مواضيع اليوم

جِدٌ ورقص وجنون

يوسف الحلوي

2012-10-22 13:06:09

0

 

 

كان صوت الأستاذ المحاضر ينساب هادئا رزينا بين المدرجات، وكم كان يحلو له أن يخوض في مواضيع بعيدة عن الدرس لكنها قريبة من حياتنا اليومية ومن معاناتنا المريرة مع الفقر والميز الطبقي.

تعابيره الثائرة ما كانت لتترك لنا المجال للشك في أنه يحمل حقا على عاتقيه هم المربي، خلافا لزمرة كبيرة من المتصابين ممن كانوا منقادين خلف صوت غرائزهم ومع ذلك ما كان كلامه ليشدنا للدرس والتحصيل، نحن الذين رفعنا شعار العبث بعد أن أيقنا من أن الضياع الذي آلت إليه مصائر من سبقنا إلى هذه الكراسي التي نقتعدها لا بد وأن يَحْتضِننا ونحن نتركها لمن سيخلفنا في مغامرة الرسوب إلى أسفل الهرم، وما كانت لامبالاتنا لتصد أستاذنا المبجل عن أداء واجبه.

أبنائي، من غيركم سينقذ الأمة من عمى الجهل وينير للمحرومين من ولوج المدارس الخاصة جٍدا درب التعرف على حقيقة الفارق المهول بين بؤسنا وبذخ غيرنا، على الأقل ليفهموا أن هناك سمكا غير "السردين" الذي يشتريه الملايين مرة كل أسبوع وملايين أخرى تنظر إليه نظر المغشي عليه من الجوع، قيمته تفوق دخل أسرة مجتمعة من رعاع القوم, تلقيه الأسر المحترمة في صناديق القمامة، فمتى يأتي اليوم الذي نحلم فيه بالاقتيات على فضلاتهم؟ تعلموا وعلموا الناس أنهم يبكون من حيث يغلب على ظنهم أنهم غارقون في الضحك.

نطق زميل لي وقد داعب السمك الذهبي خياله المتقلب بين صنوف الأطعمة في ذلك اليوم الرمضاني المديد: أدفع عمري مقابل التهام سمكة واحدة، وقال آخر –وكان مدمنا على ألعاب القمار بكل أنواعها- من يراهن على اسم السمك مقابل تذكرة لولوج السينما؟ الفيلم المعروض حاليا حاز على أكثر من جائزة، وضَج الطلبة بالصراخ في محاولة لكسب الرهان، نظر الأستاذ نظرة ملأى بالأسى لِلَهْفَتِنا على التذكرة، كنت حائرا في فهم حزنه، أحزينٌ لأننا جزء لا يتجزأ من أولئك البؤساء؟ وربما نفوقهم بؤسا من وجهين إذْ أدركنا حقيقة وضعنا فاخترنا أن نكون واقعيين ونحن نحاول الظفر بثمن التذكرة ما دام الأمر ممكنا وما دام السمك الذهبي ضربا من ضروب المحال، ولأننا نحمل على عاتقنا مسؤوليةً أعلَنا بعفوية تملصنا منها رغم أنها ستظل حية في ضمائرنا تَخِزًنا بين الفينة والأخرى، فنحن لذلك بين مطرقة الجوع وسِنْدان الوخز، أم تُرى الحزن ساوره لأننا عزفنا عن مواصلة لعبة الفضح؟ فنحن شعب يحب ستر كل شيء إلا عورات نسائه؟ وَكَزَنِي زميلي في المقعد بمرفقه فأخرجني من دوامة تحليل معاني نظرات الآخرين ثم قال: الليلة ستحيي الراقصة حنان سهرة رائعة أدعوك لحضورها، وقد أخذْتُ تذكرتين من والدي واحدة لك والأخرى لي، لن آخذ منك غير نصف ثمنها، وبالمناسبة حنان ترقص شبه عارية، وتتلوى بطريقة سيعجز أستاذنا حتما عن فك رموزها، وأراهنك أنه لو رآها سينسى كل قمامات الدنيا وأسماكها وسينخرط في هز وسطه مع الجموع، حينها فقط تأَكَدْ أن كل الفوارق الطبقية ستذوب، وسينجح الرقص في صنع المعجزة التي عجزت عنها نظريات المفكرين والساسة، وانخرطنا في ضحك مكتوم ونحن نرسم لأستاذنا الوقور صورة نزقة راقصة في خيالنا، والحق أنني أصغيت بكل جوارحي لحكمة زميلي وعجِبْتُ من سطحيته وعمقها لأنه مصيب إلى أبعد حد، كلنا يرقص لا فرق بيننا وبين هؤلاء الذين يزدريهم أستاذي، نحن نرقص رقص الدجاجة المذبوحة من الألم، ويرقصون نشوة بالتواءات الساحرة حنان، نظرت إليه مندهشا، أإلى هذا الحد يَجْعَلُكَ التعطش إلى دراهمي فيلسوفا؟ على كل حال شكرا على كرمك الحاتمي معي، ستزيدني رؤية حنان غما على غم، سأكتشف أنها أكثر شجاعة مني ومنك ومن كثير من هؤلاء الذين يُطِلون علينا عبر شاشات التلفاز بِبِزاتهم الأنيقة وربطات عنقهم الغالية، وهم يُتَمْتِمُون ألف مرة بين الكلمة والأخرى تاركين لنا المجال لنملأ الفراغ بما يناسب، يقينا منهم أن الكلام أصبح بلا معنى، إنها تملك كل الجرأة لتتعرى لكنهم يتسترون خلف مئات الشعارات الكاذبة ونحن أيضا لا نختلف عنهم في شيء، لأننا نستتر عن ذواتنا، لنقل أننا درسنا وتعلمنا على رأي التاجر البخيل الذي أعياه الجري خلف لص خطف منه مبلغا من المال فدعا ربه وهو يلهث: "اللهم اجعلها صدقة على روح والدي" ، ولنقل أننا نناضل بكل ما أوتينا من قوة لتحقيق آمال آبائنا وأحلامهم، لكننا لن نقول أبدا أننا نُضَيِعُ الدراهم التي يقتطعها ذوونا من قوتهم في اقتناء قنينات البيرة اللذيذة وفي استجداء الابتسامات من ثغور الغيد الكواعب الحسان الوجوه القبيحات الأخلاق، لن نقول بأننا حَولْنا رحاب الجامعة إلى ملهى كبير لا يختلف في شيء عن ذلك الذي ترقص فيه حنان، إيه يا حنان قَبِلْتِ بكل تواضع أن يصفك هذا الوقح الذي يقاسمني مقعد الدراسة أو لنقل إمعانا في التعري ولو مرة قي حياتنا مقعد المقهى بالعاهرة. قفز سؤال إلى مخيلتي ما العهر؟ الجواب جاهز حتما أن تبيع المرأة جسدها مقابل مبلغ من المال، حمدت الله وأثنيت عليه في سري فالعهر إذا يخص الإناث دون الذكور، ولن يلحقنا عار هذه الصفة في كل الأحوال، ثم طرأ على فكري خاطر مؤلم، ماذا لو اتسع التعريف ليشمل بيع المبادئ والمُثُل؟ وليشمل الذكور والإناث؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الجسد أقل قيمة من المبدأ، وإلا لما جازف صُناع التاريخ بذواتهم خدمة لمبادئهم، كفى...أرفض الإنصات لهذه الهواجس تزداد إلحاحا...ليست حنان العاهرة الوحيدة في عالمنا ,إنها الأكثر تكشفا وحسب, وماذا عن أصحاب البِزات الأنيقة ألم يبيعوا كل شيء في سبيل مناصبهم؟ مهما تكن المبيعات محسوسة أو غير محسوسة فالعبور إلى بحر الرذيلة متوقف على مشروعية البيع من عدمها، لا على صفة البائع، أعرف الكثير منهم عاشوا الحرمان ودافعوا عن المحرومين وحين وثقوا بهم لبسوا بزات أنيقة وراحوا يملؤون بطونهم سمكا ذهبيا، تركوا العميان على غير هدى باعوهم بطبق شهي، أيُهم أشرف حنان أم هؤلاء؟ هل يدخلون في مسمى العهر؟ حاشا، أي خاطر خبيث هذا؟ هم طبعا أشرف،ورحت أقنع نفسي...إنها تتكسب من عرق التواء الجسد، ويتكسبون من عرق التواء المذهب والمبدأ، وما دمنا نقر بأفضلية المبدأ على الجسد فهم حتما أشرف، إنهم شرفاء رغم أنفنا لا يمكن أن يكونوا غير ذلك... وماذا عنا نحن؟ لقد بِِعْنا ألمنا المُمِض من عَجْزِنا عن تنوير دروب العميان براحة مستعارة مبعثها إيماننا بأنه ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن... ثم وبشكل مفاجئ رُحْتُ ألعن وأسب، أيها الوغد ألم تجد وقتا غير رمضان لتدعوني فيه إلى الإثم؟ قال محتجا: أُقسم بالله أن العرض يبدأ بعد الإفطار، لم أمهله: اذهب أنت وعاهرتك إلى الجحيم، كنت أشتم عَجْزي وجبني بينما راح زميلي يتلوى مقلدا حنان التي رآها مرات ومرات واستمتع بتمرير نظراته الوقحة على جسدها الفتي، كان مسرورا بسخريته وكنت مشمئزا منه ومن نفسي وأنا أتفرج في مخيلتي على صورتنا الفاضحة، كان أستاذنا قد أنهى محاضرته ولملم أوراقه وغادر قاعة المحاضرات، الهرج والمرج يعم القاعة، لم يَبْدُ على أي منا أنه استوعب شيئا، كان الكل ينتظر لحظة الانطلاق..




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !