الدعم الاجتماعي في مجال التمدرس
من المبادرات الإحسانية إلى المقاربة التنموية
عبد الغاني البير()
لطالما سعت المدرسة في مفهومها النبيل لأن تكون سلما للإرتقاء الاجتماعي وآلية لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص ،إلا أنه ومع تعقد مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية...أصبحت المدرسة المغربية مجالا تنعكس فيه بشكل واضح مظاهر التراتبية الاجتماعية وإفرازات مجتمع الفقر والهشاشة، مما يفرض على المؤسسة التربوية توفير آليات للدعم الاجتماعي يكون هدفها تجسير الهوة وتحقيق أقصى حد ممكن من تكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين وتقليص الفوارق السوسيواقتصادية والمجالية.
وفي سياق وعيها بأهمية الدعم الاجتماعي كمكون أساسي من مكونات العرض المدرسي تسعى المدرسة المغربية من خلال المبادرات الإصلاحية إلى استدماج مقاربة اجتماعية سعيا منها إلى الحد من الظواهر التربوية السلبية التي تسبغ مختلف مكونات المشهد المدرسي بالمغرب والتي تتجلى أساسا في ظواهر الهدر والانقطاع والتكرار...
الميثاق الوطني... واستمرارية الخلل
لقد أولى الميثاق الوطني للتربية والتكوين أهمية كبيرة للجوانب الاجتماعية للمتمدرسين من خلال دعامات خاصة لتحسين الظروف الاجتماعية والمادية للمتعلمين وتطوير البنيات التحتية للإيواء والتغذية، إلا أن عشرية الإصلاح لم تتوفق كثيرا في هذا المجال ولعل في خلاصات التقارير الدولية وتقرير المجلس الأعلى للتعليم خير دليل على ذلك من خلال ارتفاع مؤشرات الهدر والانقطاع والتكرار وعدم الالتحاق...والتي تبقى أسبابها الرئيسة مرتبطة بحجم العطب الإجتماعي من خلال ضعف العرض المدرسي وبعد المدارس وضعف القدرة الشرائية للأسر المعوزة وتحملها لنفقات التمدرس هذه النفقات التي ارتفعت خلال السنوات الأربع الأخيرة إلى 1.8 في المائة حسب المندوبية السامية للتخطيط.
المخطط الاستعجالي ... طموح كبير وموارد استثنائية.
في إطار سعيه لإعطاء نفس جديد لتذليل الصعوبات السوسيواقتصادية لمحاربة الهدر والانقطاع المدرسي والمساهمة في تعميم ولوج التعليم الإلزامي تبنى المخطط الاستعجالي مشروعا خاصا بالدعم الاجتماعي ويتعلق الأمر بالمشروع E1-P4 المتمحور حول تكافؤ فرص ولوج التعليم الالزامي كما كان للدعم الاجتماعي امتدادات في مشاريع أخرى.حيث خطط المخطط مجموعة من التدابير المهمة والواعدة مثل توسيع العرض بالداخليات بالوسط القروي من خلال تشييد ما يفوق 600 داخلية في الفترة الممتدة بين 2009 و 2012 مما سيمكن من توفير 730000 سرير أيضا هناك تدبير يروم الرفع من عدد المنح المخصصة للداخليين ومن قيمتها والتي أصبحت 1260 خلال ثلاثة أشهر لكل تلميذ بدل 700 درهم مما سينعكس ايجابا على جودة ونوعية الخدمات المقدمة للمتمدرسين الداخليين، كما يسعى المخطط الاستعجالي وسعيا إلى التغلب على العوائق الجغرافية إلى توفير النقل المدرسي خلال 4 سنوات لحوالي 50000 تلميذ وتلميذة بواسطة الحافلات والدراجات الهوائية وصيغ أخرى تتناسب والخصوصيات الجغرافية لكل منطقة من جانب آخر هناك عمل على تجميع المدارس المتباعدة ضمن مدارس جماعاتية...
مبادرات مهمة وواقع مرير
بالنظر إلى اهمية التدابير المعتمدة من طرف المخطط الاستعجالي وحجم الموارد المخصصة لها يتضح جليا مدى الاهتمام الذي توليه الوزارة الوصية للجوانب الاجتماعية في دعم التمدرس، وقد تجسدت بالفعل على أرض الواقع العديد من هذه التدابير وبشكل واضح وغير مسبوق، إلا أن العطب الاجتماعي للمجتمع المغربي الذي أكد آخر تقرير لمعهد أكسفورد على أن أكثر من ربع سكانه يعيشون في وضعية فقر جعلت من هذه التدابير المنعزلة عن سياقها الاجتماعي العام غير ذات فعالية ولن تستطيع إلا تدبير الأزمة دون حلها جذريا. فالطفل الذي توفر له الكتب المدرسية خلال مستويات معينة ويتم توفير نقله تنتظره بالبيت أسرة معوزة ترى فيه معيلا ومشروع عامل آني مما يرمي بالعديد من الأطفال في براثن عالم الشغل في سن مبكر.من جانب آخر تبقى الفتيات أكثر عرضة للهدر المدرسي بسبب تداخل المعيقات الاعراف الاجتماعية مما يساهم في استمرار تناسل أفواج مهاجري المدرسة.
الدعم الاجتماعي ...من الموسمية وسؤال الحاجة إلى المأسسة والمقاربة التنموية.
إن المتامل في حجم الإمكانات والتدابير المتخذة في سياق المخطط الاستعجالي وعلى الرغم من أهميتها كما وكيفا، فإنه لابد وأن يطرح التساؤل حول إمكانية استمراريتها وهل ستنتهي بانتهاء المدة المخصصة للمخطط، سؤال ولابد أن يحيلنا إلى تجارب سابقة لم تستطع ان تجد لها أرضية مؤسساتية تضمن لها الاستمرارية وبالتالي النجاعة على المستوى البعيد الأمر الذي يفرض ضرورة التفكير في أساليب وآليات تجعل من عمليات الدعم الاجتماعي عملا مؤسساتيا وسيرورة تربوية غير موسمية مما يؤهلها للارتقاء إلى مقاربة تنموية تنتقل بالفعل الاجتماعي إلى عامل من عوامل التنمية الشاملة للمجتمع انطلاقا من المدرسة من خلال خلق مجتمع تعاوني داخل المدرسة مع ضرورة خلق شراكات اجتماعية في إطار انفتاح المؤسسة على محيطها السوسيواقتصادي في مسعى لانخراط جميع الفاعلين ضمن مقاربة وقائية – نمائية – علاجية تقطع مع المبادرات الإحسانية.
منشور بجريدة الحركة العدد 7056 يوم الاثنين 15 نونبر 2010
() مستشار في التوجيه التربوي
التعليقات (0)