مواضيع اليوم

الدوافع الذاتية للالحاد

مهند الموسوعة الحرة

2010-09-27 14:53:29

0

الدوافع الذاتية للالحاد:
عند ذهابي لاحد المحلات الضخمة قبل عدة سنوات...اتذكره واقفا مبتسما مبتدأ بالسلام مع رغبة دائمة بالحديث القصير كعادة بعض المغتربين مع اي عربي يقابلونه لاول مرة، فلديه متسع من الوقت كونه مراقبا امنيا...وبعد مرور شهور على اول لقاء،تبادلنا الحديث والذي من خلاله نكتشف شخصية وطبيعة المتحاور البسيطة دون الدخول بتفصيلاتها المملة!...فهو لبناني مسيحي مهاجر منذ فترة طويلة،وعائلته مقيمة في عدة بلدان،وكنت متوقع انه مسيحي من الولادة الى ان ظهر لي خلاف ذلك! عندما اراني بطاقة انتمائه السابقة لاحد الاحزاب السياسية الفلسطينية اليسارية عندما كان في لبنان، وعندما قلت ان غالبية المسيحيين في لبنان لديهم خلاف مع الفلسطينيين فكيف كانت نتيجة انتمائه تلك وسط محيطه،قال لي انه كان مسلما ثم تحول بعد ذلك للدين المسيحي!...تلك الاجابة جعلتني اتوقف للحظات بصمت وذهول من اجابته لانها اول مرة...ولكن لاحظت ايضا عليه مظاهر الارتباك والحيرة والخوف،ولا ادري ما الذي حدث له،وحينها فسرتها بأنه تصور ان قوله ذلك محتمل يغيضني منه او تبدو بادرة سيئة من خلال وصمه بالردة التي يستحق عليها القتل حسب ما يعرف او على الاقل اظهار الاحتقار لشخصه... الخ من تلك التصورات التي تطرأ على الذهن بسرعة عادة وتختفي بعد انتهاء الحدث ذاته اذا لم تتم مراجعته مع الذات او مع الاخر!.
تداركت حالة السكون بسؤالي كيف تحول خاصة وانه الوحيد المتحول من عائلته؟!...فأجاب انه اقتنع ذاتيا ان الدين المسيحي يمنحه السكون والهدوء والطيبة وان النبي عيسى(ع) هو نبي مرسل للبشرية وان امه عذراء الخ...وعندما اجبته ان معتقداتنا هي نفسها تبعث على الراحة الروحية والطمأنينة! احتار في الاجابة ثم اردفها بقول غريب انه عند زيارة الكنيسة يشعر بهدوء وراحة اثناء الصلاة كونه اختار الدين الذي يجيب عن تساؤلاته!... وعندما سألته:هل سأل احدا ما من العلماء والمفكرين؟او هل قرأ الكتب المعتبرة في العقائد والاديان؟وذكرت طائفة منها له...اجاب بالنفي المطلق!...حينها بادرته كيف ذلك؟! والعادة انه من لا يجد اجابات مقنعة في دين او مذهب يتحول عنه اما بدون عمل بحث وسؤال وتأمل التي تكون عادة بالسنوات فأنه حينها يكون امره غريب وغير مبرر اطلاقا!خاصة في التراث الاسلامي كنوزا معرفية مدونة ليست بخافية على احد او ان تساؤلاته ليست جديدة ووليدة عصرها حتى ينعدم اثر الاجابة!...حينها اخبرني بعذر اغرب هي انه لم يجد العلماء الذين يشبعون احتياجاته، ولم يجد الكتب القيمة التي تجيب عن تساؤلاته وحيرته او لم يجد الوقت الكافي للبحث!...وعندما اخبرته ان بعض العلماء قريبين من مكاننا وأن الكتب موجودة ايضا في احدى المساجد القريبة،وعدني بزيارة العلماء والتحاور معهم وقراءة الكتب التي وصفتها له... وبعد فترة وجدته وسألته هل عمل ما وعدني به قال مع ارتباك واضح: لا! وتعذر بأعذار واهية بينت لي هشاشة بنيته الفكرية والعقائدية فأخذ وقتا قصيرا يتجنب رؤيتي الى ان اختفى مع زحمة الحياة!.
هذا المثال الشائع يختلف عن عنوان ومضمون الموضوع كون المتحول هو الى دين سماوي آخر،ولكن المشترك بين العنوان والقصة هو انعدام البحث المجرد وطرح التساؤلات على اهل العلم والمعرفة والسفر في بطون الكتب بغية الوصول الى قناعات تامة تتيح لصاحبها حرية التغيير حسب مايراه،وهذا هو الجامع مع الذين يتركون الاديان السماوية وبخاصة الدين الاسلامي الى الالحاد لان الغالبية الساحقة لا يقدر حجم عملية كبرى مثل ترك الدين الى الالحاد لما لها من آثار مدمرة بدون اجراءات معتادة من البحث الطويل عن الحقائق العقائدية التي تتصل بالخالق عزوجل وبالانسان والكون والحياة بل ويصل الامر الى تأسيس علوما انسانية جديدة تختلف بنائها التكويني عن العلوم الانسانية القديمة...وانما الغالبية الساحقة لديهم دوافع ذاتية مختلفة دفعتهم للالحاد كرد فعل مضاد لعمل صادفهم او ظرف طارئ قد لا يمت للدين احيانا بصلة او يكون بعيدا عن المعتقدات والمعارك الفكرية المتصلة بها.
ان البحث عن الدوافع الذاتية لتحول الانسان الملحد ليست بالامر الهين لكون الغالبية الساحقة يتجنبون الخوض بها اذا احسوا بخطر ما او بتفوق الخصوم عليهم! او الاحتفاظ بذلك كجزء من الاسرار الشخصية،وعن هذه الدوافع الذاتية للتحول يكون مدار بحثنا هنا،ونقطة البداية لمحاولة تكوين رؤية واضحة..
وراثة الالحاد!:
كما ان الدين او المذهب يورثه اتباعه لذرياتهم،فأن الالحاد يرثه اتباعه ايضا مما يعني ان استمراريته سوف تكون متصلة ولا تنقطع بموت المتحول الاول نحو الالحاد!...ولذلك رأينا كيف ارتفعت نسبة الملحدين في العالم الغربي خلال العقود الاخيرة لانهم ليسوا متحولين بالتأسيس حتى ان بعض الدول الاوروبية مثل جمهورية التشيك والدول الاسكندنافية تفوقت فيها نسبة الملحدين على غيرهم من اتباع الديانات الاخرى!.
والملحدون بالوراثة هم الاكثر ضعفا عادة من الناحية المعرفية في معرفة المسائل العقائدية والدينية من المتغيرين نحو الالحاد،مثلهم مثل المتوارثون لدينهم او مذهبهم والذين يتعبدون به من خلال ما شاهدوه وتعلموه من آبائهم وغالبيتهم لا تبحث في علم ومناهج الاديان المقارنة ولا حتى دراسة المذاهب الاخرى بغية اختيار الاقوى بناءا من الناحية التنظيرية،وغالبا ما يكون هؤلاء غالبية طبقة الملحدين اللاهثة وراء تدبير قوتها اليومي!...هذا يعني ان تشدد وتعصب المتوارثون الالحاديون هو طبيعي ولا يكون واقعا على دراية تامة بالاختلافات مع الاديان السماوية بل جهل تام به او ان بنائهم الفكري يكون هشا اكثر من آبائهم الحريصون على متابعة ومهاجمة كل ما يمت للدين بصلة حتى يثبتوا صحة ما وصلوا اليه! وان مستواهم الثقافي في الاديان والمذاهب والافكار الاخرى سوف يكون ضعيفا جدا ومن السهل مهاجمته لانعدام ثقافتهم القادرة على الصد ولكن من يكون متفرغا لمسائل يعتبرها تخلفا وهمجية؟!.
قد توجد صعوبة في محاولة تغيير الملحدون بالوراثة كونهم غير مؤهلي انفسهم لمثل تلك التغيرات ولكون المجتمع الذي يعيشون فيه منفتح ولا توجد فيه ادنى سيطرة للتأثير الديني في الشارع،حينها يبنى التصور الخاص ان اصحاب الديانات الاخرى هم يعبدون اشياء لايرونها بالعين المجردة وهم بذلك يمثلون التخلف لعدم اعترافهم بالتجربة كبرهان ثابت لا غنى عنه...
من ناحية اخرى ان العملية التبشيرية للاديان السماوية حاليا ضعيفة في المنهج والسلوك الذي يلائم تلك الطبقات المنحرفة وراثيا عن المجتمع المؤمن مما يعني الحاجة الى مناهج جديدة ومتطورة للتعامل مع مستويات عقلية تلك الغالبية التي ترث الالحاد وكأنه دينا جديدا او مقياسا علميا تقاس به الامور كافة وهي لا تعلم ماهيته التامة!.
قد نجد ملحدون بالوراثة وهم يبذلون الجهد لنشر افكارهم وآرائهم وقد يجاهروا بذلك وقد يرجع بعضا منهم الى الايمان نفسه ولكن هذا لا يشكل قاعدة بل هي حالة شاذة لا يعتنى بها ضمن صفوفهم،والريادة دائما تكون للمتحولين الاوائل الذين يملئون الدنيا صراخا وضجيجا!.
اذا الدوافع الذاتية للملحدين وراثيا هي مختلفة كليا عن الدوافع الذاتية للمتحولين بعد ايمان سابق،لانعدام دوافع التحول عند الفئة الاولى ولكن يشتركان بغالبية النوازع الذاتية في السلوك والعمل...

 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات