدورُ حولَه من أحداث وما يؤثّرُ فيه من مُمارسات فرديّة أو جماعيّة وما يصلُحُ له من قوانين ونُظم وأطروحات في تلخيص مُبسّط يستوعبه عاملُ نظافة الحي قبلَ مرشّحِ الدائرة الخامسة والسبعين بعدَ المائة ويهضمه عقلُ المراهق الغاضب من عدم وجود ملعبٍ للسلّة في منطقته قبلَ الشابّ الذي تُرهقه ديون الزواج المغصوبِ عليه،فأيّ خريطةٍ يُمكنُ أن تجمعَ شتات المجتمع قبل أن تجمعَ معلومات العلوم االبحتة والفلسفة في وريقاتٍ تُذكّرنا بما قبَعَ في العقل اللاواعي؟

إنّ توصيفَ الخريطة في الاستيعاب مثلَ تصوّر الإنسان للشيء قبلَ رؤيته أو بعدَ التعامل معه،فلكلّ منّا صناديقُ مغلقةٌ أو مفتوحة تختلفُ أشكالها وألوانها ومدى استيعابها وأحجامها نضعُ فيها ما يعنينا من مفاهيم كيفما شئنا وكيفما قُدِّرَ لنا ونتحمّلَ طريقة التخزين وتعبَ البحث وبُطءَ الاسترجاع أو سرعته لأنّ أيدينا هي التي أَوْكَتْ وأفواهُنا هي التي نفَخَتْ،ومن العالمين من يجدُ في تعسير الوصول مسرحاً لاستعراض عضلاتِ التفكير وإفراغِ جُهد السامعين بحثاً عن معنى لما يقول أو يكتب فيرسمُ خريطةً تُشبهُ ما شاعَ في الأساطير عن خرائط الكنوز ورسومات الآثار المدفونة ..

في الرياضيّات والعلوم الهندسيّة المُلحقة بها يعتمدون تسمية شكلٍ من الأشكال "بالمخروطيّ" ليس لأنّ فيه خطوطاً وتعاريجَ توصلُ إلى هدفٍ معيّن معلومٍ أو مجهول كالخريطة النوعيّة إنما لسببٍ آخر قد يكونُ ما يوحي به الشكلُ أنّه تعرّضَ لكثيرٍ من "الخَرْطِ" وهو النّحت الجانبي غير المتوازن نزولاً أو صعوداً حتى أصبح هرميّ الظهور،ومن "الخَرْطِ" ما قتَلَ إنْ سلّمنا بأنّ هذا المُصطلح يصلُحُ لأنْ يطلَقَ على الكذب كما يستعمله بعض الناس في لهجاتهم العربيّة على اعتبار بأنّه نحتٌ يُخرجُ فضلاتٍ متناثرة هي المعنيّة بتشبيه حكايات الكذّابين ولوحات "الخرّاطين" ..

ولذلك أعتقدُ بأنّ مبدأ "الخريطة" معتمدٌ بشكل كبير على التخيّل ومدى إدراك العقل للشيء بطريقته الخاصّة التي تُناسب قدراته الاستيعابيّة،فمَنْ يرى العالمَ كتلةً واحدة ويؤمنُ بالوحدة الكونيّة سيرسُمُ خرائط ذهنيّة لما يقرأه من الكتب فائقة العموم عالية التركيز على القواعد المشتركة بين الشعوب،ومن يؤمن بالقوميّة العرقيّة والجنس البشري الخاص ستكونُ خرائطه الذهنيّة للمواد التي يدرسها مبنيّة على تصنيفٍ تدريجيّ تنازلي من الأعلى للأدنى يهتمّ هوَ برأس القائمة مثلما يهتمّ ببني عرقه أكثر من غيرهم،ومن لهُ ميولٌ عاطفيّة وتروقُ له الموسيقى كقاسم يدخلُ كلّ القلوب ولا تستعصي عليه اللغات والألسُن تبدو خرائطه الذهنيّة لأي مجالٍ يتعلّمه هوائيّة الصنع مزاجيّة التغيير وكأنّها لوحةُ رسّام لعصفور يُطعمُ آخر على شجرة لوز ..

ولا سبيلَ لتصغيرِ الأشياء الكبيرة وجَمْعِ المحتويات الكثيرة في مساحاتٍ ضيّقة متجانسة سوى بمبدأ "الخريطة" ولذلك انتَبَهَ من تبنّى مُحاكاة العقل البشري والدّماغ لهذا الأمر وأظهر للناس "خرائط الذهن" ليُحفّزهم على التعلّم السريع مُنذراً بأنّ ضياعَ الوقت ليس في صالح المجتمعات فالعالمُ أزفَ على النهاية متناسياً بأنّ من المجتمعات من أجبرهُ ساستُه على أن يحفظَ خرائطَ العالم بأسره دونَ أن يَسمحوا لهُ برسمِ خريطة واحدة في ذهنه لبيتٍ يطمحُ أن يكونَ لهُ يوماً من الأيّام ..

وكما اختزَلَت "خارطةُ الطريق" قضيّة المسلمين الكبرى في رؤية من بناتِ أفكار من قدّموا للمغتصب وعدَهم المشهور وجعلَتْ "الخريطة خارطة" مستعيضة المدَ العمودي للألف عن المدَ الأفقي للياء ومستعيرةً أحلاماً في الهواء تتصاعدُ عمودياً نحوَ التبخّر حرصاً على محو الحقوق التاريخّية في الأرض فلا يبقى في الأفق القريب ولا البعيد سوى احتلال واغتصاب نجدُ اليومَ بأنّ الأذهان والعقول والأدمغة استبيحَتْ أسرارُها بدواعي خدمة الإنسان لتُختزَلَ العلوم في خرائط مهما أفادَتْ من صمّمَها لن تجدَ يوماً من الأيام من يفكّ شِفرتَها سوى قومٌ من يأجوجَ ومأجوج ودُونَ ذلكَ خَرْطُ القَتاد ..




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات