مواضيع اليوم

المركب الفارغ الجزء 2

شريف هزاع

2009-07-25 08:53:39

0

المركب الفارغ الجزء 2

 

 

أوشو راجدينش

محاضرات عن أقوال الحكيم تشجوان تزي
المحاضرات ألقيت في 1974 وترجمت إلى الروسية عام 1994
ترجمة: د. محمد ياسر حسكي

 

 

الذي يَحْكمُ الناس يعيش دائما حياة مليئة بالإضطرابات ؛
الذي يحكم الناس يعيش في الحُزن.
لماذا يعيش الذي يَحْكمُ الناس دائما حياة مليئة بالإضطرابات؟
الرغبة بالسيطرة تَجيء من الأنا المزيفة؛ الرغبة بالإمتلاك، وبأن تكون قويا، وأن تؤثر على من حولك تجيء من الأنا.
كلما كانت المملكة التي تسيطر عليها وتملكها أكبر كلما كانت الأنا التي تسمح بنموها أكبر. مع ازدياد أملاكك يصبح ال "لاأحد" الداخلي أكبر وأكبر وأكبر. حتى ان المركب كثيرا مايصبح صغيرا جداً لأن الأنا المزيفة تصبح كبيرة لدرجة مخيفة.
هذا هو الشيء الذي يحدث مع السياسيين، ومع الناس المهوسين بالثروة، والسمعة، والسلطة.
لقد أصبحت الأنا المزيفة عندهم نامية بشكل كبير، بحيث أن مراكبهم لم تعد تَستطيع حملهم.
هؤلاء الناس يعيشون دائما على وشك الغرق، وهم دائما خائفون ويملؤهم الرعب لدرجة مميتة.
الحقيقة أنه كلما خاف الإنسان أكثر، كلما أصبح يعتني بالخصوصيات أكثر، لأنه يظن أنه بمساعدة الأملاك أو السلطة يستطيع أن يصل لحالة من الأمن.
كلما خاف الإنسان أكثر، كلما أعتقد أن اتساع مملكته يمكنُ أَن يجلب إليه الأمن أكثر وأكثر.
الذي يَحْكمُ الناس يعيش دائما حياة مليئة بالإضطرابات
الحقيقة أن الرغبة في السلطة وأن تكون زعيما للناس تنبع من الاضطراب الداخلي، لأنك عندما تقود الناس، فسيساعدك ذلك على نسيان الاضطراب الداخلي، نعم هذا نوع من الهروب, والخداع، لأن المريض عندما يعتني بمريض آخر فهو ينسي مرضه الخاص.
يقولون أن بيرناردشو اتصل بطبيبه الخاص وقال: "أنا في حالة سيئة لأنني أشعر أن قلبي سيتوقف، تعال فوراً! "
ركض الطبيب وكان لا بد له أن يَصْعدَ الثلاثة سلالم لعند مريضه بشكل سريع مما أدى لتعرقه وتسرع نبض قلبه وفور دخوله لعند المريض ودون أن يتكلم ولا بكلمة سقط على أول كرسي وجده وأغلقَ عينيه. قَفز بيرناردشو من سريره وسأل برعب: "ماذا يحْدث معك؟ "
فأجاب الطبيب: "لا شيء لاشيء، يبدو أنني أَموت، وأنني أعاني من نوبة قلبية."
بدأ بيرناردشو بمُسَاعَدَته، وجلب له كأس من الشاي، وبضعة حبوب من الأسبيرين، وفعل كل مافي وسعه أن يفعل.
وبعد مضي نصف ساعة، عاد الطبيب لوعيه، وقال فجأة: "الآن علي المغادرة، أرجو أن تعطيني أجري!"
فصاح بيرناردشو: "ياللهول! أنت يجب أَن تَدفع لي! لقد كنت أَركضُ حولك لمدة نصف ساعة، ثم إنك لم تسألني حتى عن صحتي وبماذا أشعر!"
لكن الطبيبَ قال: "لقد عالجتك، هذا هو علاجي لك وعليك أن تَدفع لي أجرتي."
عندما يكون الإنسان مهتماً بمرض شخص آخر فهو ينسى مرضه الخاص،
فلذلك نجد هذا العدد الكبير من الزعماء، والمسؤولين والمعلمين الروحيين. لأن ذلك يشغلهم عن مشاكلهم الخاصة.
عندما تكون حياتك مليئة بالعناية بالناس الآخرين، وبخدمة الشعب, عندما تكون موظفا للخدمات الإجتماعية، وتكون تساعد الآخرين، فستنسى اضطرابك الداخلي الخاص، وستصبح مشغولا عن عدم الترتيب والفوضى الداخلية في عالمك الروحي.
الأطباء النفسانيون لايصابون بالجنون أبداً، لا لأنهم محصنون ضدّه، ولكن لأنهم مشغولون كثيراً بجنون الآخرين وبمُعالجتهم ومساعدتهم على تجاوز المرض، مما يجعلهم ينسون بالكامل أنهم أيضاً يُمْكِنُ أَنْ يصابوا بالجنون.
لقد تَعرّفتُ على العديد من موظفي الخدمات الاجتماعية، ومع الزعماء، والسياسيون، والمعلمون الروحيون، ووجدت أنهم يبقون أصحاء لأنهم مليئون بالاهتمام بالآخرين.
ولكن عندما تقود الآخرين خلفك، وتجعل نفسك فوقهم، فستكون النتيجة أن اضطرابك الداخلي، سيولد الاضطراب في حياتهم. نعم قد تكون أنت قد تماثلت للشفاء، وقد يكون هذا مخرج مريح لمشاكلك الداخلية ولكنه نشر لمرضك، ونقل للعدوى إلى المحيطين.
الذي يَحْكمُ الناس يعيش دائما حياة مليئة بالإضطرابات
وليسَ هو فقط يعيش بشكل مباشر في الاضطراب، ولكنه يستمر بنشر الاضطراب إلى الآخرين، لأن الاضطراب لا يولد إلا الاضطراب.
لذلك عليك أن تذكر دائما عندما تكون في حيرة وتشتت القاعدة التالية:
لا تساعد أي أحد، لأن مساعدتَك تتحول إلى سم قاتل.
عندما تكون مضطربا فلا تعمل مع الآخرين، لأنك تتحول إلى منبع للمشاكل ويصبح مرضك معديا. لا تَعطي نصيحتك لأي أحد، وإذا كان عندك ولو قطرة من الفهم فلا تَأخذ النصيحة من شخص متحير أو مضطرب.
إبقَ في حالة يقظة وحذر، لأن الناس المضطربون يحبونَ دائماً أن يعطوا النصائح، وهم يعطونها مجانا، ويوزعونها بسخاء وكرم! خذ حذرك! فالاضطراب لا يولد إلا الاضطراب.
الذي يحكم الناس يعيش في الحُزن.
عندما تتعالى على الناس فأنت تعيش في اضطراب، وعندما تسمح للغير بالتعالي عليك فأنت تَعيش في الحزن، لأن الداو تريد:
أن لا نؤثر على الآخرين
ولا أن نصبح متأثرين بسلطتهم.
ليس من الحكمة أن نحاول التَأثير على الآخرين، والأفضل أن نكونَ منتبهين ويقظين لكي لا نقع تحت تأثير الآخرين.
الأنا المزيفة ذات مقدرة على التأثر والتأثير ولكنها لا تستطيع البقاء في المنتصف
الأنا المزيفة تحاول التَأثير على الناس مما يجعلها تشعرُ بالارتياح، لأنها تتعالى في ذلك عن المحيط، ولكن يجب أن نتذكر أنّ الأنا المزيفة تشعر بأنها في وضع ليس بالسيء عندما تكون تحت سيطرة شخص أو شيء ما.
العبيد يشعرون بالارتياح عندما يخضعون لأوامر سيدهم.
هناك نوعان للتفكير في هذا العالم: التفكير الذي يُحب السيطرة، وهو في الأغلب تفكير ذكري،
والتفكير الذي يُحب أن يُسيطر عليه، وهو في الغالب تفكير أنثوي، وعندما أقول أنثوي فأنا لا أقصد النساء فقط وعندما أقول ذكري فأنا لا أقصد الرجال فقط. لأنه هناك نساء ذوات تفكير ذكري، وهناك رجال ذوي تفكير أنثوي.
هذان هما نوعا التفكير: الأول يُحبُّ السيطرة، والثاني يُحبُّ أن يُسيطرَ عليه، وفي كلتي الحالتين تكون الأنا المزيفة في وضع جيد لأنه ليس من المهم أن تُسيطر على أحد أو يُسيطر عليك، المهم هو أنت.
فعندما يُسيطرُ عليك شخص ما، فأنت أيضاً شيء مهم، لأن هيمنتَه وسيطرته تَعتمد عليك، فهو بدونك، على من سيسيطر؟ وكيف ستكون مملكتَه، وهيمنته، وامتلاكه؟ فهو بدونك، سيصبح لا أحد.
في كلتي الحالتين تشعر الأنا المزيفة أنها في وضع جيد، لأنها لا تموت إلا في المنتصف. لا تَكن تحت السيطرة، ولا تُحاول السيطرة على أحد.
عليك أن تتخيل ببساطة ماذا سيحدثُ في تلك الحالة التي تصبح فيها غير مهم، وغير ذي قيمة في أية حال، سواء كنت سيدا أو عبدا. السادة لا يستطيعون العيش بدون عبيد، والعبيد لا يستطيعونَ العيش بدون سادة، لأن كلا الطرفين محتاجون لبعضهم البعض، وهم مكملون لبعضهم البعض، كما في حالة الرجل والمرأة يُكمل كل طرف منهما الآخر بشكل أكيد.
عندما لا تَكون لا هذا الطرف ولا ذاك فمَنْ أنت عند ذلك؟ فجأة ستَختفي، لأنه في هذه الحالة أنت غير مهم مطلقاً، ليس هناك أحد مرتبط بك، وليس هناك من يحتاج إليك.
هناك احتياج كبير عند معظم الناس لأن يكون هناك من يحتاج إليه، نعم تذكر دائما أنك تَشعر بالارتياح عندما تكون مطلوبا، وهناك من يحتاج إليك. أحياناً، يجلبُ لك هذا الوضع البؤس، ولكنك رغم ذلك تحاول أن تبقى في وضعية يحتاج فيها أحد ما إليك.
الطفل المشلول الذي لا يستطيع مفارقة السرير، تبقى أمه بشكل دائم قلقة بشأنه وتتسائل ما العمل؟ هي تقول لنفسها دائما يجب أن أخدمَ وأعتني بهذا الطفل، ولكن حياتي تضيع بدون معنى حيث لا أجد المجال لبناء حياتي الخاصة. ولكن عندما يموتُ هذا الطفل، فستشعر الأم أنها ضائعة، وغير سعيدة لأن هذا الطفل كان يحتاجها بشكل شديد، بحيث أصبحت مهمة للغاية.
عندما لا يكون هناك من يحتاجك فمن أنت عند ذلك؟ نحن نطمح دائما لانشاء حالة يكون فيها من يحتاجنا، فحتى العبيد مطلوبون في مستوى معين.
فلذلك الداو لا تريد
أن نؤثر على الآخرين
ولا أن نصبح متأثرين بسلطتهم.
إن الطريق لكي نتخلص من الإضطرابات والحزن
أن نعيشَ مع الداو في عالم الفراغ.
هذه النقطة هي في الوسط وهي أرضُ الفراغ، أو الباب إلى أرض الفراغ، عندما لا تكون موجودا، ولا يكون هناك من يحتاجك، ولست بحاجة إلى أي أحد. أنت موجود كما لو أنك غير موجود.
عندما تكون غير مهم فلن تستطيع الأنا بالاستمرار والعناد. فلذلك يستمر كل الناس بالطموح بأن يكونوا مهمين بشكل أو بآخر، وحينما يشعرون بذلك فهم يشعرون بالارتياح، ولكن الحقيقة أن في هذا عذابك وشقائك وحيرتك، وامتداد لجذور جحيمك.
كَيْفَ يمكن أن تتحرر؟
يجب أن تَنظر إلى هاتين النهايتين. بوذا سمى ديانته "الطريق المتوسط"، لأنه لاحظ أنّ التفكير يعيش على طرفي نقيض، ولكن عندما نقف في المنتصف، فسوف يختفي التفكير.
هل رأيتَ رياضيا يمشي على الحبل؟
عندما تذهب في المرة القادمة إلى السيرك حاول أن تراقب الماشي على الحبل، فهو حينما يميل إلى اليسار، يتحرك فوراً نحو اليمين للموازنة، وعندما يشعر بأنه مال كثيراً إلى اليمين، يميل فورا إلى اليسار للموازنة.
من الضروري أن تتحرك إلى الجهة المقابلة وأن تميل إلى الجهة المعاكسة التي تحفظ التوازن.
فلذلك يحدث كثيرا أن السادة يُصبحونَ عبيدا، وأن العبيد يصبحون سادةَ، وكثيرا ما يتحول أصحاب السيطرة إلى خاضعين، والخاضعون إلى أصحاب سلطة ونفوذ وهكذا حتى اللانهاية يبقى القانون الشامل هو "العودة إلى التوازن والحفاظ عليه".
هل لاحظت هذا القانون في علاقاتك؟
عندما تكون متزوجا، فهل أنت حقا "زوج" في مدة الأربع وعشرين ساعة؟
إن لم تلاحظ ذلك فأنت قليل الانتباه، ففي مدة الأربع وعشرين ساعة، يحدثُ التغير أربع وعشرين مرة على الأقل، حيث تصبح الزوجة هي الزوج ، والزوج هو الزوجة أحيانا، ثم يعود الزوج ليكون زوجا والزوجة زوجة في أحيان أخرى.
وهكذا يستمر التَغير من اليسار إلى اليمين، ومن اليمين إلى اليسار، وتستمر الحياة كالذي يمشي على حبل مشدود، عليه أن يُحافظ على التوازن. وتستمر عملية الحذر والحفاظ على التوازن بين الزوجين بشكل مستمر، دون أن يسمح أحدهما للآخر بخرق هذا القانون وتجاوزه لكي لا تتحطم العلاقة ثم تتوقف.
عندما لا تكون في وضعية البهلوان الذي يمشي على الحبل فمن الصعب أن تلاحظ كيف يبقى في توازن مستمر في المنتصف، بدون أن يميل إلى اليمين ولا إلى اليسار. لقد كان المشي على الحبل في جبال التبيت يُستعمل للتأمل، لأنه في المنتصف، وعند التوازن يختفي التفكير. وهو يعود إلى التواجد والظهور عندما تَميل إلى اليمين، محذرا إياك: "وازن، عليك بالميل إلى اليسار."
عندما تظهر المشكلة، يظهر التفكير. وعندما لا يكون هناك مشاكل، لا يستطيع التفكير أن يظهر؟ عندما تكون في المنتصف بشكل ثابت ومتوازن كلياً، لن يكون هناك تفكير. الموازنة تَعني اختفاء التفكير.
لقد سمعتُ عن أم كانت قلقة جدا بشأن ابنها، الذي بلغ عشر سنوات ولم يتكلم حتى الآن ولا كلمة واحدة.
لقد حاول الأطباء بكل جهدهم إيجاد السبب ولكنهم فشلوا في ذلك وقرروا: "كل شيء على ما يرام، إن وضع الدماغ عادي، والجسم ينمو بشكل جيد، وليس هنالك أي نقص فيزيائي، إن الطفل يتمتع بصحة جيدة ونحن لا نستطيع أن نفعل شيئا تجاه حالته، نعم لو كان هنالك شيء خاطئ، كان من الممكن أن نفعل شيئا."
وبينما كانت حالة الصبي مستمرة هكذا بدون كلام، إذا به فجأة، في صباح أحد الأيام يتكلم ويقول: " أمي، حلاوة السميد هذه مالحة جدا، ولا يمكن أكلها."
لم تستطع الأمّ أن تصدق ما تسمعه أذناها، وصرخت بتعجب وقالت: "ماذا! هل تَتكلم؟ وتنطق بهذا الشكل الجيد! لماذا كنت صامتا دائماً؟ لقد حاولنا إقناعك بكل جهدنا ولكنك لم تتَكلم ولا كلمة."
أجاب الطفل:"كل شيء كان على ما يرام ولكن هذه المرة الأولى التي تكون فيها الحلاوة مالحة."
إذا كان كل شيء على ما يرام فلماذا يجب أن نَتكلم؟
الناس يأتون لعندي ويُبدون ملاحظتهم: " أنت تَستمرُّ بالكلام كل يوم" فأجيب: " نعم، لأن الكثير من الناس الذين يمشون على الطريق الخطأ مازالوا يستمرونَ بالمجيء إلى هنا. هناك الكثير من الأشياء الخاطئة مما يضطرني للكلام، إذا كان كل شيء على ما يرام فليس هنالك حاجة للكلام.
أنا أَتكلم بسببك، لأن حلاوتك مالحة جدا."
التفكير يختفي عندما يصل للمنتصف بين أي طرفين أَو قطبين.
حاول بنفسك المشي على الحبل فهو تمرين رائع جميل، وهو أحد الطرق الدقيقة للتأمل.
ليس هنالك حاجة لأي شيء آخر، أنت يُمْكِنُ أَنْ تراقب نفسك أو تُراقب غيرك وهو يمشي على الحبل وسوف ترى كيف يحدث كل هذا.
يجب أن نتذكر أن التفكير يتوقف على الحبل، لأن الإنسان يشعر بالخطر، وفي تلك اللحظة التي يعمل فيها تفكيره نراه يسقط.
الماشي على الحبل لا يستطيع التفكير، لأنه عليه أن يكونَ يقِظَا في كُلّ لحظة، ويجب أن يحافظ على التوازن بشكل مستمر.
الماشي على الحبل لا يستطيعُ الشعور بالأمان، لأنه ليسَ آمنا، وهو لا يَستطيعُ الشعور بأنه محمي، لأنه ليسَ محميا، الخطر موجود دائماً وأي اختلال في التوازن في أيّ لحظة يعرضه للسقوط حيث ينتظره الموت لا محالة.
عندما تمشي على الحبل فستجد شيئين: يتوقف التفكير لأن هنالك خطر، وحينما تَكون في المنتصف بشكل أكيد بدون ميل إلى اليسار ولا إلى اليمين، فسوف تلاحظ أن هناك صمت عظيم يتنزل عليك، صمت لم تكن تتوقع وجوده سابقا قبل ذلك. وهكذا يحدثُ في كل شيء، كل الحياة عبارة عن مشي على الحبل.
لذلك رغبت الداو أن نبقى في المنتصف، وأن لا نكُون مسيطرين أو تحت السيطرة، وأن لا نكُون زوج ولا زوجة، وأن لا نكُون سيدا ولا عبدا.
إن الطريق لكي نتخلص من الإضطرابات والحزن
أن نعيشَ مع الداو في عالم الفراغ.
في المنتصف، يفتحُ الباب إلى أرض الفراغ. عندما لا تكون موجودا، يختفي العالم بأكمله، لأن العالم المحيط بك يعتمد عليك، نعم كل العالم الذي أنشأته حولك يعتمد عليك، واختفاؤك يعني زواله بأكمله.
أنا لا أقول أن الحياة تذهب في عالم اللاوجود، ولكن العالم المحيط يختفي وتظهر الحياة. هذا العالم الذي نُنشؤه بأفكارنا يذهب وتبقى الحياة الحقيقة في حيز الوجود.
هذا البيت سَيَكُونُ موجودا، ولكنه لن يَكُونَ لك. هذه الزهرة سَتَكُونُ موجودة ولكنها سَتُصبحُ بلا اسم.
هذه الوردة لن تكُون جميلة ولا قبيحة. الزهرة ستكُونُ موجودة، ولكن وجودها لن يحفز أية تعاريف أو مفاهيم في تفكيرك.
سيختفي كل الهيكل التصوري لتفكيرنا. وستبقى الحياة بدون الأصباغ التي نضعها عليها، عارية عن تصوراتنا، بريئة عن أوهامنا، نظيفة صافية كانعكاس لهذا الوجود، ولكل هذا الكون المحيط. في أرضِ الفراغِ تختفي كل المفاهيم، والتخيلات، والأحلام.
إذا كان الرجل يَعْبرُ النهر
واصطدم مركب فارغ بزورقه الصغير الخاص
فلو أنه كان رجلا سيّئ الطباع
فهو لَنْ يكون غاضبا جداً.
ولكنه لو رأى رجلا في ذلك المركب،
فسيصرخ حتما عليه بأن يقود بشكل أحسن
وإذا لم يكن صياحه مسموعا فسيصرخ من جديد
وسيصرخ ثانية ثم يبدأ بإمطار ذاك الرجل باللعْنات
وكُلّ ذلك لأنه هناك شخص ما في ذلك المركب.
على الرغم من أنه لو كان المركب فارغا،
فلم يكن ليصيح،
ولم يكن ليغضب.
عندما يستمر الناس بالاصطدام بك والشجار معك، عندما يكون الناس غاضبين منك، تذكر أن هذا ليس خطأهم، وأن هذا يعني أن مركبك ليسَ فارغا. الناس غاضبون لأنك مازلت موجودا. أما عندما يكون المركب فارغا، فهم سيبدون كالحمقى، لأن توجيه الغضب على المركب الفارغ يدل على جهل وحماقة كبيرين.
أحيانا يغضب الناس القريبون جدا مني والحقيقة أنهم يبدون في غضبهم حمقى جداً! عندما يكون المركب فارغ، فقد تستمتع بغضب الآخرين، لأنه ليس هنالك من يغضبون منه، نعم هؤلاء لم ينظروا هل يوجد الشخص الذي يسلطون عليه غضبهم أم لا!
تذكر أنه عندما يستمر الناس بالاصطدام بك والشجار معك، فهذا يعني أنك موجود أكثر من اللازم، وأنك حائط صلب لا يمكن عبوره. يجب أن تكون بابا، ويجب أن تصبح فارغاً، وأن تترك الناس يعبرونَ من خلالك.
ومع ذلك سيكون الناس غاضبون منك أحيانا، الناس يحنقون ويصبون غيظهم حتى على بوذا، لأنه هناك أناس حمقى لا ينظرون عند اصطدام مركبهم بمركب فارغ، ليستوضحوا هل هناك شخص ما فيه أم لا.
هؤلاء يبدأون بالصراخ، لأنهم مستاؤون جدا ضمن أنفسهم على كل شيء، وغير قادرين على رؤية هل هناك شخص أمامهم أم لا.
وفي هذه اللحظات المركب الفارغ يستطيع أن يستمتع بكل ما يجري، لأن الغضب لايمسه، ولا يخصه، ولا يجرحه، أنت غير موجود فمن الذي سينجرح؟
في الحقيقة إن رمز المركب الفارغ جميل جداً. الناس يغضبون لأنك موجود أكثر من اللازم، لأنك ثقيل وصلب جداً بحيث لا يستطيعونَ العبور من خلالك.
الحياة متشابكة وتربطك مع كل شيء حولك، وعندما تكون موجودا أكثر من اللازم فسوف يحدث الاصطدام وينشأ الغضب والكآبة والعدوانية والعنف في كل مكان، وسيستمر النزاع.
عندما تلاحظ أن شخصا ما غاضب منك، أَو تراه وقد اصطدم بك، فأنت تَعتقد دائماً أنه المسؤول وأن الوزر يقع عليه. هكذا يصنع جهلنا النتائج ويفسرها معلنا دائماً: "هو المسؤول وهو الظالم!" الحكمة تقول دائماً: "إذا كان هنالك شخص مسؤول عما يحدث، فهو أنا، والطريقة الوحيدة لمنع الاصطدام هي أن لا أكون موجودا."
"أَنا مسؤول" لا تَعني أنني فعلت شيئا أثار غضب من حولي، لا إن الأمر ليس كذلك.
قَد لا تَعْملُ أيّ شيء، ولكن مجرد حقيقة أنك موجود كافية لإثارة غضب الناس. المشكلة ليست أن تفعل شيئا جيدا أو سيئا، المشكلة في أنك موجود.
هذا هو الإختلاف بين الداو والأديان الأخرى. الأديان الأخرى تَقول جازمة: "كن جيداً، وتصرف بحيث لا يغضبُ أحد منك" أما الداو فيقولُ: "لا تَكن".
المشكلة ليست في أنك تَتصرف بشكل حسن أو بشكل قبيح، المشكلة ليست في ذلك.
لأن الرجل الجيد، حتى الرجل القديس قد يولد الغضب، لأنه موجود. أحياناً قد ينشأ الرجل الجيد غضبا أكبر من الرجل السيئ، لأن الرجل الجيد يعني رجل أناني ولكن بشكل دقيق لايمكن ملاحظته. الرجل السيئ يشعر بنفسه مذنبا، نعم قد يكون مركبه ممتلئا، ولكنه يشعر بالذنب ويفهم أنه سيئ. في الحقيقة مثل هذا الإنسان لايشغل مكانا كبيرا على المركب، لأن شعوره بالذنب يُساعدُه على الإنكماش. أما الرجل الجيد فهو يشعر بأنه جيد بحيث يملأ المركب بالكامل،وقد يزيد عنه.
لذلك حينما تكون بقرب رجل جيد، فأنت ستَشعر بأنك تتعذب دائما، ومع أنه لايقوم بتعذيبك إلا أن وجوده يعذبك جدا.
مع الناس الجيدين بين قوسين ستشعر بالحزن دائماً، وستفضل أن تَتفاداهم، لأن التواجد معهم مسألة ثقيلة جداً، حيث أن التحادث معهم يجعلك تشعر بعدم الإرتياح، والَضغط الداخلي، وستحاول أن تَتركهم بأسرع ما يمكن.
الفلاسفة الأخلاقيون، المستقيمون، فاعلوا الخير كلهم ثقيلون، وهم يجلبون عدم الارتياح والضغط النفسي لكل من حولهم، ملقين بظلال مظلمة كثيفة حولهم، ولايمكن لأحد أن يحبهم أو يعجب بهم.
هؤلاء الناس لا يمكنُ أن يَكُونوا أصدقاء ولا رفاقا جيدين.
دعونا نقول أن الصداقة مع الرجل الجيد مسألة شبه مستحيلة، لأن نظراته تدينك دائماً، وفي تلك اللحظة التي تقترب فيها منه، فستعلم أن جل اهتمامه منحصر في أنه جيد وأنك سيئ. ومع أنه لايفعل أي شئ بشكل خاص، إلا أن حقيقة وجوده تنشأ شيئا غير مفهوم يحفز عندك الغضب والانزعاج.
الداو مختلفة كلياً، فهي تمتلك نوعية مختلفة، وبالنسبة إلي الداو هي الدين الأعمق من بين كل الأديان التي وجدت على هذه الأرض، وليس هنالك مقارنة بينها وبين أي دين آخر. نعم لقد كانت هنالك لمحات مشعة تشبه الداو في أقوال عيسى وبوذا وكريشنا ولكنها مجرد لمْحَات.
رسالة لاو تسزي أو تشجوان تزي هي الرسالة الأصفى، وهي نقية ونظيفة جداً، ولم يلوثها أي شيء. هذه الرسالة كانت: كل مايحدث معك نتيجة لأن هناك شخص ما في المركب، وكل هذا الجحيم لأن مركبك غير فارغ.

يتبع

http://arabreiki.net/news.php?action=show&id=20

 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات