مواضيع اليوم

تاوريرت ..الجزء المنسي من المغرب

أسماء بنعثمان

2011-11-18 20:25:34

0

 تعتبر مدينة "تاوريرت" الشرقية من أكثر المدن المغربية إثارة للشفقة و في نفس الآن للاشمئزاز الذي ينتاب كل

 

عابر لهذا الوسط الحضري باعتبار المسميات فقط ، حتى و إن كان على عكس ذلك من حيث المضمون .

 

مدينة أتلفت معالمها الإيكولوجية إثر تهميش متعمد و أنشطة سكانية لا مبالية بخصوصيات التحضر و لا مميزات

 

التأهيل الحضري ، و تصورات خاطئة لاحتياجات الطبقات الوسطى التي تشكل قاعدة الهرم السكاني بمدينة

 

تاوريرت ، تكتلت على نحو اندماج هش جعل من هذا التجمع الحضري قبلة فضلى لمن ظن أن المدينة ملك لذويه

 

 و من حقه مباشرة حياته برفاهية و رخاء دون اكتراث لما تعيشه الأغلبية الساحقة ممن ارتاد المدينة مفضلا

 

الاستقرار بها على أمل تحسن الوضع في ظل ما تعرفه المجالات المغربية من إعداد و تدخل لخلق توازن بين

 

السكان و الأنشطة الاقتصادية المزاولة وفق دينامية تراعي التفاوت و تسعى نحو التكامل لتقليص الفوارق الاجتماعية

 

الجمة التي تبسط ظلالها بين هذا القطب الاقتصادي و الفلاحي الذي يستقطب سنويا أسرا مهاجرة من القبائل

 

و المداشر المحاذية للمدينة في لجوء لأحياء هامشية و حياة تختزل المعاناة و الحرمان في "براكة" تتقاسمها أسرة

 

 بلغت ذروة الإنجاب  تفعيلا للتكاثر التقليدي .

 

و على غرار انتشار دور الصفيح على مساحة هامة من التراب التاوريرتي ، نجد ظاهرة استغلال الملك العام من

 

لدن المقاولات الصغرى و المتوسطة ، و حتى في صفوف الشركات المعروفة وطنيا و دوليا ، فما إن تجوب شوارع

 

المدينة ، حتى يتسلل إليك نسيم الزيتون المخلل المنبعث من المياه المصرفة من معامل التصبير في الأزقة و على

 

الطرقات ، أو يقع نظرك على البراميل الضخمة المنتصبة على طول الشارع ،حتى أنها تنتشر على حساب الممرات

 

 و الأرصفة التي هي أصلا ملك للدولة و لا يحق لذوي المقاولات استغلالها لحسابهم الخاص بحكم أن هذا التجاوز

 

يخلق مضايقات عدة  للمواطنين و يحرمهم من حقوقهم التي تخولها لهم الحريات ، تلك التي ناشد من أجلها رواد

 

 الفكر و الحرية طوال عقود خلت ، ليأتي الجهل و سوء التدبير و تغليب الربح المادي كمعوض لما سلف ذكره ،

 

خاصة مع غياب منددين بالوضع الراهن بالرغم من أن السبب الرئيسي وراء أزمة التنظيم يبقى رهينا بتماطل

 

المسؤولين و صمتهم الدفين وراء تعويضات يجنيها من أتاح له منصبه مص دم الشعب و استئصال الأمل في

 

الحظي بمستوى عيش يوافق معايير التحضر الدولية في سبيل تسخين الجيوب / تثمين الحساب البنكي/ ضمان

 

مرضاة من تسول له نفسه شراء الضمير بالمال ، و تعزيز ثقة ديناصورات المال و أقطاب الجبروت الذين يعيهم

 

الكل بهذه المدينة مادامت تحيى على وقع التسيب و الانحلال و الانفلات الأمني .

 

"تاوريرت" التي نسيها التغيير و غفلتها مبادرات الهيكلة ، مازالت تتخبط و حواجز الجريمة التي صارت جزء من

 

 خصوصياتها ، تتنوع بتنوع الدوافع و المبررات  لكنها تبقى واحدة من حيث التيار ، تختلف ما بين القتل ،

 

 الاغتصاب ، النصب و الاحتيال ، الدعارة ،الانحلال الأخلاقي .. و غيرها من الآفات التي تبقى سائدة بالأوساط

 

الفقيرة و المهمشة ، لكن الحديث سيبدو مثيرا للجدل ما إن كان الأمر يتعلق بالطبقات الراقية التي تخال نفسها

 

محصنة عن الحساب و معفية من المحاسبة و غير خاضعة للقانون ، هنا سنتحدث عن ملاك المدينة و أسيادها الكبار

 

، تلك الفئة التي تخطئ و لا تحاسب ، تجرم و لا تعاقب ، تظلم و لا تجد من يقف بوجهها ليرد الحق .. فالكل في

 

 المدينة يشارك في الجريمة سواء بالتآمر أو الفعل أو التستر و إيلاء اعتبار للمال و النفوذ دون الاهتمام بحق

 

المظلوم و أخلاقيات المهنة و ضوابط المجتمع المفندة في مسلسل يجسده السكان في صمت و سكون مفضلين

 

الانزواء على تكبد ما لا يحمد عقباه ، فكوادر المال جزء من مافيا التجبر و بوسعهم فعل ما لا يخطر ببال بشر

 

 شريطة أن يصبح الساكن الفقير بلاطا يسير عليه بخطى أثقلتها أموال مكللة بعرق العمال و المأجورين .

 

 

مع كثرة التجاوزات و اتساع رقعة الإهمال و تطبيق القانون على شريحة دون أخرى ، يظهر للملأ مدى الثغور التي

 

تتخلل مدينة "تاوريرت ، الجزء المنسي من المغرب و المدينة التي يلعب فيها المال و النفوذ و السلطة دور الفيصل

 

في تدبير شؤون المدينة التي صارت على المحك بين مطرقة من يعتبرون أنفسهم أسياد البلاد و الأكثر أحقية بتسيير

 

شؤونها و الاستفادة من خيراتها و مص دم سكانها  ، و سندان سلطة مغيبة و مسؤولين يطالهم سبات فرضته مصالح

 

جهة دون أخرى و أقرته سياسة عناصر تعتقد أن صمت السكان واقع دائم ، لكنه لا محال  سيعرف التغيير عندما

 

يطالب المظلوم بحقه و يستفسر العاطل عن فرصته في العمل ، و يتساءل المطرود عن أحقيته في التعويضات ،

 

و يباشر المجتمع سلطته الأولى في فرض المساواة و العدل بين الناس رغم الفوارق الاجتماعية التي يظنها البعض

 

سبيلا للتمادي في الخطأ و طريقا سهلا لبلوغ مكاسب غير مشروعة ، فالصيحة التي اجترت بن علي من كرسيه

 

و اقتلعت مبارك من منصبه ، كفيلة بإلغاء القوانين المصطنعة التي يسيرها "كومبارسات" وراء ستارات مفبركة

 

و إسقاط ديناصورات المال و جبابرة المدينة المنسية بالرغم من أن قرن 21 أكبر من أن يتحمل مسؤولية مدينة

 

متحضرة كمدينة "تاوريرت ".

 

أسماء بنعثمان / وجدة




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات