مواضيع اليوم

اليمن وبغداد ممنوع التقارب

زيد المحبشي

2009-10-28 08:42:38

0

 

بقلم// زيد يحيى المحبشي
الثلثاء 13/10/2009م
في كل مرة تظهر فيها بوادر تحسن بين بغداد ودمشق، تنشأ ظروف متعددة وبصورة مفاجئة تعيد العلاقة بينهما إلى دائرة المراوحة والتنافر التي كانت عليها طوال العقود الثلاثة الماضية ولكن هذه المرة بصورة مغايرة لسبب بسيط هو وقوع هذه العلاقة في السابق ضحية للجغرافيا والسياسة بينما هي اليوم ضحية للإرهاب وتضارب المصالح وتصارع الأجندة الإقليمية والدولية بما لها من امتدادات ضاربة في العمق العراقي في سباق مع الزمن لتحديد هوية عراق ما بعد الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في 16 كانون الثاني/ يناير 2010 الممهدة للجولة الثانية من الانسحابات الأميركية ( 2010 – 2011 ).
ومعلوم أن الأهمية الموقعية التي تتمتع بها كل من العراق وسورية قد جعلت كلاً منهما عمقاً استراتيجياً للأخر وجعلت من الأحداث العاصفة بأحدهما عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة على الآخر وعلى المنطقة برمتها ونظراً لخطورة المرحلة التي تمر بها المنطقة والعراق تحديداً قرر الطرفان طي صفحة الماضي بعد نحو 28 عاماً من القطيعة بدءاً بإعادة العلاقات الدبلوماسية في 2006 ومروراً بتعميق هذه العلاقة عبر تأسيس المجلس الإستراتيجي الأعلى للتعاون المشترك خلال زيارة المالكي لدمشق في 18 آب/ أغسطس الماضي والآتية قبل يوم واحد فقط من سلسلة التفجيرات التي عصفت ببغداد وأدت إلى تدمير وزارتي الخارجية والمالية بالصالحية وباب المعظم ومقتل 200 شخص وجرح ألف شخص وما صاحبها من مسارعة في تحميل سورية المسؤولية وتصاعد الحرب الإعلامية والاتهامات ضدها بصورة غير مفهومة.
المفارقة هنا انحصار التصعيد والتطرف في ردة الفعل على الأوساط العراقية التي تدين بولائها لهذه الجهة أو تلك فإذا بها فجأة ترفع شعار الغضب والاستقواء والغيرة على السيادة والدم العراقي في الوقت الذي لم تحرك فيه ساكناً عن مقتل أكثر من 1.5 مليون عراقي ذهبوا ضحية الاحتلال والقتل على الهوية ولا عن فضائح سجون الاحتلال والطائفيين الجدد ولا عن تصريح أولبرايت - وزيرة خارجية أميركا السابقة- عندما قالت "ان موت نصف مليون طفل عراقي بسبب الحصار (1991- 2003) هو ثمن مقبول ومبرر لإضعاف نظام البعث السابق" ولا عن الممارسات الإيرانية المكشوفة في تفجير الأوضاع الأمنية والصراعات الطائفية في هذا البلد المنكوب وغيره من بلدان المنطقة..الخ.
ألا يدعو ذلك للتساؤل عن أسباب إعطاء تفجيرات الأربعاء الدامية كل تلك الأهمية وعن أسباب المسارعة إلى وضع سورية في قفص الاتهام في هذا التوقيت بالذات وتسميتها بالدولة الراعية والحاضنة للإرهاب في العراق وما إذا كانت الدوافع مرتبطة بتجاوز الخط الأحمر لحجم الضحايا والدمار أم لتجاوز الخط الأحمر لمستوى الاختراق الأمني بالنسبة للحكومة العراقية وقوات الاحتلال لاسيما وأنه يأتي بعد مرور ستة أشهر فقط من التأكيدات المستمرة على جهوزية القوات العراقية لحفظ الأمن والاستقرار في هذا البلد، أم أن الحدث برمته فبركة سياسية جديدة في إطار سيناريو سبق رسمه وفق آلية محددة لإعادة إنتاج واقع إقليمي جديد لاسيما وأن الحدث لا يعدو عن كونه مجرد إضافة لمجمل المشهد الإقليمي المعقد بمفرداته الساخنة والمترابطة بغية إحداث صدمة كهربائية على صعيد الرابط العراقي السوري المثير للجدل والذي لا يمكن فصله عما تشهده العلاقات العراقية الكويتية من توتر على خلفية الاستحقاقات المتعلقة بالفصل ألأممي السابع والديون وملحقاتها والتقابل العراقي السعودي السالب على خلفية الجدل حول دعم الجماعات الإرهابية داخل العراق ناهيك عن اتهام بغداد لليمن بإيواء ضباط وقيادات من النظام السابق بالتوازي مع بروز العديد من الدلالات المثبتة حقيقة تورط التيار الصدري وجماعات شيعية أخرى داخل إيران وخارجها في دعم التمرد الحوثي باليمن تحت شعار تصدير الثورة الإيرانية وتعميم بركات التجربة الشيعية العراقية وتنامي الرهان الإيراني على النجاح في إحكام القبضة على العراق وقراره السياسي وملئ فراغ ما بعد الانسحاب الأميركي والأهم من كل ما سبق تزامن الحدث مع بروز شبه انزياح أميركي وسعودي نحو سورية وعلاقات أخذت بالتميز والتقدم.

الغاية تبرر الوسيلة
من المسلم به أن اتهام سورية وغيرها من الجيران بالحالة الأمنية العراقية كان مقبولاً قبل أن تصبح سورية ذاتها جزءاً من المعادلة الأمنية العراقية وتدخل شريكاً مع الأميركيين والحلفاء في حماية مكتسبات طي صفحة البعث وصدام كما أن التلويح بالمحكمة الدولية في الأحداث العاصفة بالعراق ليس في صالح ساسة العراق الجديد كونه سيقود إلى التحقيق في كل الجرائم التي ارتكبت خلال سنوات الاحتلال الست ما يعني الإطاحة برؤوس عراقية كبيرة وربما أطراف إقليمية نافذة.
على أن الأكيد وجود أطراف سواء داخل العراق أو خارجه ليس من صالحها حدوث أي نوع من التقارب بين العراق وعمقه العربي لما يشكله من خطورة على مصالحها السياسية والاقتصادية خصوصاً وأن أحداث السنوات الست الماضية تشي بما لا يدع مجالاً للشك بأن العمق العربي يظل المدخل الوحيد لحلحلة عقد الأزمة العراقية.
في العراق اليوم مشروعان كل منهما يحاول إعادة إنتاج مكونات هذا البلد وفق حساباته الخاصة تمهيداً لإعادة إنتاج إقليمي جديد الأول تتزعمه أميركا والثاني تتزعمه إيران وهما متفقان على أن الساحة العراقية البيئة المناسبة لهذا التوجه على أن اللافت توافقهما الفاقع على إعادة إنتاج العراق على أساس مكونات تبقيه ضعيفاً ومشغولاً وفق أولويات تخرج الفعل العربي من مواجهة إسرائيل حسب الأجندة الأميركية وتخرج الفعل العربي من مواجهة التمدد الإيراني حسب الأجندة الإيرانية مع إضافتها طموحات سلخه عن هويته العربية، وصولاً إلى شغل تلك المكونات بأولويات الصراع على مشروع السلطة والثروة ليظل العراق في خاتمة المطاف طاحونة إنتاج وساحة مواجهة بين مكوناته في سباق مع الزمن لاحتفاظ كل مكون بحصته من هذا المنتج بصورة تضمن تمرير الأجندة الخارجية على حساب العراق ووحدته واستقراره.
والفارق بين المشروعين في الشعارات العلنية بينما الآليات العملية تقريباً واحدة من ذلك تفضيل واشنطن التحرك في ضوء العوامل الأمنية القومية والمصالح الاقتصادية والسياسية مع الرغبة في وجود نفوذ عربي يساعد في تحجيم النفوذ الإيراني بالعراق بينما تفضل طهران التحرك في ضوء العوامل الأيديولوجية- المذهبية – والتاريخية والهاجس الأمني والاقتصادي وسط رفض غير معلن لأي دور عربي في العراق وهو ما أتاح لها تحويل نقاط الإخفاق الأميركية إلى مكاسب.
والمشكلة هنا تكمن في غياب المشروع العربي باستثناء الدور السوري المصطدم بسيل الاتهامات الأميركية في عهد إدارة جورج دبليو بوش فيما يتعلق بإيواء عناصر من قيادات البعث والنظام العراقي السابق ودعم المقاومة العراقية والواصل ذروته بفرض العقوبات على سورية دون الوصول إلى أية نتيجة طبعاً ودون أن يمنع ذلك سورية من التعاون في الشأن العراقي ولكن ضمن حدود لا تؤثر على ثوابتها ومواصلة الجهود لإقناع القيادة العراقية وتحديداً المالكي بأن حل الأزمة لا يكون إلا في إطار الحاضنة العربية وصولاً إلى محاولة إخراج الحكومة العراقية قدر الإمكان من دائرة التأثير الأميركي والإيراني وتقويتها بصورة تضمن للعراق تأسيس علاقات إقليمية وعربية ودولية بمعزل عن فاعلية وتأثير الأجندة الخارجية المتصارعة على حساب وحدته وأمنه واستقراره.

المالكي في بدء الأمر كان مرناً وتحديداً عندما رفع شعار دولة النظام والقانون والذي بموجبه نالت قائمته حصة الأسد في انتخابات مجالس المحافظات وإبداء الاستعداد لمحاورة البعث والعشائر العربية السنية بالتوازي مع حوارات مماثلة قامت بها واشنطن مع دمشق حول العراق وحوارات أخرى مع جناح البعث العراقي في سورية فكان من الطبيعي إن يثير ذلك استياء وقلق التيارات العراقية المرتبطة بإيران ما نجد حقيقته في توجهها لإنشاء تكتل سياسي جديد استعداداً لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة ما جعل المالكي يشعر بأن مستقبله السياسي في خطر وأن ثمن التقارب مع سورية والمحيط العربي باهظ لذا لم يكن أمامه من سبيل سوى الاندفاع نحو استثمار تفجيرات الأربعاء الدامية لتحقيق جملة أهداف من شأنها إعادة التأكيد على أنه لا يزال رجل العراق القوي منها:
التخلص من مدير الاستخبارات محمد الشهواني -سني- المفروض عليه من أميركا لاسيما بعد اتهامه إيران بالضلوع في التفجيرات الأخيرة وفي ذلك رسالة لواشنطن على أنه لا يزال مالك قراره وبالتالي استرضاء إيران و حلفائها في الداخل بإقالته عدداً آخر من الضباط,وكذا إغلاق الباب أمام المحاولات الرامية إلى مزيد من الإدماج للقوى السنية المحسوبة على البعث والمقاومة في العملية السياسية وقطع الطريق على الحوارات الأميركية مع بعض أجنحة المقاومة والبعث بما فيها جناح سورية وإعاقة أي تقارب أميركي سوري أو سوري سعودي والأهم من هذا حفظ ماء الوجه الذي أريق في أربعاء بغداد بعد مرور 6 أشهر من الترويج لجهوزية القوات العراقية في ملئ فراغ القوات الأميركية، وتبرير ما أصابها أمام الشعب المتهم حكومته بالفساد والعجز عن ضبط الأمن وتسيد الطائفية والولاءات الخارجية على حساب الوطن والمواطنة.
أميركياً تم الاكتفاء بالحياد والوقوف على مسافة واحدة من بغداد ودمشق مع بروز بعض التلميحات حول احتساب المالكي على المعسكر الإيراني وعدم الاقتناع بضلوع البعث في التفجيرات كون بصمات القاعدة أكثر وضوحاً فيها والتشكيك في نوايا بغداد للذهاب إلى المحكمة الدولية. إذن فنحن أمام اعتراض إيراني غير مباشر على أي تقارب سوري عراقي على الأقل في هذه المرحلة واعتراض أميركي ضمني على موقف سورية من المقاومة العراقية والذي لا يزال حتى اللحظة غامضاً لكن مع التأكيد على أن التقارب الكلي بين دمشق وبغداد حالياً ممنوع كما أن التوتر أيضاً ممنوع وسط تعاظم المخاوف من التمدد الإيراني المتنامي في العراق والمنطقة.
ما من شك بأن هناك عدة جهات تعتقد أن الدور السوري يشكل عامل هدم لطموحاتها في العراق ولذا كان لابُد من عمل ما ليس لتجميد العلاقات السورية العراقية فحسب بل ولتخريبها ونسفها على خلفية محاولة دمشق إعادة إنتاج مخاوفها الأمنية القديمة المتجددة مع الجار العراقي كي لا يشكل مدخلاً للعبث بالأمن القومي السوري بالتوازي مع قناعة عدة أطراف بما فيها أميركا بأهمية الدور السوري في دعم العملية السياسية والأمنية في العراق وصد الطموحات الإيرانية الإقليمية ما يعني بأنه ليس من صالح سورية التورط في أحداث الأربعاء الدامية كون ذلك من شأنه إعادة العلاقات المتنامية مع واشنطن في الأشهر الأخيرة الى الوراء.
وهذا لا يعفينا من الإقرار بالخطأ الجسيم الذي ارتكبته حكومة المالكي لاسيما وأن ما قدمته من أدلة لا تمت لتفجيرات الأربعاء بصلة كما أن التصعيد مع دمشق قد يدفع نحو تعميق تورط حكومة المالكي نفسها وبالتالي إعطاء الفرصة لإيران في فتح جبهة جديدة انطلاقا من العراق لتخفيف الضغط الداخلي والخارجي على خلفية أزمة الملف النووي والانتخابات الرئاسية ما نجد حقيقته في تظهير حركة التمرد الحوثية باليمن.
ومعلوم أن لإيران مصالحها وحساباتها الخاصة كما لأميركا وأية دولة أخرها تجد نفسها في موقع قوة ولذا نجد أن إيران تتعامل مع العراق كامتداد استراتيجي طبيعي وقاعدة انطلاق للنفوذ الإقليمي لكن المشكلة تصادم حساباتها مع حسابات سورية والسعودية تحديدا إذ رغم تفضيل دمشق الوقوف في منتصف الطريق مع طهران عكس الرياض لكنهما متوافقتان على عدم التسليم بوضع اليد الإيرانية في العراق وتحديداً ما بعد سحب أميركا قواتها المقاتلة وهما أيضا منزعجتان من سياسة حكومة المالكي ورغم ما نلمسه من تناقض إقليمي فج حيال العراق يظل الدور العربي والسوري تحديداً البوابة الوحيدة لحل معضلة العراق بعيداً عن الرهانات والضغوطات الأميركية والإيرانية على حدٍ سواء.
وعليه فعرقلة المصالحة العراقية والإصرار على الانتقام من البعثيين والاستمرار في مخاصمة المحيط العربي لن يخدم الاستقرار في هذا البلد كما أن الواجب المرحلي يقتضي بدلاً من توجيه اللوم إلى الآخرين البدء بالذات لاسيما وأن الأحداث الأمنية الأخيرة كشفت حقيقة استمرار هشاشة الطبقة السياسية العراقية وغياب المشتركات فيما بينها وتحجر وتبلد استجاباتها لمشاهد الدماء والقتل العبثي المستهدف أبناء هذا الشعب وسط معمعة ازدواجية الخطابات والرؤى وعقم مقاربة المعالجات




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !