تقرير من اعداد:
- جمال الديابي
- صلاح الدين لعريني
تقرير حول دور العمل الجمعوي في تحقيق التنمية المحلية
بقرية ايت ايكتل
في إطار التكوين الميداني لطلبة ماستر وحدة " التنمية المحلية والتحولات الاجتماعية"، كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط- اكدال. والخروج من قاعة الدرس، والتكوين النظري، ومحاولة اختبارها على مستوى الواقع من خلال البحوث الميدانية أو الخرجات الاستكشافية، مثل هذه الأخيرة التي نظمها الماستر بالكلية، جاء تنظيم هذه الخرجة بداية الشهر الجاري بتاريخ 01-07-2011، والتي دامت يوما ونصف، بتأطير الأستاذ "علي أمهان".
وعليه، فقد كان الهدف من وراء هذه الخرجة، بقرية "ايت ايكتل" التي تنتمي إلى جماعة "ولاد أبادو" في منطقة الأطلس الكبير الشرقي، على بعد مائة كلم من مدينة مراكش، و ب ثلاثمائة و ست و ستون كلم من العاصمة الرباط. وتقدر ساكنة القرية –حسب إحصائيات رسمية سنة 1994- ب 8834 نسمة، موزعة على 1288 محور؛ هو التعرف على خصائص المنطقة السوسيو-ثقافية وكذا الجغرافية، ودور العمل الجمعوي في تحقيق التنمية المحلية القروية بها، من خلال الوقوف على:
-معاينة المشاريع التنموية المنجزة بالمنطقة.
-التعرف على العوامل والأسباب الكامنة وراء تحقيق هذه المشاريع.
- التعرف على طرق تدخل العمل الجمعوي بالقرية.
- التعرف على الإكراهات والعوائق التي قد تحول دون تحقيق النتائج المتوخاة.
من خلال المعاينة الميدانية لبعض المنجزات التنموية بالقرية ( مدرسة جمعية ايت ايكتل، خزان المياه، مشروع شبكة الكهرباء، توزيع مياه سقي الأراضي الفلاحية، نادي رياضي...)، وبناء على مقابلات مع أعضاء الجمعية وعلى رأسهم الأستاذ علي أمهان، قدمت لنا مجموعة من المعطيات حول واقع العمل الجمعوي، وحدود مساهمته في تنمية القرية من خلال المشاريع المنجزة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتربوي-الثقافي، والرياضي أيضا، بحيث إن جل المعطيات المقدمة انصبت حول مشروع مدرسة "ايت ايكتل"، نظرا لأهميته داخل رهانات الجمعية. أما مجالات تدخل الجمعية الأخرى، فلم تقدم لنا بصددها إلا معطيات عامة، استقيناها من بعض المقابلات الفردية مع بعض من أعضاء الجمعية و بعض ساكنة القرية، لذلك سيتم التركيز في هذا التقرير على مجهودات الجمعية في المجال التربوي، من خلال مشروع مدرسة.
لعل أهم ما يميز العمل الجمعوي بقرية "ايت ايكتل"، نموذج "جمعية ايت ايكتل" هو امتلاكها لتصور استراتيجي، بعيد المدى للفعل التنموي، الذي لا يرتهن للآني واللحظي، بقدر ما يستند على تصور يتخذ من التربية والتعليم مدخلا أساسيا له لتحقيق التنمية بالمنطقة.
بالرغم من النتائج المحققة على أرض الواقع، التي تؤشر على وجاهة تدخل العمل الجمعوي "الاحترافي"، الذي يصب كل جهده حول قضية التربية والتكوين كخيار بعيد المدى، من حيث النتائج والانعكاسات على أنماط عيش الساكنة. فإن هناك العديد من الاكراهات والعوائق التي لا زالت تشكل عائقا أمام نجاح الجمعية في تحقيق الأهداف والمشاريع التي تطمح لها، لذلك فقبل التطرق إلى هذه الاكراهات، لا بد من الوقوف على مشاريع الجمعية ومجالات تدخلها.
1- التربية و التعليم:
في ظل العراقيل والتحديات المطروحة على قطاع التعليم بالعالم القروي عموما ، وما يرتبط به من ظواهر، ك(الفشل الدراسي، الهدر المدرسي، عدم اندماج المدرسة في محيطها بالعالم القروي..)، فان جمعية " ايت ايكتل" وعيا منها بهذه الاكراهات، وإحساسا منها بأهمية التربية و التعليم في تكوين أبناء القرية وتزويدهم بالقدرات والمهارات التي من شانها أن تساعدهم على تحسين أوضاعهم السوسيو-اقتصادية، وتحقيق الاندماج السوسيو-مهني، اتخذت من التربية و التكوين مدخلا لاهتمامتها، وسخرت جل طاقتها لذات الغرض.
وسعيا منها لبلوغ هذه الغاية، جاء مشروع بناء وتأسيس المدرسة بالقرية نهاية التسعينيات من القرن الماضي 1995، بدعم من مؤسسة "BMCE"، وبمشاركة سكان القرية، ودعم بعض الأفراد المهاجرين المنتمين للقرية.
هذه المدرسة تمتاز، بموقع جغرافي استراتيجي يتوسط المحاور (الدواوير) المحيطة به، مما يسهل تنقل التلاميذ إلى المدرسة، ويحد من تبرير بعد المدرسة عن مقر السكن، الذي يحول دون تعلم الفتيات أساسا، أو يساهم في انقطاع الفتيان عن متابعة تكوينهم الدراسي.
ومدرسة ايت ايكتل تزاوج بين التعليمين النظامي و غير النظامي:
- على مستوى التعليم النظامي:
تتخذ من اللغة الامازيغية، لغة للتواصل، باعتبارها اللغة المحلية لساكنة القرية، ذلك أن هذا الاختيار له أهميته في تحقيق التواصل داخل الفضاء المدرسي بين مختلف الفاعلين ( الأساتذة، التلاميذ، الآباء) ويساهم في جعل المدرسة مؤسسة ذات امتداد للوسط الاجتماعي للتلاميذ، ويحافظ على انتماءهم اللغوي و الثقافي، مما يساعد على اندماجهم في وسطهم السوسيو-ثقافي.
تعتمد المدرسة منهجية خاصة في تدبير سنوات المسار الدراسي للتلميذ، إذ تحددها في خمس سنوات بدل ست كما هو معمول به بالتعليم الابتدائي العمومي الرسمي. غير أن الامتحان الموحد الخاص بقسم السادس ابتدائي يتم اجتيازه كما هو مقرر رسميا من طرف الوزارة الوصية.
ويبلغ العدد الإجمالي للتلاميذ 152 تلميذ وتلميذة المسجلين في الموسم الدراسي 2010-2011، مع العلم أن عدد التلميذات أكثر من عدد التلاميذ.وبالنسبة لأفواج التلاميذ الذين مروا بالمدرسة سابقا، فقد بلغ عدد التلاميذ الذين سيرشحون لاجتياز امتحانات الباكالوريا ( أول دفعة)، 12 تلميذا من اصل 38 تلميذ، أي ما يعادل الثلث.
- على المستوى الغير النظامي:
يوجه أساسا للأمهات والفتيات اللواتي تتجاوز أعمارهن السن القانوني للتمدرس، وقد انتهجت الجمعية برنامجا متطورا لمحو الأمية استهدف 75 أم وفتيات غير متزوجات تتراوح أعمارهن بين 16 و20 سنة، هذه الفئة التي استفادت بشكل واضح أيضا من تكوينات مهنية تهم قطاع النسيج أساسا. وقد ساعدهن هذا التكوين في تدبير مشاريعهن المدرة للدخل ( بيع الحليب، تسويق الزرابي) مما ساهم في تحسين أنماط عيشهن.
1-1 المدرسة و النوع الاجتماعي:
تعد ظاهرة انقطاع الفتيات عن الدراسة وعدم إتمام مشوارهن الدراسي، من بين المشاكل المستفحلة بالعالم القروي المغربي عموما، وذالك لاعتبارات عدة، يأتي على رأسها:
-بعد المدرسة عن القرى أو عدم توفرها خاصة بالنسبة للتعليم الإعدادي والثانوي.
- عدم وجود وسائل نقل مدرسية.
- خوف الآباء على بناتهن جراء بعد المدرسة.
- سيادة أنساق ثقافية محافظة في العالم القروي، ترفض تمدرس الإناث، أو إتمامها للدراسة.
- عدم توفر أو محدودية القدرة الاستيعابية لدور الطالب و الطالبة لأفواج التلاميذ المنتقلة من التعليم الابتدائي إلى التعليم الإعدادي الثانوي...
ولتجاوز هذه الإكراهات التي تشمل عددا هاما من القرى في المغرب، ولإتاحة الفرصة لتمدرس الفتاة، سعت جمعية "ايت ايكتل" إلى إدماج وتفعيل مقاربة النوع في مشروعها التربوي التعليمي، سيما أنه قبل مجيء المدرسة سنة 1995، كانت نسبة التمدرس جد منخفضة بالقرية، إذ كانت تبلغ نسبة أقل من 20 % ، وكانت تضم 20 متمدرسا فقط من الذكور. إضافة إلى انقطاع الإناث عن الدراسة.
غير أن إحداث المدرسة من طرف الجمعية وشركائها، خاصة أباء وأولياء التلاميذ الذين تم إقناعهم بأهمية وفوائد تمدرس أبنائهم و بناتهم، إذ أصبحت عندهم عملية تسجيل الأبناء بالمدرسة واجبا؛ كان بمثابة حل لهذه المعضلة، التي كانت تعانيها ساكنة القرية، خاصة انه استهدف بالأساس تمدرس الفتاة وتوفير الشروط الضرورية والمناسبة لمتابعتها للدراسة.
وعليه لم يعد المنزل هو المكان الطبيعي للفتاة القروية، بل أصبحت المدرسة فضاء آخر للتعلم وصقل مهاراتها وقدراتها المعرفية، فحسب ما صرح به، أعضاء الجمعية وأساتذة المدرسة الذين ينتمون إلى نفس المجال الثقافي واللغوي، أن التلميذات أصبحن يحققن نتائج متقدمة بالمقارنة مع التلاميذ الذكور. إلا أن عدم توفر إعدادية بالقرب أو في القرية لازال يطرح مجموعة من التحديات ويهدد مستقبل متابعة الفتاة لمسارها الدراسي، الأمر الذي دفع بالجمعية إلى التفكير في إنشاء إعدادية- ثانوية بالقرية.
وتكمن أهمية تمدرس الفتاة القروية لدى فلسفة الجمعية بالأساس، في المستوى التربوي-التنشئوي، خاصة أنها مشروع أم في المستقبل، ونظرا لأهمية التربية والتنشئة الاجتماعية وما تتطلبه من مهارات، فإن تمدرس الفتاة سيمنحها الكفايات والمعارف اللازمة التي ستؤهلها للتفاعل مع السياق الذي يتم فيه الفعل التنشئيوي. ولعل هذا ما تعكسه عينات من الفتيات اللواتي مررن بهذه المؤسسة؛ إذ وقعت ثلاث حالات زواج بين أساتذة بالمدرسة وتلميذاتهن سابقا، بشهادة أحد أعضاء الجمعية في احد اللقاءات التي تمت بالمقر معهم.
2-1 منهجية التكوين والتعليم:
تطرح المناهج والبرامج الدراسية المعتمدة في التعليم العمومي الرسمي، العديد من الاكراهات، تتمثل أساسا في عدم انسجام محتوياتها مع الثقافات المحلية، وعدم استجابتها أيضا للحاجيات المطروحة لدى المتمدرسين في مجالاتهم الثقافية والاقتصادية وكذا الجغرافية. مما قد يجعل من المدرسة عنصرا غريبا على محيطها السوسيو ثقافي والاقتصادي المحلي، تنتج عنه عوائق أخرى ترتبط أساسا بفشل العملية التعليمية- التعلمية برمتها.
ووعيا منها بهذه العوائق وبأهمية العمل على تجاوزها، انتهجت جمعية "ايت ايكتل" لمشروعها التربوي التكويني سياسة تعلمية تنسجم مع الخصوصيات المحلية للقرية، سيما إن المرجعية المؤطرة لتدخل الجمعية في الفعل التنموي، تقوم على ثلاث مبادئ أساسية تتمثل في:
- اعتماد المقاربة التشاركية في صياغة وبناء وتتبع وتقييم مشاريعها .
- اعتماد التصور القاعدي (القرار ينبع من الجماعة كقاعدة).
- اعتماد النموذج التعليمي الذي يقوم على ثقافة الواجب والمسؤولية.
بناء على هذه المبادئ، حرصت الجمعية على المستوى البيداغوجي، في اختيارها للمواد الدراسية مبدأ انسجام المحتوى المعرفي لهذه المواد مع حاجيات تلاميذ القرية، وبذلك تم تحديد بالإضافة إلى اللغة الأمازيغية كلغة للتواصل المواد الدراسية التالية: ( الرياضيات، اللغة العربية، اللغة الفرنسية، اللغة الانجليزية، التربية الدينية، التربية الصحية) باعتبارها موادا أساسية لتمكين التلاميذ من اكتساب الكفايات والمهارات الأساسية التي من شأنها أن تساعدهم على النجاح في مستقبلهم الدراسي.
وتفعيلا لهذا البرنامج، صاغت الجمعية بشراكة مع مؤسسة "BMCE" أولا، و وزارة التربية الوطنية ثانيا، مشروعين بيداغوجيين موجهين على التوالي للفعل التربوي التكويني عبر مرحلتين:
- المرحلة الأولى 2000-2003: اشترطت فيها مؤسسة "BMCE" تحديد الكفايات التي يجب بلوغها من طرف المدرسة، وقد نجحت هذه الأخيرة في بلوغ الأهداف التي تم التعاقد عليها مع الجمعية.
- المرحلة الثانية: 2004-2008: حددت فيها وزارة التربية الوطنية المعايير المعتمدة في المدارس العمومية بالتعليم الابتدائي، اشترطت فيها احترام المشروع البيداغوجي للجمعية لهذه المعايير، لكي يتحقق مبدأ توحيد محتويات المنهاج الدراسي والمقررات المدرسية، إلا أنه –حسب ما أدلى به مدير المدرسة- لم يقدم نتائج جيدة بالمقارنة مع المشروع الأول.
بالموزاة مع هذا تقوم المدرسة بتقديم حصص للدعم والتقوية للتلاميذ في المواد الأساسية التي يعانون فيها من نقص، لمواكبة التحصيل الدراسي بشكل سليم. ولتلقين المعارف وتمكين التلاميذ من اكتسابها بشكل جيد يعتمد المدرسون بالمدرسة على منهجية بيداغوجية تقوم على تنويع طرائق التكوين ونقل المعارف التي تتجاوز في بعض الأحيان أسوار المدرسة ،وتتخذ من الملاحظة المباشرة تتخذ من الإمكانات التي يتيحها الوسط الخارجي مختبرا لها والتعلم بالمشاركة منطلقا لها، بالرغم من الطابع الارتجالي الذي يسم هذه العملية، التي يبررها غياب الإطار التنظيمي و الوسائل الضرورية التي يشترطها أي فعل تربوي تكويني.
وبالرغم من أهمية الأنشطة الموازية ( أندية، مسرح، خرجات، ورشات...) فإن مدرسة "ايت ايكتل" لازالت تعرف نقصا في هذا المستوى نظرا للتعقيدات البيروقراطية المرتبطة بالجهات المعنية.
3-1 التدبير المؤسساتي للمدرسة:
انسجاما والتصور العام الذي تتخده الجمعية منهجا لتدبير شؤونها الداخلية، وتماشيا مع فكرة الديمقراطية التشاركية التي تؤسس للجماعة القاعدية، فإن منصب مدير المدرسة يخضع للاقتراع السري بين أساتذة المدرسة بشكل سنوي، يسمح لجميع الأساتذة الانخراط في تدبير شؤون المدرسة، سواء منها الداخلية المرتبطة بالعلاقة مع التلاميذ، أو الخارجية المرتبطة بالمصالح الخارجية. إذ يتم التنسيق مع النيابة والمصالح الإدارية المحلية الأخرى.
وحرصا من الجمعية على توفير فرص الشغل للشباب العاطل الحاصل على شهادة الإجازة، عملت على تخصيص غلاف مالي يقدر ب 2000 درهم كراتب شهري، لتوظيف البعض من هؤلاء الشباب الذين ينتمون إلى القرية، تجنبا لمشاكل التي من شأنها أن تترتب عن تعيين أساتذة يختلفون من حيث انتماءهم الثقافي والجغرافي واللساني (الأمازيغية) بشكل أخص. بغض النظر عن التخصصات الجامعية لشباب المنطقة، إذ يخضعون لمراقبة صارمة من طرف مؤسسة "BMCE"، التي تعمل على تنظيم ورشات تكوينية لأساتذة المدرسة مرة كل سنة على الأقل.
أما فيما يخص علاقة المدرسة بآباء وأولياء التلاميذ، فإنها تقوم على تعاقد جماعي بين جميع الأطراف المعنية بنجاح مشروع المدرسة، علما أن العلاقة التي تربط بين الأساتذة المدرسين وآباء وأولياء التلاميذ هي علاقة مباشرة وأفقية، تسهل على الآباء تتبع مسار أبنائهم الدراسي، وتلقي توجيهات ونصائح الأساتذة بشكل مباشر وحميمي أيضا.
مجالات تدخل الجمعية على المستوى المحلي:
كما تمت الإشارة سابقا، حول ضعف المعلومات التي تلقيناها على المستوى الكمي، المرتبطة بمجالات وأشكال تدخل الجمعية في تدبير الشأن المحلي و محاولتها الرفع من أداءه ومردود يته؛ فان تدخل الجمعية مس ويمس في نفس الآن العديد من الحاجيات الضرورية التي تهم ساكنة القرية من قبيل:
-الماء الصالح للشرب ومياه السقي: إذ عملت الجمعية على توفيره من خلال عقد شراكات مع جهات أجنبية ألمانية ويابانية– حسب ما ذكره احد ساكنة القرية- غير أنه حينما تم طرح سؤال الجهات الداعمة لمشروع الماء الصالح للشرب كان جواب الأستاذ علي أمهان: انه تمويل ذاتي- داخلي، لم تتدخل فيه تلك الجهات الأجنبية، وعلى العموم فتوفير الماء الصالح للشرب بالمنازل ساهم في الحد من المعاناة التي كانت تعيشها فتيات القرية، مما شجع آباءهن على تسجيلهن والسماح لهن بمتابعة دراستهن.
ووفرت الجمعية حاليا، خزانين من الماء، يغطيان حاجيات جميع ساكنة قرية "ايت ايكتل" بالماء الصالح للشرب، وبفضل انتهاج التدبير التشاركي للمشروع بين الجمعية والساكنة، فسعر استهلاك الماء لا يتجاوز ثلاث دراهم للطن الواحد مع إعفاء المجتاجين و الأرامل من تسديد فواتير الاستهلاك، وتسهر الجمعية على تدبير عملية تسديد الفواتير وتوزيع المياه على الساكنة.
أما بالنسبة لمياه السقي، فان الاقتصاد الذي تعتمد عليه ساكنة القرية يقوم أساسا على النشاط الفلاحي ( تربية المواشي، الزيتون، اللوز، إنتاج الحليب...)، وبما أن الموقع الجغرافي للقرية ينتمي إلى المجال الجبلي، فان عملية السقي ترتهن بالسقي البوري الذي يعتمد على المياه الشتوية، نظرا لصعوبة إيجاد مجاري منتظمة على المرتفعات والمنعرجات التلية والأخاديد الجبلية، التي يتم فيها عملية تشجير الزيتون واللوز والقمح...، غير أن أشجار الزيتون وباقي المغروسات التي تنتشر في السفح يتم تزويدها بمياه السقي الذي عملت الجمعية على تنظيم عملية توزيعه على أراضي فلاحي القرية.
-مشروع شبكة الكهرباء، إذ تم تزويد 121 عائلة بالكهرباء سنة 1996، وقد بلغت تكلفة هذا المشروع 750000 درهم، بمساهمة جمعية المهاجرين"AMD"، حيث استفادت نفس العائلات بمنحة قدرت ب473180 درهم، وقد انعكس هذا الدعم بشكل واضح ومباشر على تدبير الاستهلاك اليومي، وكذا ملاحظة أن جل المنازل أصبحت تتوفر على صحون مقعرة للالتقاط القنوات الفضائية، علما أن هذا اللجوء إلى الصحون المقعرة ليس اختياريا بل اضطراريا لكون القرية لا يصلها البث الأرضي للتلفزة الوطنية، وقد ساهم هذا الوضع في الحد من نزيف الهجرة القروية، وشجع الساكنة على الاستقرار بالقرية بل العودة إليها في بعض الأحيان، خاصة فئة الشباب التي أصبحت لا تجد حرجا في العودة إلى القرية والاستقرار بها بعد إتمامهم للدراسة الجامعية بمراكش أو اكادير، لم لا وفرص الشغل أصبحت متوفرة في القرية وبجانب أهاليهم و ذويهم باجر يضمن لهم العيش الكريم والاستقرار المادي؟.
السكن القروي:
إن أهم ما يميز السكن القروي ب"ايت ايكتل"، هو توسطه للمناظر الطبيعية والمشاهد النباتية، المحيطة به، التي تضفي عليه طابعا جماليا خلابا، بالإضافة إلى حفاظه على الهندسة المعمارية المحلية الموروثة عن الأجداد؛ حيث، أن عملية بناء المنازل يتم الاعتماد فيها على المواد واللوازم المحلية (الخشب، القصب، الحجر، الطوب...)، ويمتاز هذا البناء بكونه يلائم طبيعة المناخ المحلية والتموقع الجغرافي لها في دير التلال وسفوحها، التي تؤهلها لمقاومة سيل المياه وانجراف تربة الهضاب والتلال المحيطة بها، وهو ما دأبت الجمعية على احترامه في بناء مشروع المدرسة، الذي راعت فيه كل هذه الاعتبارات، التي لقيت استحسانا من طرف ساكنة القرية، وجعلت المدرسة في شكلها الهندسي وبنيتها المعمارية امتدادا طبيعيا لباقي أشكال البناء السائدة بالقرية.
غير أن أهم ما يميز التوزيع المجالي للمحاور والتجمعات السكنية المصغرة بالقرية، هو تشتتها الجغرافي في ربوع القرية على أكثر من محور، وهو ما يضمن للساكنة إحساسهم بالألفة وعدم الاغتراب. ولا يعكس في نفس الآن تشتتا على مستوى الروابط الاجتماعية ووحدة العلاقات التضامنية التي تؤطر الجماعة القاعدية بايت ايكتل.
خلاصة:
إن أهم ما يمكن استخلاصه من هذه الخرجة الاستكشافية الميدانية، هو أن نجاح العمل الجمعوي بالمنطقة الجبلية المعزولة في تخوم جبال الأطلس الكبير الشرقي، يرتبط أساسا ب:
-الرأسمال الاجتماعي السائد بالمنطقة، وما يتضمنه من قيم العمل المشترك والثقة بين أفراد ساكنة القرية
-دور النخبة المثقفة في استثمار هذا الرأسمال وتوجيهه لإشراك الجميع خدمة للتنمية المجلية بالقرية.
- توفر نسيج جمعوي كميا وكيفيا، يبلور مفاهيمه على مستوى الواقع، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات القرية.
- نهج مقاربة الديمقراطية التشاركية في تدبير الشأن التنموي المحلي الذي يقوم أساسا على مقومات الجماعة القاعدية.
لكن على الرغم من كل هذا، فان هناك مجموعة من الاكراهات والتحديات التي لازالت تعيق النجاح التام لهذه التجربة، خصوصا على المستوى التربوي التعليمي، حيث انه على الرغم من المجهودات التي بدلتها جمعية ايت ايكتل في توفير مدرسة بالقرية، فان إتمام المسار الدراسي لأبناء القرية يبقى في حاجة إلى تطوير المشروع بإحداث مؤسسة للتعليم الثانوي الإعدادي، للحد من ظاهرة المدرسي وانقطاع التلاميذ، خاصة التلميذات عن إتمام مسارهن الدراسي.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، هو إلى أي حد يمكن اتخاذ جمعية "ايت ايكتل" نموذجا للعمل الجمعوي الناجح يمكن الاحتذاء به لتحقيق التنمية المحلية القروية؟ والى أي حد يمكن تعميمه على باقي قرى و بوادي المغرب؟.
التعليقات (0)