مواضيع اليوم

حوار التفاصيل (الرد)

سندس بكار

2010-02-07 09:01:51

0

 

عندما يرد وينتقد باحث بأسلوب علمي رصين إحدى المقالات ، يغريني بقدر ما يلهمني تفنيد الرد بالرد في ما أصاب وأخطأ . إذ نحن بأمس الحاجة إلى هذا الحوار والتراشق الفكري الثقافي بعيداً عن الشطط والتأويل والتجريح ، في زمن تكاد ثقافة النقد فيه أن تصبح آسنة ، هدامة غير بناءة ، في غالبها تجريح وإتهام .

أولاً يسعدني أن يشاركني الأخ علي هاشم لعنتنا المستساغة نحن الباحثين .

يمارس الأخ علي كونه على ما يبدو أنثروبولوجياً أكثر منه سوسيولوجياً لعبة التفكيك والتركيب ، ولكنه ضاع في بحثه عن التفاصيل عن جوهر ولب الموضوع .

ينتقد الباحث ما يجده تعميماً . وهو محق بمطالبته تحديد الميدان (أي جامعة ؟ إطار العمل ؟ وعن أي خارج أقصد ؟)

إن موضوعنا هنا هو بحث مشكلة إجتماعية لا علاقة لها بالجامعة أو نوعية العمل . حتى نعتبر أنها مشكلة قد تطال جامعة دون أخرى أو أنها خاصة بميدان عمل دون آخر .

وما المقصود بالخارج لا تفريقاً بين ثقافتين شرقية ملتزمة محافظة وأخرى غربية مادية منفتحة ، وعلى إعتبار أن أي موضوع إجتماعي هو وليد ثقافة  هذا المجتمع أو ذاك .

يؤسفي أن يفهم باحثنا الكريم أن القصتين اللتين إخترتهما كنموذج هما من لبنان فقط بالنظر إلى العبارات والمصطلحات ، إذ فاته أنني أكتب هنا بالعربية كما أنه لا يمكنني سرد كل الحالات المشابهة فهذه مقالة وليست بحثاً .

ويتوه الأخ علي في بحثه عن التفاصيل فيفقد بوصلته الموجهة :

أولا يدخلنا في محاورة أفلاطونية عن السلوك الممارس والمفضل . ويشبه السلوك إلى الكذب بحزام الأمان في السيارة ، مبرر الكذب بأنه ملح الرجال ، فهل علينا بالكذب لكي نصبح رجالاً ؟

ويبرّره بأنه ضروري لتجميل الواقع والهروب من المصيبة بدل مواجهتها . ويشير بأن في النكات الكثير من الكذب ساهياً عن أن النكات جاءت إنتقاداً في محاولة للإصلاح وليس للتبرير ، ويعطينا مثالاً عن كذبة أول نيسان .

إن العالم المتحضر اليوم يعتبر الأول من نيسان يوم مزاح عالمي ، يباح فيه الكذب بين الأصدقاء وكأنهم بحاجة إلى فرصة للتحرر من الواقع ومن التعامل معه بصدق ومبادىء سلوك ، وقلّ من يعرف الرابط المنطقي الذي يربط هذه الشعائر والقيمة الإنسانية التي تلازمها .

ففي النصوص البابلية والكنعانية والآشورية ، يوم الأول من نيسان هو يوم موت وتجدد البعل ففي هذا اليوم يسلم البعل الحقيقي الملك لبعل مزيف وينصرف لكتابة الألواح من جديد كل عام . هو يوم تعم فيه الفوضى والسرقة والكذب والإقتتال . إذن هو يوم الفوضى والفراغ والخلو من المبادىء بقيت رموزه في حفلات التنكر وإنطفاء الاضواء ومنها ممارسة الكذب . أما الحاجة إليه فهي تبرز كطبيعة أساسية في الإنسان ، تتجلى في الرغبة بالتخريب والتملص من كل رقابة . [أنظر : يوسف الحوراني ، جماليات الحكمة في التراث الثقافي البابلي ، دار النهار ، بيروت ، 1994 ، ص.ص 29 إلى 34] .

ثم يأخذنا في رحلة لغوية يشرح لنا فيها معنى الصراحة وإشتقاقاتها يتركنا في نهايتها ضائعين ، وقد ضاع معنا ، إذ يستخلص أن الصراحة نقيضها الوقاحة . والوقاحة بالعودة إلى المنجد : تعني قلة الحياء والإجتراء على القبائح فأين كنا وأين أصبحنا ؟

ويعتبر أن الإنسان يقوم تارة بالشيء وطوراً بنقيضه بحسب الموقف أو الحالة . هذا صحيح ، ولكن سؤالنا هنا : كيف يمكن للإنسان أن يقوم بالشيء ونقيضه في آن معاً ؟ أيمكننا الإجابة بنعم ولا في آن واحد ؟ والمتهم هو إما مذنب أو بريء ، ولا يمكن أن يكون مذنباً وبريئاً أو ما بينهما .

وأوافق الأخ علي في أن الواقع لا ينطبق على كل الناس . كما أوافقه الرأي بعدم وجود إنسان خيّر أو سيء بالمطلق . أما التعقيد فهو نتيجة لسلوك البشر تلك الطرق الملتوية وإبتعادهم عن الصدق والصراحة ، وليس طبيعة خلقها في الإنسان وهذا ما يؤكده الباحث في كلامه .

وعن الآية الكريمة : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا {البقرة/219} .

ألفت نظر باحثنا الكريم إلى الآية الكريمة : (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) المائدة آية 89 .

أمرنا الله تعالى في الآية الكريمة بالإمتناع ولم تبق هذه المسألة إختيارية فالحسم فيها واضح .

أتفق مع باحثنا الكريم ، هناك أمور خير ما فيها الوسط لكن لا يمكننا التعميم . فاذا سُئلنا الإجابة بصح أو خطأ عن مسألة ما . أيمكننا أن نرد بأنها صح وخطأ ؟ أو أنها اليوم صح لكن بعد خمس سنوات ستصبح خطأ ؟ أو أن هذه المسألة هي ما بين الصح والخطأ ؟ أو إذا سألنا عن عمر أحدهم فأجابنا أنه دون الأربعين ، فهولم يكذب كما أنه لم يعط جواباً . أهذا هو الوسط الما بين الصدق والكذب ؟

أوليست هذه ديماغوجية إبن عربي في مقام النعم ولا ؟ [أنظر : محمد المصباحي، إبن عربي في مرآة ما بعد الحداثة ؛ ومصدق الجليدي ، من طوبوغرافيا الإعتقاد إلى مسطح المحايثة ، مجلة الفكر العربي المعاصر ، العددان (126-127) و(138-139)] .

وأسأل باحثنا لماذا كل هذا الجهد لتبرير إزدواجية هؤلاء وهو إختار تلك اللعنة المستساغة من أجل الحقيقة التي لا يبغي غيرها .

ولا أريد التطرق إلى موضوع كتاب أنطوني جيدنز ، بين اليمين واليسار (ربما نناقش الكتاب لاحقاً) ، لأنه ليس غايتنا الآن . ولكن أريد أن أشير إلى أن أفكار هذا الكاتب الإقتصادية وطريقه هي التي أودت بنا إلى هذه الكارثة الإقتصادية .

كما أتفق مع الباحث أن الكلام عن الطلاق أو تصرفات وممارسات الأفراد يحتاج بحثاً مفصلاً وإحصاءات وأرقام وتحليل .

وفي النهاية أشكر الباحث على ما تفضّل من تعليقات وإنتقادات متمنياً أن يحفّز هذا الحوار البنّاء كل المثقفين فيشاركونا أفكارهم البنّاءة .




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !