التكني باسماء الحيوانات , عادة قديمة في تراثنا الشعبي , ورثناها عن اجدادنا ولا تزال متبعة في بعض القرى الى يومنا هذا. والغاية من التسمية بأسماء الحيوانات , الأعتقاد بالاستئثار بصفة الحيوان المسمى على اسمه.فيسمى أسدا تكنيا بقوة وشجاعة الأسد , وتسمى البنت مهى أو ريم تيمنا بجمال عيون المهى.وقد تأخذ التسمية باسم الحيوان بعدا أخلاقيا , اذ يكنى بما للحيوان من صفات حميدة , و أحيانا تأخذ شكلا معقدا ومفهوما دينيا , اذ يراد بالتسمية اخافة قرين السوء فلا يعود يقترب من الطفل للأساءة اليه.
والقرين للمولود الذكر أو القرينة للانثى , هو عبارة عن طائر وهمي يحوم فوق رأس الانسان.ولكل انسان قرين أو قرينة خاص به , يختلف لونه تبعا للون بشرة صاحبه وتنوع أفعاله بين الخير والشر , تبعا لأفعال الانسان نفسه , وتلاقي القرينة نفس المصير الذي يلاقيه صاحبها بعد موته. ويعتقد بأن قرينة السوء(قرينة الأم السيئة)تهاجم المولود أو الجنين قبل الولادة مسببة له المرض والموت (كون القرينة لاتنجب فيدب في نفسها الحسد). لذلك كثيرا ما نصادف لجوء الامهات الى السحرة لكتابة الأحجبة التي تدفع قرين السوء عن اذية الجنين أو الطفل بعد الولادة.فيتم تسمة المولود باسماء الوحوش اعتقادا بأنها وسيلة تدفع وتخيف قرينة السوء عن الحاق الأذى بالمولود.كما نلاحظ أنه يكثر تسمية المولود الجديد بأسماء الاولياء والقديسين أو الأئمة كما النذر وايفاء النذور وذ بح الاضاحي عن سلامة المولود.
بعض الحوادث والحكايات:
قصة أبو فهد حمدان. روى لي هذه القصة الشيخ خطار فقال: أبو فهد حمدان فلاح ابن فلاح , يعمل في الزراعة وتربية الحيوان لتأمين عيشه. ولما تيسر حاله تزوج وطيلة تسعة أعوام كان أولاده يفارقون الحياة بعد الولادة بستة اشهر.فأشير اليه بان يأخذ مشورة أحد الكبار العارفين في المتطقة فطلب منه أن يسمي ابناءه باسم أحد الوحوش وباذن الله ستكتب للمولود الحياة.أخذ أبو فهد بالمشورة وبعد سنة انجبت زوجته مولودا ذكرا سمّاه فهد وبعد سنة أخرى أنجبت مولودا ذكرا آخر اسماه شبل , ولما رزق بابنه الثالث سمّاه نمر.وقد بلغوا من العمر اليوم 30 -29-27 على التوالي.فالاعتقاد هنا أن تسمية المواليد الجدد بأسماء الحيوانات أبعدت عنهم الخطر , لأن تسمية المواليد بأسماء ذات صفة دينية , كأسماء القديسين والأولياء لها نذور وقرابين خاصة بكل منهم يحتم على الأهل الأيفاء بها كما يحتم على المنذور الابقاء عليها , فاذا لم يتم الوفاء بها قد يؤدي هذا الى الاساءة الى المولود. فاذا خاف الأهل من عدم قدرة المنذور بالايفاء بنذره كان من الأفضل تسميته على اسم أحد الوحوش.
قصة أسطفان محبوب.أسطفان محبوب شاب تام الخلق , شجاع , كريم النفس , عرف بالفتوة , فكنوه أبو مروة.تزوج أسطفان وبعد سنة جاء ابنه البكر , لكن بعد شهر مرض الطفل , فعولج بالبابونج والحقن , فانكسرت شوكة الحمى لكن الطفل بقي على ذبوله.اتسعت وجنتاه وأمسى كالهيكل العظمي .رأته أم ألياس طبيبة القرية فوصفت له الكي , فكوه اولا في القمة , لكن شيئا لم يغير الحال , فعمدوا الى كيّه فوق السرّة ثلاثا , ففارق الحياة بعد عدة أيام.بعد عام رزق أسطفان بمولود جديد لم يكن مصيره افضل من مصير أخيه , ثم رزق ثالثا ورابعا كان مصيرهما مثل مصير اخويهما.ففقد اسطفان صبره ولم يعد يقوى على الاحتمال.
لما ولد الخامس , أشارت احدى عجائز القرية بتسمية المولود الجديد بأسم أحد الوحوش ليردوا عنه القرينة التي خنقت اخوته , رغم ان والدته كانت قد أخذت بركة عن مذبح كل قديس , أكدت العجوز أن هذه الطريقة انقذت العديد من المواليد , فاذا سمي المولود بأسم أحد الوحوش فان القرينة لا تقربه.سمي المولود الجديد فهدا , وعاشت الام زمنا بهذا الأمل. الى أن جاء يوم العماد , رفض الخوري تعميد المولود ما لم يكنى بأسم أحد القديسين , لأن الوحوش بغنى عن العماد.فأشار الجد للخوري بأن يختار للمولود اسما يرتضيه , عندها تنازل الخوري وتابع مراسيم العمادة قائلا"أنا أعمدك يا ساسين بأسم ألأب وألأبن وروح القدس". وبعد أن تناول الجميع الغذاء , خرج الخوري داعيا للمولود بالسلامة والبيت بالبركة. مرت أيام وأسابيع والطفل لم يشكو من أي شيء ثم حبا ودب وتجاوز عمر اخوته , لكن امه بقيت مضطربة خائفة على طفلها الوحيد , وأرادت أن تلجأ الى مار ساسين.أرخت شعر الصبي ونذرت بأن تقصه في تمام السنة الرابعة , يوم عيد القديس ساسين وفي مقامه , وأن تقدم للمقام وزن شعر الطفل ذهبا.ولما جاء أوان الايفاء بالنذر , ذهبوا الى مقام القديس ساسين في حاقل للايفاء به.لما وصلوا المقام , أستراحوا وذبحوا الكبش في باحة المقام , وأوقدت النار لاعداد الهريسة التي نذرتها الأم فطورا للمعيّدين وكان أسطفان يسلم على الزائرين ويدعوهم لاكل الهريسة على سلامة المحروس.وكان من بين الحضور شاب ذو شاربين معقوفين كذنب العقرب وأنف معكوف كمنقار النسر,أحمرت عيناه من كثرة ما شرب من كحول فاحمرت أعين الشباب حسدا,فكان الصدام ودار الخبط واللبط وماجت الجماهير , فاستيقظت أم فهد على الصراخ والسباب ,نادت ابنها اذ لم تجده قربها, فصرخت "ابني , ابني "وزجت نفسها بين الجماهير , فارتد الشباب عن بعضهم البعض وانجلت المعركة عن عدت جرحى وبعج بطن "فهد"فأكلت الهريسة عن نفسه.
تبين لنا قصة أسطفان العقلية الشعبية السائدة,حيث الأعتقاد بالقرينة وكيف أن التسمية باسماء الوحوش تبعدها عن المولود.كذلك فالأمراض علاجها الأعشاب أولا ثم آخردواء الكي دون التثبت عما اذا كان الكي يعطي النتيجة المرجوّة , عملا بالمثل القائل"العلة اللي ما بتعرف تداويها..كويها". فالطب الشعبي وان كان قائم على التجربة,لكنه لم يكن مستندا على حقائق علمية وكان مجرد وصفات بعضها بسيط والآخر مركب تصيب حينا وتخطئ احيانا.ونرى ايضا التعارض بين الأعتقاد الشعبي والمفهوم الديني , حيث يجب تسمية المولود على أسم أحد القديسين , ووفاء النذور فيبقى القديس حاميا للمولود وحارسا له.
خاتمة القصة نراها خير دليل على هشاشة الأعتقاد الشعبي , اذ لم تشفع تسمية المولود لا بأسم أحد الوحوش ولا باسم أحد القديسين ليرد عنه السوء , فما هو مقدر واقع لا محالة وما التسميات الا اعتقاد من محض مخيلة الانسان , هدفه اعطاء النفس قليلا من الطمأنينة والراحة في هذا العالم.
التعليقات (0)