مواضيع اليوم

تَلعبُ بالكُرَة

شيرين سباهي الطائي

2009-11-08 18:40:57

0

قال لي أبي : كانتْ بِمصر تعيشُ خالتي وابنتُها مع زوجها الفاضل والعالم الجليل محمد بن عبدالله بن زيدان الشنقيطي الذي كانَ يحظى في تلك البلاد بشهرة واسعة يدرّس فيها العلم الشرعي والمنطق وعلم اللغة العربية بالجامع الأزهر الشريف وجامع الحسين رضي الله عنه وعاشَ هناك حتى توفي ..

بعدَ وفاته بقيت خالتي رحمها الله تعالى ولبنتها التي لم تتعدّى العشر سنوات أو يزيد قليلاً ولم تكن تلك الأيام من السبعينيات الهجريّة أيامُ غنى ولا اتصالات ولا تواصل إلا ما يأتي به الحجاج من رسائل تصل من رأس العام إلى رأس العام الذي بعده،ولم يبلغنا ونحنث في الحجاز خبر بقاء الخالة وحيدة إلا بعد ستة أشهر ..

لمّا جاء النبأ بذلك الأمر جاءَ معه خبر آخر أزعج خالي محمد السالك الشنقيطي رحمه الله تعالى حيثُ أبلغتنا رسالة الخالة بأنّ ابن عمٍّ لابنة خالتي ادّعى أنّ والدها رحمه الله تعالى زّوّجَها له قبل وفاته وأنّه يرفضُ أن تذهب بها أمّها للحجاز عندَ أخيها وأختها التي هي والدتي لأنّها زوجته كما يقول،فقرّر خالي رحمه الله تعالى أن يخوض غمار البحر ويذهب إلى مصر في تلك الظروف العصيبة ..

وصلَ الخالُ إلى مصر وكان عالماً فقيها ذكيّاً فطِناً لما يسمعه وما يُقالُ له منذ صغره فأخذَ يستمع من أخته للقصة التي حاكها ابنُ العمّ هذا وأنّ الشيخ قد عقَدَ له القرانَ على البنت الصغيرة وأنها ـ أي البنت ـ قد رضيَتْ به زوجاً ولكنّ أمها قد حرضتها على الرفض بعد وفاته وقد أقام دعوى لدى القضاء المصري للمطالبة بها،ونام من ليلته يفكّرُ في كيفيّة الخلاص من رجل استكرى شُهداءَ زورٍ لمأربِه ..

أصبحَ من يومه وقد استقرّ في ذهنه بأنّ الحيلة هي سبيلُ الخلاص من هكذا قضايا خاصّة وأنّ الحاضرة المصريّة في ذلك العهد كانت قد سبقت المناطق العربيّة الأخرى في منع إجبار الصغيرات على الزواج وبدأت القاهرة في توعية الناس بأهمية أن يكون للزواج سنّ معين سوى في حالة ضيّقة ونادرة وقليلة ..

قال لأخته أن تُلقّنَ ابنتها بأنها مازالت طفلة تحبّ اللعب ولا تفقهُ كثيراً ممّا يُقال وأنّ حبّ اللعب قد أخذ من وقتها الكثير وألهاها عن تعليم أو حفظ لشيءٍ مما يحفظه الأطفال عادةً في هذا العمر،وخرج خالي من المنزل قبل موعد الجلسة وابتاع من أحد المتاجر القريبة من المنزل كرةً بلاستيكيّة نفَخها حتى أصبحت جاهزة للرّكل ..

أحضرها الخال للبنت الصغيرة وأوصاها أنها بمجرّد الدخول على مجلس القاضي مع أمها أن تحملها وتقذف بها في أنحاء المجلس غير آبهةٍ بالموجودين،وكانت الصغيرة الكبيرة تسمع ما يقال وتجدُ حرجاً كبيراً في التنفيذ لأنّ أمها قد علّمتها أدباً جعلَ ممّن ينظرُ إليها يظنّها امرأة راشدة ..

بدأت جلسة النقاش في مكتب القاضي بحضور المدّعي ابن العم الغاضب من منعه من زوجته كما يزعُم،وبدأت الصغيرة تقذف بالكرة يميناً وشمالاً مما أثار ابتسام القاضي في قلقٍ وحيرة واضحة على وجه خالتي الخائف من حُكمٍ يمنعها من اصطحاب ابنتها معها للحجاز،ولكنّ حيلةَ الخال رحمه الله كانت هي الطاغية على هذا الموقف الذي لم يدمْ فيه الصمتُ طويلاً ..

أنهى القاضي الجلسة بعدَ أن سمع من الاثنين بأن لا حقّ للمدعي في هذه الطفلة التي لم تبلغ الحلم بعد ومازالت تعلب بالكرة وتتقاذفها أمواج اللهو وعبث الأطفال،ووَعظَ ابن العم بأن يتقي الله عزّ وجل ويحاول أن يتصفَ بحياءِ الرجال الذين يمنعهم دينهم وخُلُقهم من اقتناص الفرص في ضوائق الحاجات ونوازل الدّهر ..

انصرفَ الخالُ سعيداً بهذا الانتصار وأخذ بيد أخته وابنتها حتى أوصلهم للمدينة المنورة في رحلة شاقة جسدياً ولكنها كانت ممتعةً معنوياً لما فيها من عودة للأهل ولقاء الإخوان وأفراد العائلة هناك ..

فاعلم يا بُني : بأن في القضاء جانبٌ كبير من النظرة الإنسانية والمقاصد الاجتماعية التي تفضحُ كل الأدلة المزعومة والمزوّرة وتجعل من المدّعي بهتاناً وظلماً في مأزق شديد نظير ما سيلقاه من تعنيف الحاكم الذكي صاحب النظرة البعيدة ..
 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات