مواضيع اليوم

تعليقا على مسلسل الجماعة ... الجزء الثاني

رضا عبد

2010-09-07 20:33:38

0

تعليقا على مسلسل الجماعة ... الجزء الثاني



لقد أشرت في الجزء الأول من هذا المقال إلى حقيقة هامة وهي تأثر الأسلوب والحوار الذي عُـرض بهما المسلسل بالتطور الفكري الذي بدأ يغزو العقول ويضيئها نحو نظرتها لجماعات الإسلام السياسي ، وهذا التطور كان الفكر القرآني عماده ، لأنه ومن خلال المشاهدة المحايدة لحلقات المسلسل نجد فيه نقله حضارية فعليه في الحكم على الناس و تقييم الأشياء ، وهذا التأثر بالكاد جاء من كثرة قراءة الكاتب وحيد حامد لكتاب الفكر القرآني وعلى رأسهم ما كتبه الدكتور أحمد صبحي منصور في توضيح حقائق هذه الجماعات وبعدها كل البعد عن صحيح الدين ، وبعد كل حلقة يزداد الكاتب في اقتفاء أثر الفكر التنويري القرآني في سرد الأحداث وعرضها ، ويظهر ذلك جليا في اهتمام الكاتب بالأحداث الهامة وعدم الدخول في تفاصيل حياة المرشد وأسرته من زوجة وأولاد ، فهو ركز على الحقائق و العبر والأحداث الهامة التاريخية المؤثرة دون تفاصيل ، كما لم يهتم بأي تفاصيل عائلية لأي من الشخصيات الهامة في المسلسل ، ونوضح هذا في السطور التالية:

1ـ الإسلام لا يفرق بين مسلم ومسلم إنما المؤمنون أخوة ، المسلم أخ المسلم لا فرق بين مسلم وأخر إلا بالتقوى.

2ـ جعل الجماعة بدعة

3ـ اعتراف المرشد نفسه أنه ليس مفتيا لكي يفتى في أمور الدين.

4ـ حقيقة هامة أن هذه الجماعة لن تظل جماعة دينية طوال الوقت فلابد أن تتجه للسياسة أو تتجه السياسة إليها وهناك حكمة تقول ((إذا أردت أن تفسد قديسا فعليك بشيئين إما السلطة والمنصب وإما المال)).

5ـ استغلال الجماعة لكل شيء وتحويله لمصلحة الدعوة حتى أنشطة الجوالة تم تحويلها لصناعة الشباب ليكونوا جنود الجماعة وأعضاء الخلايا السرية فيما بعد.

6ـ التركيز على تغيير البيئة المصرية كاملة وتشويه الهوية المصرية ، وذلك بتغيير أسماء أعضاء الجماعة وتشبيه كل عضو بأحد الصحابة بدعوى أن ذلك يبعث فيهم الحـَمِـيّـة ويدفعهم إلى القدوة الحسنة والأسوة الصالحة ، وتغيير اسم مقر الجماعة (معهد حراء) للرجال ، (مدرسة أمهات المؤمنين للبنات) ، ونادي الخندق ، ودار بدر ، فهي خطة لتغيير الهوية المصرية وشطب ملامحها لتحويل مصر لإمارة تتبع الخليفة القاطن بلاد الحجاز.

7ـ كيفية اختيار أعضاء الجماعة ـ وتركيز الجماعة على الشباب لأن رؤوسهم نظيفة ويمكن للمرء أن يسطر فيها ما يشاء ولديهم حرارة الشباب وهمته وعند الحاجة لصلابة الرجال فهم موجودون في طبقة البسطاء والفقراء والعمال وأهل السبيل.

8ـ مصلحة الجماعة و مساواة الملحد الذي لا يؤمن بالأديان بالإنسان التقي الصالح الذي لا يحترم النظام ولا يلتزم بالطاعة ولا يلتزم النظام الذي يفرضه المرشد وجعل كلاهما بلا نفع للجماعة وأن وجودهما يفسد الجماعة بالإضافة أن الإنسان التقي سيحدث فتنة في الجماعة لالتزامه الزائد وصلاحه.

9ـ العلم موجود في كتاب الله سبحانه وتعالى ولكل مجتهد نصيب ومقدار العلم الذي يحصل عليه المرء مرهون بمقدار الجهد الذي يبذله.

10ـ حسن البنا من مدرسة (رشيد على رضا) تلميذ (محمد عبده) والإشارة إلى أن الشيخ رشيد رضا قد اتجه فكريا في طريق يختلف تماما عن مدرسة أستاذه الإمام محمد عبده الذي كان إماما للتنوير.

11ـ من حق المرشد أن ينفق من بيت مال المسلمين مثل أي خليفة للمسلمين .

12ـ السمع والطاعة للمرشد بالمبايعة والمبايعة لا تكون إلا لرسول الله أو ولي الأمر والمرشد ليس وليا للأمر.

13ـ من يحاول مناقشة المرشد أو الاستفسار عن الأحوال المالية للجماعة فهو يعلن خروجه المعلن عن الجماعة.

14ـ جعل العقيدة الإسلامية الصحيحة والسليمة هي أن يؤدي الإنسان عمله ويتقنه حتى لو كان يعمل عند شخص غير مسلم.

15ـ بمن تأثر حسن البنا ـ تأثر بكل من الشيخ محب الدين الخطيب الذي كان متفوقا في تكوين التنظيمات السرية والعلنية في بلاد عربية كثيرة ،كما تأثر بالشيخ رشيد رضا ، كما أنه استفاد من كل التنظيمات التي قرأ عنها أو عاصرها مثل النازية في ألمانيا والشيوعية في روسيا والفاشية في إيطاليا وكلها كانت تنظيمات جبارة ومحكمة جدا ومن المؤكد أنه استفاد منها ، بالإضافة إلى أن التاريخ الإسلامي مليء بالتنظيمات السرية ومن المؤكد أن حسن البنا درس التنظيمات الشيعية باهتمام شديد ، ويؤكد هذا ما قاله عنه الشيخ عمر التلمساني أنه قرأ في الحركات الشيعية لدرجة التشبع.

 

16ـ الخلاف بين سيد قطب وحسن البنا والعلاقة الغير طيبه بينهما لدرجة جعلت سيد قطب يقول على حسن البنا (حسن الصباح) ، وهذه التسمية من سيد قطب يرجع سببها إلى قراءة حسن البنا في الحركات الشيعية فلابد أن يكون قرأ عن الحشاشين وزعيمهم حسن الصباح ومن المؤكد تأثر البنا به ويتضح ذلك في أشياء كثيرة : فالصباح والبنا كلاهما عالم ومفكر شديد التقشف يعيشان حياة خشنة ، الصباح كان يجند الشبان الصغار والبنا نفس الشيء الصباح كان يرسل الدعاة لإقناع الناس بأفكاره والترويج لدعوته والبنا نفس الشيء الصباح كون تنظيم قتالي والبنا كون تنظيم قتالي ، الصباح أطلق على أصحابه الرفاق ، والبنا أطلق عليهم الأخوان.

17ـ المرشد يرى أن العقيدة هي شرط الإيمان وإشارات واضحة للجهاد في سبيل الله ويصور لهم العذاب إذا واجههم أثناء الدعوة بأنه العذب الفرات وإن أجبروا على تركها ثبتوا حتى الممات .

18ـ تفسير المرشد لقوله تعالى (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله9) تفسير خاطئ بحيث جعل مواصفات وشروط الفئة القليلة أن يكون قوامها الشباب ورجالا أقوياء عندهم عقول وأصحاب علم.

19ـ اعتبار أعضاء الجماعة من الكبار وغير المتعلمين حمل على الجماعة يُـبطئ خطاها ويضعف قوتها ، ولذلك يجب التركيز على الشباب المتعلم بالخصوص لأن ما يُـعده هو جيش للمسلمين ولابد أن يكون جيش المسلمين من الشباب ، وفي نفس السياق يريد المرشد أن يدخل الشاب في الجماعة ويستمر فيها لتكون حياته ومذهبه وإيمانه وعقيدته ، فقال أحد أعضاء الجماعة أن هذا قد اتبعته أحزاب أوروبية كثيرة ، فرد المرشد معقبا نحن نأخذ من أوربا أي شيء مفيد لا يفسد علينا الإسلام.

20ـ التفكير في تغلغل الجماعة بين جميع فئات ومؤسسات الدولة الطلاب والموظفون في الدوائر والمصالح والهيئات والدواوين حتى بين ضباط الشرطة والجيش.

21ـ وعلى الجماعة أن تعزز نفسها بالأثرياء والوجهاء لتكتمل الصورة ، الجماعة ترحب بمشايخ الأزهر بشرط خضوعهم لشروط الجماعة.

22ـ الدعوة لدين الله تكون بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة ولا تجوز الخدعة لإجبار مسلم على أداء الصلاة.

ــ نشر نظرية المؤامرة بين شباب الأخوان وتصوير العدو الوهمي الخرافي الكبير الذي يريد تحطيم الإسلام.

23ـ اعتبار مقاطعة المرشد أو الاعتراض على ما يقول أو عدم قبوله وتصديقه ناتج عن ضعف الإيمان حتى لو كان ما يقوله المرشد قصة خرافية مثل قصة الشاب الذي شاهد في المنام ثلاثة أنبياء ، وأن خاتم النبيين نصحه بالرجوع لكتاب إحياء علوم الدين لـ أبو حامد الغزالي ، وأسهب المرشد قائلا أن الإيمان لا يأت إلا بالاقتناع الكامل.

24ـ لا يوجد إيمان حقيقي قائم على تصديق كل شيء نسمعه.

25ـ من أهم صفات الشخصية التي يجب توافرها فيمن ينضم للجماعة الاستعداد المطلق للسمع والطاعة.

26ـ نظرية المرشد أن إعداد الرجال أهم من تأليف الكتب فإعداد مائة رجل أفضل من تأليف ألف كتاب.

27ـ غزوة الجامعة بنشر الدعوة بين الصفوة من طلابها وهم أعضاء الأحزاب مثل الوفد ومصر الفتاة والوطني والأحرار الدستوريين.

29ـ التأكيد على حقيقة تعاون الشيخ رشيد رضا مع السعوديين للترويج للمذهب الوهابي في مصر ، وإظهار أن هذه حقيقة لا يجب إنكارها لأن السعودية تطبع كتب عنه كما تشتري كتب من الشيخ محب فالشيخ رشيد يدعو إلى ما يراه ويجتهد فيه.

30ـ مطالبة الشيخ رشيد بأن تهتم الجماعة بقضايا الوطن كما تهتم بقضايا الدين .

31ـ تقييم نشاط الجماعة من شيخ الأزهر وعلماءه واعتبار أعمال الجماعة نشاط محمود وهي محل اهتمام رجال الأزهر وعلماءه بما فيهم شيخ الأزهر.

31ـ مساعدة الأزهر للجماعة في نشر الدعوة عن طريق موافقة شيخ الأزهر أن تكون المساجد مفتوحة ومتاحة لشباب الجماعة لنشر الدعوة وإلقاء الدروس.

 

 

ومع هذا الجزء من البحث التأصيلي للدكتور / أحمد صبحي منصور ـ الذي يوضح فيه العلاقة التاريخية بين جماعة الأخوان والدولة السعودية.

 

ثالثاً: الصراع بين التدين المصرى والتدين النجدى:
الظروف العالمية فى الصراع الإسلامى الغربى هى التى أدت إلى تلك المواجهة بين مدرستين مختلفتين فى التدين، مدرسة مصر، ومدرسة نجد.
بدأ هذا الصراع العالمى بالفتوحات العربية التى حملت راية الجهاد الإسلامية زورا وبهتانا ، ثم أعقبه الغرب بحركة استرداد امتدت من الأندلس إلى آسيا الصغرى وحملات بيزنطية كانت تصل إلى حلب ودمشق، ثم تطورت حركة الاسترداد الغربى لتصل إلى حركة استيطان صليبى فى الحروب الصليبية، ثم تطورت أكثر إلى حركة عالمية للكشوف الجغرافية، ثم الاستعمار الحديث.
ومرحلة المواجهة بين نجد ومصر تقع ضمن توابع الزلزال الذى أحدثته الحملة الفرنسية على مصر والشام، تلك الحملة التى أفاق منها المسلمون المصريون على تقدم العدو الأوروبى {الكافر} الذى اقتحم على المسلمين ديارهم، وللرد على ذلك التحدى ظهر الاتجاه المصرى لليقظة والاصلاح بعد الحملة الفرنسية ، وقبلها ظهر الاتجاه "الاصلاحى" الآخر فى نجد فى الحركة الوهابية يريد الاصلاح بالعودة للسلف الصالح. ثم اصطدم الاتجاهان فيما بعد.


مصر حسب شخصيتها اختارت اتجاهها مع الوالى محمد على بالانفتاح على الحضارة الحديثة والاستنارة الدينية التى بدأها الطهطاوى، ثم تطورت على يد محمد عبده إلى رؤية إصلاحية إسلامية فوق المذهبية وفوق التراث الصوفى والتراث الفقهى أيضاً، رؤية تحتكم إلى القرآن الكريم فى إيجاد أيديولوجية إسلامية للدولة المدنية تلائم العصر ومنجزاته. ومصر بشخصيتها تتيح للعلماء حتى الوافدين منهم مناخ الاجتهاد والعبقرية، فعلت ذلك مع الشافعى والقرطبى والشاطبى وغيرهم من العلماء المصريين الآخرين بالمولد والنشأة، ولذلك كان طبيعياً أن تكون الاستجابة المصرية للتحدى الغربى انفتاحاً على التقدم الآتى من العدو الغربى على قاعدة التسامح، واجتهاداً فى الفكر الدينى يوثق الصلة بين الثوابت الدينية وثقافة البحر المتوسط على نفس قاعدة التسامح.
ولذلك لم يجد الوالى الطموح "محمد على" مشقة فى القضاء على أعمدة النظام القديم، من المماليك والحامية العثمانية وشيوخ الأزهر، وكان طبيعياً أن يرحب بالقضاء على الدولةالوهابية السعودية الوليدة فى نجد لأن دعوتها التراثية الماضوية الرجعية لا تختلف عن خصوم محمد على داخل مصر، ولذلك استجاب سريعاً للسلطان العثمانى وأرسل الحامية العثمانية بتقاليدها العسكرية البالية لتحارب الوهابيين السعوديين فى نجد ويتخلص من غبائها وهمجيتها وفوضويتها، وليضرب عصفورين بحجر واحد، حتى ينشئ جيشاً حديثاً يكون قوام الإصلاح والتحديث فى مصر

.
ولم يهتم محمد على بأكثر من القضاء العسكرى على الدولة السعودية، ثم انشغل بمشروعه الطموح فى مصر، ولم يدرك أن دولة دينية أيديولوجية مثل الدولة السعودية لا يكفى مجرد القضاء عليها عسكرياً بل لابد من مواجهتها فكرياً وثقافياً، ولم يعرف أن تلك الدولة التى قضى عليها عسكرياً سيأتى الوقت الذى تغزو فيه مصر فكرياً ومذهبياً.
لقد عاشت الدولة السعودية الأولى حوالى قرن من الزمان (1745-1818)م، وقد بدأت فيها مبكراً الاستجابة للتحدى الغربى ، قبل حملة نابليون بنصف قرن تقريباً، لأن النفوذ الإنجليزى فى الخليج وجنوب العراق وتخاذل العثمانيين أمامه كان يجرى أمام أعين أهل نجد، وهم بطبيعتهم يكرهون الغرب والغريب ولا يخضعون للأتراك إلا مكرهين، وإذا كان أسلافهم قد ثاروا على الخلفاء العرب من قريش تحت شعارات دينية فإنهم فى مواجهة الخلفاء العثمانيين وتخاذلهم أمام الغرب الكافر مستعدون للثورة بشرط أن توجد لهم أيديولوجية دينية، وهكذا كان الجو مستعداً لقيام الدولة الوهابية السعودية، كما كانت الظروف مهيأة لقبول الدعوة خصوصاً بعد تعاظم التدخل الغربى بالحملة الفرنسية ومناهضة انجلترا لها

.
ولذلك فإنه لم يكن منتظراً أن تنتهى الدعوة الوهابية بعد سقوط دولتها السعودية الأولى وتدمير عاصمتها الدرعية، وقتل حاكمها فى الأستانة. فقد استطاع زخم هذه الدعوة أن يعطى لأهل نجد تميزاً على غيرهم، إذ اعتبروا غيرهم من المسلمين كفاراً يعبدون الأضرحة والأوثان، لذا كان سهلاً أن تستطيع الدعوة الوهابية أن تقيم الدولة السعودية الثانية سريعاً (1821-1889)م، ولكن تصارع الأمراء السعوديين جعل هذه الدولة الثانية محدودة الأثر وأسقطها فى النهاية.
وأخيراً قامت الدولة السعودية الثالثة بقيادة عبد العزيز بن عبد الرحمن فيما بين (1902-1932)م، وخلال سنوات التأسيس هذه كانت لعبد العزيز رؤيته الواضحة فى إرساء دعائم الدولة الثالثة حتى تستمر ولا تسقط مثل الدولتين السابقتين . وتتلخص هذه الرؤية فى التمسك بالأيديولوجية الوهابية والتسلل بها إلى مصر لتكون مصر عمقاً استراتيجياً للدولة السعودية، وتستطيع من خلالها السيطرة على العالم الإسلامى. وكانت النتيجة نجاح عبد العزيز آل سعود فى تحويل التدين المصرى القائم على التسامح حتى فى العصور الوسطى إلى تدين وهابى متشدد فى عصر حقوق الإنسان. ونأتى للسؤال التالى، وهو: كيف؟ كيف تم هذا التحول؟
فى الوقت الذى كان فيه عبد العزيز وآله لاجئين تحت رعاية آل الصباح فى الكويت كان الإمام محمد عبده فى مصر يعلن تطليقه للسياسة والثورة وتفرغه للإصلاح الدينى والفكرى، واعتبر التصوف خرافة كما وقف موقفاً حازماً من الفقه والأحاديث، واعتبر الأحاديث كلها أحاديث آحاد، وأعاد للأذهان ما قاله الأئمة المجتهدون فى عصر الازدهار الفكرى. وكان محمد عبده يأمل فى تأسيس مدرسة فكرية للاجتهاد الدينى تقوم بإصلاح عقائد المسلمين وتسهم فى تطورهم العقلى والعصرى، وكان هذا اقتناعه بعد تطليق السياسة ولعنها.


ولم يكن محمد عبده يدرى أن حركته سيقوم بإجهاضها تلميذه رشيد رضا لصالح السعوديين وأيديولوجيتهم السلفية الثورية.

مات محمد عبده سنة 1905، وفى ذلك الوقت كان عبد العزيز قد هرب من الكويت بأربعين من "إخوانه" وبهم استولى على الرياض سنة 1902 ثم سيطر على أواسط نجد سنة 1904. وبعد موت محمد عبده فى مصر ورثه رشيد رضا. وكانت الأنباء تأتى إلى مصر بانتصارات الشاب ابن سعود ونجاحه فى ضم الإحساء والمنطقة الشرقية، ثم نجح بعدها فى ضم عسير، وحاصر الشريف حسين فى الحجاز، ثم انتزع منه الحجاز سنة 1926 ليحتل ابن سعود بعدها موقعاً متميزاً جفف به دموع الملايين الذين حزنوا على إلغاء الخلافة العثمانية. ثم قام ابن سعود بإعطاء مملكته الوليدة اسم أسرته السعودية سنة 1932 بنفس المنهج السائد فى العصور الوسطى حين يطلق الحاكم على دولته اسمه أو اسم أسرته، كالدولة الأخشيدية والطولونية والفاطمية والعباسية.
ومع هذا النجاح لابن سعود فقد كان يدرك أن توسعه فى شبه الجزيرة العربية قد أضاف ألغاماً كثيرة تحت عباءته، فأعدى أعدائه وهم الشيعة يرتكزون فى المنطقة الشرقية، كما أن الأشراف والصوفية فى الحجاز لا ينسون ثأرهم عنده بعد ما فعله بالحجاز وأسرة الشريف حسين، وفى الخارج يقف أعداؤه الشيعة الزيدية فى اليمن بعد أن استولى على عسير، وهناك شيعة إيران والعراق والخليج وهم لا ينسون ما فعله وما سيفعله بالمشاهد الشيعية فى العراق، علاوة على أن أبناء خصمه الشريف حسين كانوا يحكمون العراق والأردن، أى أن أعدءه يطوقونه من كل الاتجاهات، ولهم جماهير فى أهم منطقتين فى مملكته، المنطقة الشرقية بجوار نجد، والحجاز، وهم لا يغفرون له أنه محا وجودهم حين جعلهم سعوديين، أى موالى وعبيداً لأسرته . وهكذا لم يعد أمام ابن سعود إلا مصر يتكئ عليها فى صراع البقاء وفى أمل الاستقرار والاستمرار أيضاً. فمن مصر جاء الخطر الذى دمر الدولة السعودية الأولى، ومنها يمكن أن يأتى الخطر الذى سيقضى على الدولة السعودية الثالثة، خصوصاً وأن التصوف هو التدين المصرى الأساسى والدعاية ضد الوهابيين على أشدها فى مصر، ومن الممكن أن تتطور ثقافة الكراهية ضد الوهابية إلى تحالف عسكرى أو سياسى خصوصاً مع طموح ابن سعود للسيطرة على الحجاز والذى كان دائماً تحت السيطرة المصرية.

 

ومن الممكن أن يتفادى ابن سعود هذا الخطر المصرى، بل يستغل مصر إلى جانبه إذا تحول التدين السنى الصوفى المصرى المعتدل إلى تدين سنى وهابى متطرف. وليس ذلك مستحيلاً، فالمهم هو العثور على الشخصية المناسبة التى تقوم بخلق هذا التحول، وكان سهلاً العثور على هذه الشخصية، وهنا بدأ دور الشيخ رشيد رضا.
جاء الشيخ رضا إلى مصر يحمل بين جوانحه الفكر السلفى مع كراهية موروثة للمسيحيين استقاها من بيئته الشامية، ولكنه كتم هذه الثقافة الشامية داخله أثناء تبعيته لشيخه الإمام محمد عبده. وبعد موت الإمام لم يكن رشيد رضا مؤهلاً للسير فى طريق شيخه فى معاداته لشيوخ الأزهر، إذا كان محمد عبده بفكره ومصريته وأزهريته وتاريخه ومكانته وشخصيته أقدر على الصدام مع شيوخ الأزهر، فهو منهم وهم منه، وهو أعلاهم قدراً وأرجحهم عقلاً وأكبرهم علماً وأكثرهم شهرة، ومع ذلك فقد عانى منهم ما عانى فى جهاده الإصلاحى، فكيف بتلميذه الوافد من الشام إذا كان فعلاً يريد السير فى طريق شيخه الإمام؟


على أن رشيد رضا قد يوافق فكر الإمام محمد عبده فى الهجوم على التصوف وأوليائه إلا أنه لا يوافقه فى انتقاد الأحاديث وفى انتقاده لتحجر الفكر الوهابى . وعندما مات شيخه الإمام وجد فرصته فى الزعامة ميسورة إذا تحالف مع ابن سعود، خصوصاً وقد جرت مياه كثيرة فى النهر، إذا علا نفوذ ابن سعود فى شبه الجزيرة العربية وبدأت الأحلام تتجمع حوله خصوصاً مع استقلاليته وشبابه ومقدرته، ثم بدأ تيار الشيوخ يميل إلى التعصب بعد إلغاء الخلافة وشدة التيار العلمانى فى تركيا ثم فى مصر والشام، وارتفع صوت الإلحاد متشجعاً بالليبرالية الفكرية والنفوذ الاستعمارى، وكل ذلك أثار حفيظة الشيوخ العاديين والصوفيين والسلفيين وقرب المسافة بينهم . خصوصاً وقد كان أئمة العلمانيين فى مصر من مثقفى الشوام المسيحيين والذين هاجروا لمصر بعد المذابح الطائفية في لبنان . وكان لابد أن تشتعل المعركة بين رشيد رضا وبينهم، وفى هذا الجو أتيح لرشيد رضا أن يثمر تحالفه مع ابن سعود فى نشر الفكر الوهابى بعد أن سيطر عبد العزيز على الحجاز وجعل من مناسبة الحج منبراً لنشر الدعوة وتجميع الأمصار وإعداد الكوادر وإعداد الخطط وتنفيذها. ودليلنا على ذلك أن عام 1926 الذى شهد أول موسم للحج بعد سقوط الحجاز هو أنشط الأعوام فى نشر الفكر السلفى فى مصر وخارجها. وكان رشيد رضا هو مهندس التسلل الوهابى للجمعيات الدينية، ومهندس إنشائها لصالح السعوديين، وعن طريق تلك الجمعيات أمكن تحول التدين المصرى عن الصوفية السنية إلى الوهابية السنية.
ونتتبع هذا الجهد على النحو الآتى: (6)

1-الجمعية الشرعية، أسسها الشيخ محمود خطاب السبكى سنة 1913 على أساس الولاء المطلق للتصوف، وفى إخضاع الفقه للتصوف كتب الشيخ محمود السبكى أولى مؤلفاته: أغلب المسالك المحمودية فى التصوف والأحكام الفقهية. فى أربعة أجزاء. ولكن فى عام 1926 اتخذت مؤلفاته طابعاً جديداً تحت شعار الدفاع عن السنة، وبالطريقة الوهابية أخذ يهاجم التصوف تحت هذا الشعار، وفى هذا الاتجاه الجديد كتب (26) كتاباً إلى أن مات سنة 1931. وعلى طريقه سار ابنه أمين السبكى وقد كتب فى الدعوة الوهابية تسعة من الكتب وتوفى سنة 1968، وهكذا.

وبالنفوذ السعودى الذى أرساه رشيد رضا انتشرت مساجد الجمعية الشرعية، وهى الآن أضخم جمعية فى مصر، تسيطر على أكثر من ألفى مسجد وألوف الأئمة الوعاظ وملايين الأتباع، وكانت ولا تزال الاحتياطى الاستراتيجى للإخوان المسلمين، وهم – أى الجمعية الشرعية والإخوان المسلمون- هم الآن مادة الفكر السلفى وحركته فى المجتمع المصرى.
2- جمعية أنصار السنة، فى نفس العام 1926 أقامها الشيخ حامد الفقى أحد الأزهريين، وقد أنشأ له عبد العزيز آل سعود منزلاً فى حى عابدين كان مقراً للدعوة الوهابية، وتخصصت هذه الجمعية فى نشر الفكر الوهابى ومؤلفات ابن تيمية وبان القيم، كما أنشأ مجلة الهدى النبوى سنة 1936 ولا تزال تصدر.


3- جمعية الشبان المسلمين: أنشأت سنة 1927 بتخطيط محى الدين الخطيب رفيق الشيخ رشيد رضا الشامى فى الدعوة السلفية، وتولى رئاستها الدكتور عبد الحميد سعيد، والاتجاه الحركى يغلب على هذه الجمعية وانتشرت وسط الشباب، وكان أهم الشباب فيها هو حسن البنا، ومع أنه أنشأ الإخوان المسلمين على غرار جماعة الإخوان التى أنشأها عبد العزيز آل سعود، إلا أن حسن البنا كان دائم التردد على جمعية الشبان المسلمين، وقد لقى حتفه أمام أبوابها سنة 1948.
4- جماعة الإخوان المسلمين: سنة 1928 وهى الاتجاه الحركى السياسى المسلح، وكان إنشاؤها برعاية رشيد رضا وتوجيهاته. ورشيد رضا هو الذى قام بتقديم الشاب حسن البنا إلى أعيان السعودية وأعمدة الدعوة الوهابية، ومنهم حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز، ومحمد نصيف أشهر أعيان جدة. وابنه عبد الله نصيف هو الذى كانس يتزعم رابطة العالم الإسلامى، والتى يتغلغل من خلالها النفوذ السعودى إلى العالم الإسلامى حتى اليوم، وهى التى لعبت دوراً فى تجنيد الشبان للذهاب إلى أفغانستان وتدريبهم على التخريب.
ونعود إلى الشيخ رشيد رضا وجنوده خارج نطاق الجمعيات لنلمح إلى تأسيسه مدرسة الدعوة والإرشاد لتخريج الدعاة فى جزيرة الروضة سنة 1912، وكانت تجاورها مؤسسة الزهراء للسلفى الشامى محيى الدين الخطيب، فى نفس المنطقة، كما كانت مجلته "المنار" ذائعة الصيت متخصصة فى الدعوة الوهابية والسعودية، هذا بالإضافة إلى مؤلفاته المتخصصة كـ"الخلافة" والسنة والشيعة، وفيها كان يدعو إلى الخلافة الإسلامية ويرى فى ابن سعود المؤهل الوحيد للخلافة. وعن طريق مطبعة المنار نشر رشيد رضا الكثير من مؤلفات ابن حنبل وابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب. وتوفى رشيد رضا بعد أن قام بتوديع الأمير سعود ولى العهد فى ميناء السويس سنة 1935(7) وترك الراية يحملها من بعده تليمذه حسن البنا مؤسس الإخوان.

وإلى اللقاء في الجزء الثالث ..




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات