مواضيع اليوم

ثنائي الحكم في السودان والحلاقة في الرأس الأصلع

مصعب المشرّف

2009-12-25 10:00:47

0


ثنائي نيفاشا والحلاقة في الرأس الأصلع

  مما لا شك فيه أن اتفاق سلام نيفاشا قد خبز على عجل ودون تخمير والدليل على ذلك إستمرار الصداع النصفي الذي أدى إليه هذا الإتفاق لاحقا عقب دخول الحركة الشعبية إلى العاصمة الخرطوم ودوشة الصراخ على المنابر وكفاح الإنترنت التي بات يمارسها بعض من لا يعرف ماذا يريد أو حجمه الحقيقي أمثال بافان أموم وبطانته من شيالين وطبالين وكومبارس جنوبي وأزرقي وشمالي يرغبون في الحصول على مكاسب شخصية تحت ظلال الأوضاع الإستثنائية والحلول الإسترضائية التوفيقية التي يرمي بعظامها إليهم كل من يمسك بمقاليد السلطة المركزية من الشماليين.
أكبر الأخطاء التي جاءت بها إتفاقية نيفاشا أنها أعطت أعضاء الحركة الشعبية إنطباع غير سليم بأن الشمال يرغب في مواصلة مسيرة الوحدة مع الجنوب بأي ثمن وعلى أي بساط باهظ التلكفة ....
ولا ننكر بالطبع أن الحرس القديم من رجال السياسة وقطاعات كبيرة من الجيل القديم المستنير كان ولا يزال من تبقى منهم على قيد الحياة يتمسك بالوحدة كشعار أو قناعة راسخة مع عدم السماح لمجرد طرح فكرة إنفصال الجنوب عن الشمال..... ولكن هؤلاء باتوا الآن في عداد الأصابع ولا يمكن التعويل على آرائهم كجيل على وشك الرحيل .. ومن ثم فلا يعقل رهن مستقبل الجيل الجديد وتوريثه مكابدة وضياع الوقت في مسرحية حلق الرأس الأصلع لمجرد مماشاة أحلامهم.
وحيث لا توجد لدينا بوصفنا في ذيل قائمة شعوب العالم المنغمسة في التخلف .. لا توجد لدينا إستعدادات نفسية وحضارية أو تقنية لممارسة شفافية من قبيل إجراء إستقصاء لتوجاهات الرأي ؛ فإنه لا يمكن الجزم بأن الشمال يرغب في الوحدة من عدمه ... ولكن عدم إهتمام الشارع الشمالي العادي بهذا الإستفتاء ربما يعطي مؤشرا واضحا بأنه لا يهتم على الأقل بنتيجته سلبا كان ذلك أو إيجابا.
والذي يجب أخذه في الحسبان هو أن الكثير من الأفكار والقناعات قد تغيرت وتبدلت خلال الخمس والخمسين سنة الماضية ؛ وبات هناك جيل جديد يسعى على الأرض يحمل توجهاته الحياتية ومشروعاته الخاصة به بعيدا عن رومانسية الأجداد والآباء ... ويرغب (وله الحق في ذلك) في تلبية إحتياجات ملحة لواقع معاش . وبحيث لايمكن تحقيق ذلك في ظل حروب ونزاعات مجانية غير منطقية المنطلق والمصدر بل لمجرد أحقاد وتوترات تاريخية وتنطيط قرود الشيتا من أمثال بافان أموم وبطانته جراء معاناة من عقد نفسية وأوهام بالدونية ومواطنة الدرجة الثانية والرغبة في خلق شعبية في الحنوب من خلال معاداة الشمال والظهور بمظهر طرزان الغابة الأسود المتمرد المختلف ، وكأنّ ذلك هو خبز الحياة الشعبية الجنوبية العامة وإدامها الطازج وماؤها الزلال في السودان وخارج السودان.
من ناحية أخرى يعاب على حزب المؤتمر الوطني أنه سافر لتوقيع إتفاق نيفاشا وحده متجاهلا حقوق غيره من أبناء الشمال رغم النصائح .. وقد كان أن جاء الإتفاق على هذا النحو المتوقع من الثغرات الجوهرية المعيبة التي لم يسلم معها حتى الاتفاق على كيفية تحديد المصير بشكل واضح تاركين الحل لمصادفات وحظوظ الثواني الأخيرة.
والكيفية والأسلوب الذي تعامل به المؤتمر الوطني داخل البرلمان السوداني مع مسألة التصويت على لوائح وبنود وشروط إستفتاء تقرير المصير جاء مرتجلا متسرعا رغبة منه في فرض واقع بالقوة على شريكة وزوجة ناشز لا تخاف منه بل وتستحلى التمنع عليه والتمرد في مواجهته ومضاجعة ذكور من الشماليين غيره على الهواء مباشرة .. كل هذا جاء بإنعكاسات سلبية على حزب المؤتمر وحكومته ليس أقلها إجباره على التراجع والخضوع لرغبة الحركة خلال أقل من 24 ساعة.... وعلى نحو ربما يثير تساؤلات كثيرة حول مدى التنسيق الداخلي وكذلك ما تتمتع به بعض القيادات التنظيمية والسياسية في هذا الحزب من مؤهلات تجعلها قادرة على التعامل مع الغير من وحي الإحترام للرأي الآخر وليس بمفهوم وتصرفات حاضنات في عنبر مواليد خـدّج.
والإجابة أنه عادة ما تحيط المناصب العامة أصحابها بهالات من الوجاهات والعبقرية الكاذبة .... ودائما ما يتبدى ذلك أكثر في ساحات الأنظمة الشمولية حيث (الإختيار) والتعيين العاطفي للتصعيد هو الفيصل وليس (الإنتخاب) القاعدي الطبيعي للمواهب .....
ومن الصعب على الشعب في الشمال والعالم من حولنا أن يبتلع مثل هكذا قرار تلاه قرار معاكس حين نكص البرلمان على عقبيه بعد أن سارع المؤتمر الوطني خلال 24 ساعة بلحس نتيجة التصويت في البرلمان وأعلن العودة للجلوس مع الحركة الشعبية بهدف التعديل. ... وهو الأمر الذي أدى إلى إنكشاف حقيقة أن البرلمان مجرد واجهة وهمية والأعضاء فيه مجرد طراطير لا يمكن التعويل على مواقفهم جملة كان ذلك أو تفصيلا.
لماذا لا يحترم المؤتمر الوطني رغبة الجنوبي إذا كان يريد الإنفصال حقا ؟؟ وما هي الفائدة التي سيجنيها الشمال أو السودان قاطبة من فرض وحدة قسرية على البعض ؟؟
لقد جرب الشمال كل الأساليب من قبل سواء العسكرية والسياسية والدبلوماسية أو شراء ولاءات قيادات وزعماء الجنوب بالأموال والأراضي والفلل والسيارات وحتى الوجبات الثلاثة وأقداح الواين وكؤوس الويسكي وأكواب البيرة . فماذا أدى إليه كل ذلك؟؟ هل جلب السلام في الجنوب ؟؟ بالطبع لا .. بل أنه زاد الطين بلة حيث تكاثر على مر السنوات عدد القيادات والزعامات الجنوبية المقيمة في الشمال والتي تبتز حكومات الخرطوم وتطلب وتستنزف المزيد من الهبات والعطايا دون وجه حق ....
وكان أكثر ما يثير الإشمئزاز والغثيان أن بعض هذه القيادات بمن فيهم بافان أموم ولا يزال يجلس تحت التكييف يزدرد البيتزا والمشاوي ويصب في جوفه أكواب عصير الليمون بحسب الأحوال في قلب الخرطوم دون أن ينسى المطالبة في نفس الوقت بالإنفصال عن الشمال.
ومن ناحية أخرى فلا يجوز للمؤتمر الوطني أن يعلل تقلبات مواقفه بشأن تنظيم قواعد إستفتاء تقرير المصير ... لا يجوز أن يعلل ذلك بحجة أن الحركة الشعبية لا تمثل كل أبناء الجنوب لأنه وببساطة وإذا كان الأمر كذلك فلم جلس معها وحدها في نيفاشا؟؟ ولماذا إكتفى بالتوقيع معها وحدها؟؟ ثم لماذا يعود فيلحس تصويت نوابه في البرلمان ليجلس معها؟
إذا كانت الحركة الشعبية ترغب في إحتساب نتيجة إستفتاء تقرير المصير وفق قاعدة 50 + 1 فليكن ولم لا؟؟ فإنفصال بمعروف خير من إمساك بحروب وصداع نصفي مزمن كان الشمال ولا يزال يدفع ثمنه من فلذات أكباده وموارده ومستقبله وإزدهاره طوال 55 سنة أو يزيد.... بل لا جدال في أن تخلف الشمال عن ركب الغير من العرب في مصر وسوريا على سبيل المثال إنما يعود سببه بشكل اساسي لمشكلة وحروب الجنوب التي أكلت الأخضر واليابس وشغلت عن التفكير في التخطيط لتحقيق مستقبل واعد.
إنني على قناعة من أنه لو كان لدينا تقنيات متوافرة لتقصي توجهات الرأي العام لإكتشفنا أن أكثر من 85% من أبناء الشمال يؤيدون إنفصال الجنوب ومع 1000 سلام...... ليس لأن الشمالي يكره الجنوبي ؛ ولكنه ببساطة يجد أن المسألة باتت مثل ساقية جحا ولا طائل من ورائها ؛ وإذ لا يعقل الحياة هكذا والعلاقة بين الجابين على كف عفريت حتى قيام الساعة....
إنه ظلم للشمال أن يرهن نفسه ومستقبله وإمكانات إزدهاره لجنوب لا يرغب في مواصلة المسير معه على نحو عقلاني مثله مثل غيره من دول العالم الأخرى ..... لقد ظل الجنوبي ومنذ إستقلال السوداني يتعايش مع الشمالي وفق قناعات (الحق الخاص) والمعاملة الإستثنائية شرطا لإستمرار سكوته عن المطالبة بالإنفصال أو دخول الغابة كمتمرد .... فإلى متى يستمر هذا الحال المزري ؟؟؟
وبدلا من إضاعة الوقت فيما لا طائل من ورائه فإن على الحكومة المركزية أن تعد منذ الآن الخطط الكفيلة لمواجهة إحتمال إنفصال الجنوب قبل احتمال الوحدة على وجه سلس . وذلك من قبيل حصر أعداد الجنوبيين الذين نزحوا للشمال بعد الإستقلال تمهيدا لإحتمالات نزع جوازات سفرهم وتعديل هوياتهم من مواطنين إلى أجانب مقيمين توطئة لإعادتهم إلى وطنهم في الجنوب .... وكذلك على الحكومة أن تقوم بتنبيه كل الشماليين المتواجدين حاليا في الجنوب بضرورة توخي الحيطة والحذر والعودة في إجازات مفتوحة قبل فترة معقولة من تاريخ الإستفتاء على تقرير المصير وإلى حين ظهور نتائجه حتى لا تتعرض حياتهم وأسرهم للخطر والإغتصاب أو تتعرض ممتلكاتهم للحرق وأموالهم وثرواتهم للنهب والسرقة مثل ما حدث من قبل خلال التمرد الأول أبان الخمسينيات من القرن الماضي......

 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات