مواضيع اليوم

ثقافة الخوف: المجتمع يفقد يقينه والإنسان يتهاوى

كلكامش العراقي

2009-12-04 19:45:14

0

على أهبة انتخاب ليس مسنوداً بثقافة مختلفة، ينخرط الناس في كرنفال شكوى يبدو محزناً في اشتباك صور ضحاياه المُعلَنين. الكل يتحسّر على سالف الأيام ويلعن “سنسفيل” الحظ العاثر والزمن الرديء، وبلا مواربة يبدو الناس متواطئين ضد أنفسهم في امتثالهم للسجّان الداخلي الذي يأتي أقبحَ أفعالهِِ من دون أن يرفَّ له جفنٌ. سجّان يتباهى باستئساده داخلنا لنُذعن لمؤسسة سجنه التي لا تتستر على عُريِّها بمساحيق وأصباغ.

أعرف هذا القبحَ وأعيشه منذ نحو ثلاثين عاماً وأًُلاحظ أنه كلما تقدم بي العمر أصبحتُ أكثر امتثالاً وجبناً . لكن في قراءتي وتشخيصي للوهن الذي أعيش وعياً لجبروت وبطش مؤسسة الخوف التي تتملكني . تجربة أنتجتها قسوة الامتثال عبر السنوات، وهو امتثال لدي لكل طارئ ودائم. حاولت أن أُفككَ نظام سجني وسجاني فلم أستطع، فهما تكثيف لعلاقات ضغطتها السياساتُ والقوانين فصرت كمثل ميثولوجيا رومانية أسفرت غزوات الفرسان فيها عن إنتاج سلسلة من العبيد والموتى الفرِحين بذلهم.

كسجين أبدي أشعر أحيانا أنّ عالمي أو سجني مُفرغ من المعنى ولا قيمة اجتماعية له، إلا في حدود ما ينتج من استلاب. 

سمعت أنّ في قريتي من يبيع متاع بيته ليعيش، وأنّ هناك من أقدم على ما لا يتصوره عقل في سبيل البقاء. من أعلمني بهذه القصة وسواها أضاف ساخراً : في السجن آلاف البشر، غالبيتهم تسحقها أعراف السجن ونحن مرشحون أن ننزلق إلى درك هذه الفئة التي تعيش حياة كأنها عقاب.

لهيب العذاب المستمد من المعرفة يثقل أوجاع أنفس تتداعى على مرأى منها وتتكاثف على نحو بطيء يُكرِّسُ لديها حُبَّ الألمِ والتماهي اللانهائي فيه.

وقد أغاظهم كل هذا الألم في واقعهم الاجتماعي الموجه بعناية لتأبيد ثقافة التسليم يلوحُ الأردنيون ويغمغمون بالنكد بعدما غدوا خبراء فى الامتثال بوصفه وليد الخوف المصدر الأول للخرافة، حسبما يرى برتراند راسل، الذي قال إن السيطرة على الخوف هي بداية الحكمة، أو ما يعني المعرفة الحقيقية للواقع العياني .

تطلق الثقافة المهيمنة رصاصاتها في كل الأنحاء وتُصوبُ سهامَها نحو الوعي أساساً فتصيبه في مقتل عبر تزييفه لإبقاء هيمنتها على المشهد، وهي لا توقف سعيها لحظة ولا تكف عمّا دأبت عليه خشية بزوغ ثقافة أُخرى وليدة، في مسعى متواصل لوأد التفكير في بعثها، ما يُذكر بمرامي مقولة أحد رجال الثورة الفرنسية حين قال قبيل إطلاق الرصاص عليه: “رصاصة واحدة تكفيني دع الباقي لبريء آخر”. قول الثائر أضحك الحاضرين بينما أثار حنق خصومه، الذين أدركوا المرامي العميقة للكلمات التي تفضح سر الإصرار على أن يطلق السجّان رشقة رصاص على شخص فيما رصاصة واحدة تتكفل بنقله إلى العالم الآخر.

شيوع مفردات الخوف وترسخها في التداول الشعبي تشي بتوترات نفسية اجتماعية، وتُجسد حالات من الخيبة والخوف والقلق والضياع الذي يطارد الناس في واقعهم الذي تفوح منها رائحة الانهزام.

لا يتيح الخوف المستحكم طرق بوابات المسكوت عنه، ما يفسح المجال واسعاً أمام لغة الهذيان المتناسل في بنية عنقودية كل خواء فيها ينتج مزيداً من الخواء.

حين يُسيطر الغموضُ والخوفُ على حياة الناس يصبح الضعف والانغلاق محددين لمصائر الناس والأمكنة التي تتشابه هي الأخرى تحت وطأة القسوة وما تضفيه من ألم وبؤس يطفوان على بحر من خيال مشبع بمعاناة تعطي للحياة مشهدها الرتيب.

ولأنه نزعة غريزية ونتاج علاقة القوة والضعف الإنساني يصبح الخوف ثقافة ذات أعراف تنمحي معها وبها القدرة على الشجاعة والإحساس بالكرامة، لمصلحة الشمولية والطغيان. فالمجتمع في ظل الاستبداد يتأصل ضعفه وتغيب جرأته ويفتقد الثقة بنفسه وبمحيطه، ويصبح مع الزمن فاقداً لليقين ومنتجاً للتلقين والامتثال.

نحن جموع تخاف سلسلة من السطوات المتوارثة عبر الزمن، وفي مقدمها سطوة الأب والأسرة والعشيرة والتقاليد، والمجتمع، والمدرسة والسلطة التي أفضت هيمنتها علينا إلى إذعان جواني ونفسي، وهو أخطر تجليات الخوف. 

الأنكى في المشهد السوداوي أن تذهب الثقافة العامة بصفتها نتاجاً لتزييف الوعي إلى حد تبجيل الضحية لذابحها، في لحظة تؤكد أن الإنسان فقد حريته مطلقاً لخطب ودِّ الاستبداد في تحوله إلى وسواس وسرطان ينخران مجتمع الرعايا لا المواطنين. 

عبر الزمن لم تكف السلطة العربية عن ملاحقة الوعي والعلماء والسياسيين والمختلفين عموما، وهي بذا تقتفي أثر أبي الهدى الصيادي، الذي كان “شيخ الإسلام” في أواخر سنوات الدولة العثمانية في مطاردته لجمال الدين الأفغاني، وعبدالرحمن الكواكبي وسلسلة طويلة من القامات التي يحفظها التاريخ كمنارات يُهتدى بها مدى الزمن. 

بعد هزيمة حزيران(يونيو) 1967 كتب الراحل نزار قباني : 

حين يصير الناس في مدينة 

ضفادع مفقوءة العيون، 

فلا يثورون ولا يشكون، 

ولا يغنون ولا يبكون، 

ولا يموتون ولا يحيون، 

تحترق الغابات، والأطفال والأزهار، 

تحترق الثمار، 

ويصبح الإنسان في موطنه، “أذلَّ من صرصار...!”
 
 
سليمان قبيلات

نقلا عن "الغد" الأردنية 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات