سيدي الشيخ أحمد فتح الله جامي شيخ الطريقة الشاذلية
مختصر مما كتبه الشيخ :عبد الباقي حسن (أبو منصور)
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد :
هذه لمحة قصيرة عن بعض جوانب حياة شيخنا وسيدي وسندي الشيخ أحمد فتح الله جامي شيخ الطريقة الشاذلية، الموشيُّ مولداً، الخالديُّ نسباً، المرعشيُّ سكناً، الشّافعيُّ مذهباً، حفظه الله تعالى ورعاه، وأطال بقاءه ونفعه للمسلمين آمين .
1. نشأته (حفظه الله تعالى) :
نشأ في أسرة شريفة نسيبة، اشتهرت بالتقوى والصلاح والعلم إضافة إلى الشجاعة وإغاثة الملهوف. وكان جده الشيخ عبد الله جامي رحمه الله تعالى من العلماء البارزين في وقته، وهكذا أجداده من الشيخ إسماعيل إلى الشيخ ملا جامي رحمهم اللهأما والد شيخنا (فتح الله جامي) رحمه اللهفقد انقطع عن تحصيل العلم بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى، حيث شارك في العديد من المعارك ضد الجيوش الروسية الغازية. وكان معروفاً بشجاعته وإقدامه، ففي إحدى المعارك فر جميع المقاتلين الذين كانوا معه أمام الزحف الروسي، ولم يبق إلا هو ورجل آخر في أرض المعركة، ولكن هذا لم يلبث إلا أن انسحب وهو يقول لفتح الله جامي رحمه الله : (والله ما انسحبت في عمري من أرض معركة تاركاً أي جندي خلفي يقاتل العدو إلا الآن ، وأنت غلبتني في المصابرة). وعندما بقي وحده رحمه اللهرأى من الحكمة الانسحاب ليتحيز إلى فئة من المسلمين فانسحب ، وفي طريقه وجد امرأة من المسلمين تستغيث حتى لا تكون فريسة للروس، نظر رحمه الله تعالى فوجد المنطقة قد خلت من سكانها تقريباً فارين من الزحف الروسي المنتشر في كل مكان، وتمر قوافل المهاجرين بجانبها وليس فيهم من يغيثها لشدة ما هم فيه فوقف رحمه الله عندها ووجد أنه من الواجب عليه أن يغيثها، فأردفها خلفه على فرسه حتى ألحقها بالمسلمين آمنة مطمئنة .
لهذا السبب ولكثرة الحروب حينها لم يتمكن رحمه الله تعالى أن يتابع دراسته في العلم الشريف كأجداده رحمهم الله تعالى ، ولكن كان حريصاً على أن يكون ولده (أعني فضيلة شيخنا حفظه الله) طالب علم ويسلك طريق العلماء، فجعله عند من يعلمه العلم الشريف، وهو الشيخ حق شوناس رحمه الله تعالى ولكن حال بينه وبين ذلك وفاته تاركاً له أيتاماً، وكان شيخنا حفظه الله أكبرهم سناً إلا أنه لم يتجاوز من العمر ثماني سنوات . فتأخر حفظه الله تعالى عن تحصيل العلم بسبب ظروف اليتم وتربية أخيه محمد وأخواته .
2. طلبه للعلم(حفظه الله تعالى) :
لما تم له من العمر عشرون عاماً بدأ بتحصيل العلم بشكل جدي دائم ، وفي نفس الوقت بدأ بالسير والسلوك في مجاهدة النفس في الطريقة النقشبندية. ولكن لم يلبث حتى أصيب في أول مراحل سيره وتحصيله في شقيقه محمد حيث توفاه اللهفصبر على ذلك وثبت ثبوت الجبال الراسيات في الصدمة والمصيبة، وفوض أمره إلى الله .
وتابع سيره وسلوكه وتحصيله في طلب العلم، وصار ينتقل من قرية إلى قريـة، ومن مدينة إلى مدينة، ومن دولة إلى أخرى، وطلبه الوحيد البحث عن المكان الأنسب للسير والسلوك، وعن الأستاذ التقي النقي لتحصيل العلم على يديه، وأكرمه اللهبذلك، فجميع أساتذته من أهل التصوف الخالص .
فأخذ علم الفقه واللغة العربية عن الشيخ عبد الهادي العمري البوطي رحمه الله وهو مأذون في الطريقة النقشبندية . وتابع ذلك على يد الشيخ عبد الرحمن العمري البوطي رحمه الله وأخذ منه الكثير من العلوم الأخرى، وكذلك أخذ العلوم عن الشيخ محمد ظاهر الملاز كردي فهو أستاذ أستاذه الشيخ عبد الرحمن العمري رحمهما الله .
وكان حفظه الله وهو في حالة طلب العلم له إشارات معهم، فمرة كان مع بعضهم في ميدان كبير في فصل الربيع وقد ازدهرت الأرض، فنظر إلى تلك الأعشاب النظيفة المهتزة، وقال لأستاذه: يا سيدي إن قلب الإنسان نظيف وسليم كهذا المكان، فإن حافظ عليه من الأغيار ولم يدخل اليه غير اللهيبقى سليماً نظيفاً، ولكن إذا دخلته الأغيار والدنيا والشيطان فإنهم يعبثون به ويدوسونه ويفسدونه، وعندها يظلم القلب بعد البياض الناصع، كما لو دخلت البهائم هذا الميدان وعبثت بالأعشاب وداستـها. فسر أستاذه وتعجب منه لهذه اللفتة الكريمة .
ومرة أخرى كان مع بعض أساتذته بين أشجار متنوعة، فنظر إليها بنظراته الربانية وتفكر في أحوالها وأشكالها، ثم قال لأستاذه : يا سيدي أنا أنظر إلى هذه الشجرة المقطوعة أطرافها التي هي في غنى عنها، كيف استوت واستقامت وعلت، وأنظر إلى تلك الأشجار التي لم تقطع أطرافها كيف قصرت قامتها والتوت وبقيت مع الأرض، وكذلك المؤمن إذا قطع علائقه من الدنيا وتعلق باللهفإنه يذهب مستقيماً إلى أعلى حيث يترقى. ففرح أستاذه لهذه الإشارة .
ومرة قال لأحدهم: كأنني أشعر بالخجل إذا قلت سبحان الله، إذا كان معنى ذلك أنزه اللهعن كل صفة ناقصة، هل هناك نقص ؟ حاشاه من ذلك تعالى وتقدس .
كيف لا يكون هكذا وكان معروفاً بصمته الطويل ولا يتكلم إلا قليلاً وعند الحاجة وكان مشهوراً حفظه الله بقلة الطعام وكثرة الصيام وحبه الخلوات وكانت أكثر خلواته شهراً كاملاً، وكان معروفاً عند جميع إخوانه بصمته الطويل، حتى قال لي مرة أحد طلاب العلم من الجزيرة لما رأى الدرر ووصاياه الكثيرة حفظه الله ، قال : سبحان الله هذا الذي لا يتكلم إلا القليل القليل وكان معروفاً بعزلته، كيف يتكلم بكل هذه الحكم والوصايا ؟ ثم قال: (إذا رأيتم المؤمن صموتاً فادنوا منه فإنه يلقِن الحكمة) . كما ورد في الأثر .
وكان حفظه الله وهو في حال تنقله من مكان لآخر في طلب العلم، معتمداً على اللهومتوكلاً عليه، ولم يسأل ولو مرة واحدة عن أسباب العيش في المكان الذي يتوجه إليه هو وأهله، وإنما يسأل دائماً كما مر معنا عن الأستاذ وأخلاقه وصدقه وسلوكه .
وكان يقول حفظه اللهعن هذا الجانب :
(أخذت علومي من المتقين، وتأدبت بآدابهم حتى أجازوني بالإجازات العلمية، وهذا من فضل الله. لقد عشت مع المتقين وأخذت الطريق من الصادقين) .
وأكرمه اللهبعد ذلك بغزارة العلم، وهو شافعي المذهب، وإن توسعه في الفقه الحنفي لا يقل عنه في الفقه الشافعي، وقد قرأ كتاب حاشية ابن عابدين أكثر من سبع مرات دراسة وتدريساً، وتوسع في علمه حتى اشتهر بذلك، وأصبحت دوائر الإفتاء في تركيا ترسل إليه الكثير من المسائل لحلها، وهو بجانب هذا يشتغل بالطـريق .
ولقد بلغ من محبته للشرع الشريف الدرجات العالية، فكان غيوراً على شرع الله، وكل شيء أضحى رخيصاً عنده أمام الشرع ، حتى قال مرة: نحن لا ننحرف إن شاء اللهما حيينا عن شرع اللهولو كانت لي الآلاف من الأرواح لقدمتها روحاً بعد روح فداء لهذا الشرع. نحن لا ننحرف عن الشريعة من أجل أنفسنا، فكيف ننحرف عنها من أجل الناس ؟ .
وقال أيضاً: الشريعة حبل اللهالنازل من السماء إلى الأرض وهو الطريق الوحيد للخلاص من الغرق في بحر الدنيا ، ومن ادعى طريقاً آخر لذلك ضل وأضل ، وسلوك هذا الطريق هو اتباع رسول اللهواتباع من اتبع رسول اللههو اتباع لشرع الله .
3. سلوكه في طريق القوم :
كما ذكرنا سابقاً، أنه حفظه اللهبدأ بالسير والسلوك عندما بدأ بطلب العلم الشريف، أخذ الطريقة النقشبندية عن سيدي إبراهيم حقي رحمه اللهولازمه فترة طويلة من حياته ويقول حفظه الله: (ربيت على يد الشيخ إبراهيم حقي رحمه اللهوبقيت معه حتى آخر لحظة من حياته حيث غسلته وكفنته بيدي رحمه الله) وبعد وفاته أخذ يبحث عن مرشد له، وامتد بحثه عن المرشد الجديد من الجزيرة إلى حدود استنبول، وبقي سبعة عشر عاماً على هذا الحال .
وخلال هذه الأعوام كان مجاهداً لنفسه على طريقة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى وكان يكثر من خلواته، حتى تعرف على شيخه في الطريقة الشاذلية سيدي الشيخ عبد القادر عيسى الحلبي رحمه الله وحصل على نسخة من كتاب الشيخ رحمه الله (حقائق عن التصوف) إلا أنه تريث ولم يستعجل بالمبايعة وقال: إن هذا ديني لا أستعجل في أمره، وبقي حفظه اللهعاماً كاملاً، يقرأ كتاب الحقائق ويستخير حتى أوقفه اللهعلى حقيقة الطريق الشاذلي المبارك، فأرسل إلى سيدنا الشيخ عبد القادر عيسى يستأذنه في المجيء إليه وإن خرج من الدنيا قبل لقائه فهو يُشهد اللهأنه من أهل هذا الطريق، وأذن له سيدنا الشيخ عبد القادر بالمجيء، ودخل الطريقة، وأدخله خلوة لمدة عشرة أيام، ثم أذن له بالورد العام، وبعد أعوام أعطاه الإذن بالورد العام والخاص وهو الآن خليفة الشيخ رحمه الله .
وله كلمات حول هذا الموضوع نأخذ بعضاً منها :
يقول حفظه الله: طوال هذه الأعوام بعد وفاة شيخي الأول، وأنا أبحث عن المرشد كنت في معية سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني بروحانيته، وكنت أرى الذي أراه، ولكن ليس طلبي كشفاً ولا كرامة، طلبي غير هذا، حتى أكرمني الله بسيدنا الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله .
ويقول كذلك: طريقة الإمام الغزالي رحمه الله سلوكي، وطريقة الإمام الشاذلي رحمه الله مشربي، فالأولى في الرياضات والثانية في الذكر .
ويقول حفظه الله: الناس اليوم في واد والطريق في واد آخر، أين أهل الطريق من الخلوات؟ والله إلى الآن ما شبعت من الخلوات، ولا يمكن لي أن أتركها .
ويقول حفظه الله عن غرضه من الطريق : غرضي من الطريق العبودية لله وأن أكون على قدم سيدنا إبراهيم الذي هو أحب الخلق إلي بعد سيدنا رسول الله. وأن أكون على قدم سيدنا رسول الله في العبودية الذي يقول : (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً) . غرضي من الطريق أن أسير هكذا، ولكن لا بد من الخدمة، ونرجو الله العون والمدد .
وهكذا تحلى حفظه الله زيادة على مواهبه الكثيرة بموهبة الفناء التام عن الناس والخلق جميعاً، والفناء التام في الله وعبوديته وشرعه،(أي أن لا يرضا إلا بما يرضا به الله تعالى ) حتى قال: (من بين ما قال) لا توجد رابطة مع الشيخ في الطريقة الشاذلية بل رابطة مع رب الشيخ وهذه الموهبة العظيمة نشأت معه في أوائل سيره إلى اللهثم أعطي غزارة العلوم اللدنية، ولذلك لما ظهر للإرشاد كان ظهوره وتأثيره على الخاص والعام في مدة وجيزة، وفي جو الغربة والوحدة، فكل من يقرأ كلامه أو يجالسه فيسمع منه يتحول بدون شعور منه إلى الاستفادة والاستماع اللذيذ. والتعجب منه سواء كان من أهل الطريق أو غيره، وغير أهل الطريق يتعجبون أكثر لأنهم أبعد عن هذه العلوم من أهل الطريق، وهذه العلوم عندهم أندر وأعز، أما أهل الطريق فيتوقعون من مرشدهم علوماً وتأثيراً فيتحولون من الشك إلى اليقين، ومن التردد إلى التسليم .
ومن مواهبه الكثيرة التمكين والصحو التام في جميع الأحوال، وهذا الصحو التام المستمر لا يوجد إلا في كبار الكبار من السلف والوارّث السابقين .
ومن مواهبه حفظه الله فرط حبه لرسول الله وآل بيته وشرعه وسنته السنية، وهو حفظه الله لا يتكلم عن الطريقة إلا في مضمار الشريعة والسنة، حتى إن كثيراً ممن ليسوا من أهل الطريق يحتجون بوصاياه الكثيرة على المتصوفة الذين يفرقون بين الطريقة والشريعة، ويحاجون بها بعض أهل الطرق الذي يهتمون بالطريقة أكثر من الشريعة والسنة .
ويقول حفظه الله في موضوع اختلاف بعض أهل الطرق: الدين واحد لا يتعدد، والمؤمنون اختلفوا لاختلاف الأشخاص والأفهام والأهواء، فلا بد من ترك الكل واتباع الرسول فيما أمر ونهى .
هذا هو الدين الصحيح وليس هناك طرق للولاية إلا اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام . وهكذا جرد حفظه الله كل من ادعى شيئاً لنفسه وادعى طريقاً خاصاً به ليتفرد بالهيمنة على بعض الناس، وبأنه هو الذي هداهم إلى الحق، والله هو المهيمن الهادي .
ويقول حفظه الله في قدوته: من لم يقلد أسلافه لا يُعتمد عليه، ومن لم تكن عنده حرمة المشايخ محفوظة في حال حياتهم وبعدها لا يعتمد عليه، كيف يصلح أن يكون قدوة إذا لم يكن مقتدياً بأسلافه؟ فنحن نقلد أسلافنا في الدين، ولا نفكر في أنفسنا هذا هـو سلوكنا، فأنا أقلد سيدي بديع الزمان النورسي رحمه الله تعالى وأقلد الإمام الغزالي رحمه الله ، وكذلك شيخي الأول رحمه الله سيدي إبراهيم حقي ، وسيدنا الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله . وإني التقيت بهذين الشيخين رحمهما الله وانتفعت بهما، ورأيت كل واحد منهما موافقاً، ولكن وجدت من يحبهما من الناس قليل .
سأله بعضهم مرة فقال له: يا سيدي بمَ نلت الذي نلته ؟
فأجاب حفظه الله بقوله: بثلاثة أمور، بالصدق وبالإخلاص ومحو الأنا، وهذه من أصعب الأمور على النفس الأمارة بالسوء .
4. خدمته(حفظه الله تعالى) لمشايخه :
نذكر (مثالاً) واحداً عن خدمته لأستاذه الأول الشيخ عبد الهادي رحمه الله:
مرض بعض أفراد أسرة أستاذه مرة، وطلب المريض ماء الثلج، ولم يكن حينئذ الكهرباء ولا الثلاجات، فسمع حفظه الله أن المريض يطلب ماء الثلج والوقت في أربعينية الصـيف، ولم يكن هناك ثلجٌ إلا على رأس جبل، يستغرق الوصول إليه يوماً كاملاً، فذهب حفظه اللهعلى قدميه إلى ذاك الجبل ، يوماً ذهاباً ويوماّ إياباً ، ليحمل الثلج بالأكياس على ظهره، وتحمل المشاق حتى وصل بالبقية الباقية من الثلج . أما عن خدمته لسيدنا الشيخ عبد القادر عيسى رحمه اللهوخاصة عند مرضه فحدّث ولا حرج ، وأهل حلب من إخوان الشيخ رحمه الله الذين كانوا يزورون الشيخ عبد القادر يعرفون هذا فندع الحديث لهم .
5. صبره وتحمله للمصائب :
لقد أكرمه الله بتحمله للمصائب والشدائد والصبر عليها الشيء الكثير . وأنا أذكر بعضاً من الصور التي يتجلى فيها صبره .
أولاً : خلال رحلاته في طلب العلم والسير والسلوك حيث ارتحل بأهله أكثر من عشر مرات، ولم يرحل من مكان إلى آخر إلا ويترك بعض أولاده الصغار تحت أطباق الثرى، حيث توفي له في تلك الرحلات أحد عشر ولداً، غسـل الجميع بيده، وهو صابر محتسب مفوض أمره إلى الله ويشكر اللهعلى كل أحواله، راض بما اختاره اللهله، بل كان يقول حفظه الله: الحمد لله على كل حال، فإني لا أعلم لو بقي هؤلاء الأطفال أحياء ربما لم أتمكن من مواصلة طلب العلم، والسير والسلوك .
ثانياً: أصيب بولده الكبير السيد محمد صبيح رحمه الله وبابنته طيبة وكانت متزوجة رحمها الله ولم يكن لها أولاد، بعدما أن أصيب هو في نفسه بكسور كثيرة في جسده، ودمرت السيارة تدميراً كـاملاً، وقبل الحادث توفي زوج ابنته الكبيرة الذي خلف لها ثلاثة أطفال. وكان خلال هذه الفترة من الحادث يصلي على ظهره، ثم تحسن وضعه الصحي فأصبح يصلي جالساً مدة من الزمن دون أن يتمكن من السجود، وكان يتألم من هذا الحال ويتساءل متى يعود للسجود؟ متى يتمكن من وضع جبهته على الأرض ساجداً لمولاه؟ وكان أكثر دعائه أن يمكنه الله من السجود على جبهته . حتى جاء الفرج من الله يقول حفظه الله: والله لا أستطيع أن أقدر مدى فرحي وسروري وشكري لله حين سجدت لله أول سجدة على الأرض بعد الحادث . وسجد سجود شكر لله لأن الله أكرمه بالسجود .
ثالثاً : جُرِّد من أمواله أكثر من أربع مرات عندما كان يطلب العلم فكان طلب العلم مقدماً عنده على المال ، وترك أملاكه العقارية أثناء سفره، فانتهز الفرصة بعض أقاربه واستولى على العقارات مستغلين غيابه وانشغاله في طلب العلم، وبعد عودته من رحلاته طالب بأملاكه فأبو عليه، فلم يدخل معهم في خصومة لحق القرابة بينهم، وفوض أمره وأمرهم إلى الله شعوراً منه بأن الله عوضه خيراً من ذلك .
6. رحمته وشفقته على خلق الله وخاصة اليتامى :
كيف لا يتخلق بهذا الخلق ؟ والنبي يقول: (الراحمون يرحمهم الرحمن) كيف لا يرعى اليتامى؟ ورسول الله يقول: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً) .
فكان يرعى اليتامى وهو يتيم بعد وفاة والده رحمه الله ، وبعدها رعى اليتامى حتى اجتمع عنده أولاد ابنته الكبيرة التي توفي زوجها وترك لها ثلاثة من الأطفال، وأولاد ابنه محمد صبيح رحمه الله وكانوا أربعة، فضم أولاد ابنه إلى أولاد ابنته إلى أولاده وأصبح قيماً عليهم جزاه الله خيراً .
وأما رحمته بالناس فكل من خالطه عرف مدى رحمته بالخلق عامةً، وبالمذنبين خاصة، وكان يقول: مدار الطريق على أمرين:
الأول : امتثال أمر الله تعالى .
والثاني: الشفقة على خلق الله بدون مداهنة، وكان يبكي كثيراً عندما يرى مبتلى في دينه أو جسده .
ومن شفقته على الناس وشجاعته، حدث مرةً أن كان حفظه الله في بيته، فهجم جماعة من الرجال على جار له لشيء بينهم ليهينوه ويضربوه، فأسرع حفظه الله إليهم حين رأى جاره وحيداً، ليس له أهل أو عشيرة يدافعون عنه، حاول أن يردهم بالرجاء والالتماس فأبوا إلا العنف والقسوة والغطرسة على جاره ويريدون ضربه في بيته فأسرع حفظه الله إلى بيته وأتى بعصا كبيرة وقال لهم ما معناه : أردت ردكم عن هذا الفقير بالتي هي أحسن فأبيتم إلا العنف، فوالله إن ضربه أحد منكم سوف أكسر هذه العصا على رؤوسكم، وصاح بهم، ففروا بأجمعهم، ولم ينالوا من جاره ماجاؤوا لأجله .
نعم لقد كان حريصاً أن يتقرب إلى الله من كل الطرق ، لقد دخل على الله من باب التوابين، ودخل عليه من باب الصدق، ودخل عليه من باب الإخلاص، ودخل عليه من باب العلم والعمل ، ودخل عليه من باب الشفقة على خلق الله ، ودخل عليه من باب الخدمة للمؤمنين وحب الخير لهم، ودخل عليه من باب الصبر ، ودخل عليه من باب الهجرة في طلب العلم والمعرفة ، ومن باب الهجرة في خدمة الطريق حتى أنه هاجر من بلده إلى حلب من الزمن فتوفرت له أسباب الإقامة فيها كالبيت والأهل وغير ذلك ، ثم هاجر منها ثانيةً بكل معنى الهـجرة . فتمت له والحمد لله جميع أبواب الوراثة لرسول الله . فجزاه اللهعنا وعن المؤمنين خير الجزاء ، وكل ما ذكرناه أو يذكره غيرنا عنه هو غيض من فيض عن أول نشأته وسيره في طلب العلم والمعرفة، وإنه لجدير بالأمة أن تجعله قدوة وسنداً ومشعلاً منيراً في عبوديته لله وإنه لجدير بها أن تأخذ بوصاياه النابعة من بحر أخلاقه القرآنية، وسلوكه النوراني. فلنجعل يدنا في يده حتى نصل إلى ساحل الأمان بإذن الله لنكون معه بصدق وإخلاص في السر والعلن .
كل ما ذكرناه فواللهِ إنه نقطة من بحر فيوضاته، ولقد وقفنا كما وقف الكثير من غيرنا على شيء من حقيقة الوراثة النبوية. ولكن لا يمكن للصغير أن يعرف الكبير، وهل يملك الصغير ميزاناً يزن به من هو أكبر منه؟ وكيف يعرف طالب الصف الأول أستاذه بشكل كامل ، كيف يعرف ذلك الطالب أستاذه ومدى علمه وأخلاقه وأحواله؟ كيف يعرف ولد عمره سنة والده بشكل كامل؟ ولكن لابد أن نسير الخطوة بعد الخطوة بالموافقة والتسليم لوارث رسول الله .
ومن أسباب التوفيق التي منحها الله إياه الزوجة الصالحة ، فعاشت معه طيلة تلك الفترات بعيدة عن الأهل والأقارب والعشيرة ، وهي تتنقل معه من مكان إلى آخر متحملةً الغربة والفقر والشدائد ، ويشهد بذلك كل من له معرفة بحالهم وبأسرتهم الأبية ، ولم يسمع أحدٌ منها ولو بالإشارة جزعاً أو مللاً أو اعتراضاً أو طلب زخارف الدنيا لها أو لأولادها حتى النهاية . فجزاها الله تعالى عنا خير الجزاء . بل كانت معه في الرقي أخلاقاً وتعلماً وتصوفاً تأخذ من حاله وقاله حفظهم الله جميعاً .
ونسأل الله أ ن يوفقنا لموافقته ولمتابعته وأن يجعل صحبتنا له حجة لنا لا حجة علينا، إنه على ما يشاء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين . انتهى باختصار
التعليقات (0)