مواضيع اليوم

الاشتراكية و قضية الصحراء المغربية . الشهيد عبد السلام المودن

عبدالرحمن هنانو

2010-03-23 21:52:13

0

كان الصراع الدائر حول الصحراء يبلغ عمره انذاك اكثر من عشر سنوات عندما كتب الفقيد عبد السلام المؤذن هذا المقال ، بين المناصرين لحق المغرب في استرجاعه لصحرائه ، والمعارضين لذلك الحق ، وخلال تلك الفترة التاريخية الطويلة ، تراكمت عدة احداث ، ووقعت عدة تطورات سياسية وعسكرية وديبلوماسية ، كما ان العديد من المعطيات الموضوعية الضرورية لاي تحليل علمي ، كانت ، في اللحظة الاولى من انفجار الصراع ، اما منعدمة كليا واما غير واضحة بما فيه الكفاية .
ان تجربة العشر السنوات انذاك أي منذ بدء الصراع ، بين الموقعين المتناقضين ، قد كشف كل الاوراق ، وازاحت اللثام ، عن اطراف الصراع الحقيقيين ، وعن خلفياتهم ومراميهم ، اننا يقول عبد السلام المؤذن انذاك نوجد في وضع افضل من الوضع الذي كان فيه الصراع في بدايته ، مما يسمح لنا بالقيام بتقييم نقدي اكثر موضوعية وشمولية للموقفين المتصارعين حول قصية الصحراء .
والسؤال الذي طرحه الفقيد عبد السلام المؤذن انذاك هو كالتالي :
هل تجربة العشر سنوات انذاك التي استغرفها الصراع الغنية بوقائعها ، قد اعطت الحق للموقف المساند للمغرب ، ام للموقف المعارض ؟ ، من هو الموقف الخاطئ ؟ ومن هو الموقف الصائب على ضوء تلك التجربة الماضية ؟ .
ان المقالة التالية ، بعيدا عن ساحة المعارك العسكرية انذاك الحارة ، وعن ساحة المعارك الديبلوماسية الساخنة ، تريد الاجابة عن ذلك السؤال من خلال نقاش نظري بارد .
1+ - الصحراء المغربية بين الموقف الديمقراطي الحقيقي والموقف الديمقراطي المزيف :
ان أي مناضل اشتراكي يريد ان يتامل بجدية في مسالة الصحراء ، قبل حسم رايه السياسي في هذا الاتجاه او ذاك ، لابد من ان يبدا بطرح هذا السؤال على نفسه : هل الحدود الترابية والجغرافية التي ورثها المغرب المستقل سنة 1956 عن المرحلة الكولونيالية ، هي حدود ديمقراطية ؟ . هل تلك الحدود هي الحدود الطبيعية والتاريخية للدولة المغربية ؟ .
ان اية اجابة عن هذا السؤال تريد الالتزام بالموضوعية لابد ان تنتهي الى جواب النفي . فلقد عانى المغرب في تاريخه الطويل من نوعين من الكولونيالية : كولونيالية كلاسيكية تمثلت ولازالت في احتلال مدن وجزر مغربية من القرن الخامس عشر ، وكولونيالية امبريالية مختلفة عن سابقتها . فالطابع الذي ميز تاريخيا الاولى هو انها كانت تعكس المرحلة الاولى من نشوء الراسمالية الاوربية ، وبالتالي فان الحاجة الى المستعمرات الكولونيالية كانت تقتضيها اساسا اعتبارات تجارية ، أي ان العلاقة بالمستعمرات ظلت في حدود دمجها في عملية تبادل البضائع . ان هذا النوع الاول من الكولونيالية قد قاومه الشعب المغربي ببسالة وتمكن صده ، ويتجلى هذا في تحرير معظم الثغور الساحلية المغربية من قبضة الاسبان والبرتغاليين ، وفي معركة وادي المخازن الوطنية المظفرة .
اما الطابع الذي ميز الكولونيالية الامبريالية ، فهو انها قد عكست تاريخيا المرحلة النوعية العليا من تطور الراسمالية: انها مرحلة تحول الراسمالية التنافسية الى راسمالية احتكارية . فتمركز الانتاج والابناك في مؤسسات محدودة العدد ، قد ادى الى ظهور ظاهرة الاحتكار لدى هؤلاء ( ان التفاهم والتنسيق يصبح ممكنا بين مؤسسات كبرى تتقاسم فيما بينها السوق المحلية ، وهذا ما لم يكن ممكنا في المرحلة التنافسية حيث كانت السوق مجال صراع بين عدد هائل من الراسماليين الصغار والمتوسطين ) . وظاهرة الاحتكار قد ادت بدورها الى الاندماج بين الانتاج الصناعي والابناك ، وبالتالي ظهور الراسمال المالي الذي اصبح القوة المسيطرة على معظم الاقتصاد المحلي في البلدان الراسمالية المتطورة .
ان الظاهرة الاحتكارية الجديدة التي افرزها تطور الراسمالية الكلاسيكية ( القائمة على المنافسة الحرة ) في نهاية القرن 19 ، قد سمحت اذن بتمركز هائل للراسمال المالي في البلدان الراسمالية . ولان المنطق الراسمالي اساسه هو الربح ، وبالتالي فان الراسمال الاحتكاري لم يهتم بتنمية المرافق الاقتنصادية المتخلفة ( الزراعة في ذلك الوقت ) ، او تحسين الاوضاع الاجتماعية للطبقة العاملة والجماهير الشعبية بل لقد قاده منطقه الى تصدير فائض الراسمال ، المالي لتوظيفه خارج حدود دولته القومية . وبما ان هذا التوظيف هو في اساسه عبارة عن استثمار راسمالي في قطاعات الانتاج والقطاعات المرتبطة بها ( مناجم ، سكك حديدية ، طرق ، موانئ ، كهرباء ، زراعة ، صناعة ...) ، فبالتالي لم يكن ذلك ممكنا في البلدان المتخلفة الماقبل راسمالية ، بدون اخضاعها سياسيا . والشكل الوحيد لذلك الاخضاع في تلك المرحلة ، كان هو الاستعمار الكولونيالي الامبريالي . فالكولونيالية اذن في المرحلة الامبريالية ، لها مضمون مختلف نوعيا عن الكولونيالية في المرحلة الراسمالية الكلاسيكية ، في الثانية كان الاساس تجاريا ، هو تصدير البضائع المصنعة ، بينما اصبح الاساس في الاولى راسماليا يتمثل في تصدير الراسمال المالي وغرس الانتاج الراسمالي في في البلدان الكولونيالية ( أي التصدير التجاري هو نفسه اصبح مؤطرا بالانتاج الراسمالي المستحدث في تلك البلدان ) .
ان الامبريالية اذن من حيث الجوهر الاقتصادي ، لاتعني شيئا اخر سوى الراسمالية الاحتكارية . وبما ان الظاهرة الامبريالية لم تكن مقتصرة على دولة اوربية واحدة وانما شملت مجموع الدول الراسمالية المتطورة ، لذلك كان لابد من ان ينشب تنافس وصراع بين الامبرياليات حول المغرب.
وهذا الصراع كان بين : فرنسا وبريطانيا والمانيا واسبانيا ( بحكم موقعها الجيو- سياسي ) . ولقد انتهى ذلك الصراع الى اتفاق سلمي بشان المغرب .( لنلاحظ ان الامبرياليات المتصارعة حول اقتسام مناطق اخرى من العالم ، قد عجزت عن التوصل الى اتفاق سلمي ، اذ بعد سنتين فقط من الاتفاق بشان المغرب اتخذ الصراع طابع انفجار حرب عالمية شاملة ) .
ان الحل الامبريالي لما سمي بالمسالة المغربية ، قد ادى الى تمزيق وحدة التراب الوطني المغربي ، ونزع السيادة عن الدولة المغربية الوطنية . اذ قبل هذه الواقعة ، كانت الطبقة الاجتماعية الحاكمة التي تمثل الدولة الوطنية المغربية هي الطبقة الاقطاعية .
ولقد تشكلت تاريخيا الدولة الوطنية الاقطاعية ، على انقاض الدولة الامبراطورية التجارية التي سبقت هذه المرحلة من تاريخ المغرب . ذلك ان الانتقال من عصر الامبراطوريات المغربية الكبرى الى عصر الممالك الاقطاعية ، هو الذي خلق الشروط الموضوعية لرسم وتعيين الحدود الترابية التاريخية والطبيعية للدولة المغربية الوطنية .
ان الاساس الاقتصادي لهذه الدولة الوطنية ، هو استغلال فائض انتاج الفلاحين المغاربة من قبل الطبقة الاقطاعية المغربية ، بجناحيها معا : الاقطاع المركزي الذي يمثله الحكم المخزني ، والاقطاع المحلي الذي تمثله الزوايا ( خصوصا في فترات ضعف الحكم المركزي ) . وهذا الاساس الاقتصادي هو النقيض للاساس الذي قامت عليه دولة الامبراطوريات السابقة ، والذي كان يتجلى في الفائض التجاري الناجم عن تجارة الذهب التي كان يقوم بها المغرب بين افريقيا السوداء وبين اوربا والشرق .
ان الطبقة الاقطاعية المغربية اذن ، هي صانعة الدولة الوطنية المغربية بحدودها الترابية التاريخية – الطبيعية . ومنذ تاسيس هذه الدولة في المرحلة الثانية من العصر المريني في القرن الخامس عشر ، قد شكلت ميدانا للصراع الوطني ( من جهة ضد الاجنبي الاسباني والبرتغالي المسيحي ، ومن جهة اخرى ضد الاجنبي العثماني المسلم الذي كان يحتل التراب الجزائري التونسي ) ، وفي نفس الوقت ميدانا للصراع الطبقي بين الاقطاع والفلاحين من جهة ، وبين الاقطاع المركزي والاقطاع المحلي من جهة ثانية ( ان هذا الصراع الطبقي داخل الطبقة الاقطاعية الواحدة ، الذي كان يحركه تفاوت التطور بين الاقطاع المركزي المخزني والاقطاع المحلي – الاقليمي للزوايا ، هو الذي يفسر ظاهرة تعاقب سلالات مختلفة على راس الدولة المغربية : السلالة المرينية فالوطاسية فالسعدية فالعلوية ) . ان الحدود الترابية الطبيعية للدولة المغربية ، قد ترسخت تاريخيا عبر ذلك الصراع الوطني والطبقي نفسه .
هذه اذن هي الدولة الوطنية المغربية في حدودها الترابية الطبيعية ، التي ستكون مثار صراع ومنافسة بين الامبرياليات الاوربية في نهاية القرن 19 . وان هذا الصراع بين الامبرياليات الاربع ، الذي انتهى الى اتفاق سلمي قد جسدته الصيغة التوفيقية التالية : تنازل فرنسا لبريطانيا والمانيا عن مطالبها في مصر والطوغو ، مقابل تنازلهما لفرنسا واسبانيا عن مطالبهما في المغرب .
هكذا ستم تمزيق المغرب الى ثلاث مناطق نفوذ امبريالي مستقلة عن بعضها البعض ، المنطقة الفرنسية والمنطقة الاسبانية والمنطقة الدولية ( مدينة طنجة ) .
وفي سنة 1956 بعد حصول المغرب على استقلاله السياسي ، لم تكن حدود دولة الاستقلال هي الحدود الطبيعية الديمقراطية للدولة المغربية التاريخية . فلقد تم بتر بشكل تعسفي اطراف هامة من ترابها . اذن ان طرفاية وافني والصحراء الغربية ظلت خاضعة للاستعمار الاسباني ، بينما الامبريالية الفرنسية اقتطعت منطقة شنقيط لتؤسس فيها دولة موريطانيا مصطنعة ، كما انها ضمت ، عسفا ، منطقة تندوف الى التراب الجزائري ( هذا فضلا عن استمرار احتلال مدينتي سبة ومليلية والجزر ) .
ومنذ ذلك التاريخ والشعب المغربي يناضل من اجل الحدود الديمقراطية لدولته الوطنية . وما قضية الصحراء الغربية سوى حلقة ضمن ذلك النضال الوطني العام ، فماهو اذن الموقف السياسي السليم الذي ينبغي على كل مناضل اشتراكي حقيقي ان يلتزم به تجاه هذه القضية ؟ .
ان قضية الصحراء ليست قضية وطنية فحسب ، بل هي ايضا قضية ديمقراطية لان الحدود التي ورثها المغرب عن المرحلة الكولونيالية الامبريالية ، ليست حدودا ديمقراطية ، هناك اذن تناقض : بين الامبريالية التي رسمت بشكل تعسفي اضطهادي ، حدودا مصطنعة للدولة المغربية ، وبين حق الشعب المغربي في رفع الاضطهاد والتعسف من اجل اقرار الحدود الطبيعية لدولته التاريخية .
ولان الاشتراكيين هم اكثر الديمقراطيين ديمقراطية ، بسبب عدائهم التام لكل اشكال الاضطهاد والتعسف ، فبتالي لايمكن لاي مناصل اشتراكي منسجم مع نفسه ، الا ان يناهض الاضطهاد الامبريالي الموجه ضد الحدود الطبيعية للدولة المغربية .
غير ان بعض مناضلينا الاشتراكيين يقول الفقيد عبد السلام المؤذن في مقالته هذه ، يفهمون الديمقراطية بشكل مقلوب تماما ، فهم مع الديمقراطية ، لكن ليست تلك التي تقر الحقوق الوطنية المشروعة للشعب المغربي ، وانما التي تساند " حق " جماعة من المغاربة الصحروايين في الانفصال عن بلدهم وشعبهم .
ان هذا الموقف السياسي خاطئ جذريا يقول الفقيد عبد السلام ، لانه يستند الى اسس نظرية مهزوزة ومنخورة ، ويمكن حصر اسس ذلك الموقف في اطروحتين رئيسيتين :
الاولى : هناك شعب صحراوي ، وهذا الشعب يطالب بحقه في الانفصال عن المغرب وتاسيس دولته المستقلة . لذلك ، ومن وجهة نظر ديمقراطية ، يجب دعم هذا المطلب الديمقراطي .
والثانية : ان النظام المغربي نظام تبعي للامبريالية ، لذلك فان الصحراء في حالة ضمها الى المغرب ، ستخضع بدورها للاستغلال الامبريالي .
ان هذا الراي الذي يعتبر نفسه ديقراطيا وثوريا – وهو كذلك في المظهر – ليس في جوهره سوى رايا سطحيا حسب وجهة نظر كاتب المقال وذاتيا وزائفا . فلو كانت الظواهر تتطابق مع الجواهر ، لما كانت هناك حاجة للعلم ( كما يقول ماركس ) . فلنناقش اذن اسسه النظرية بتفصيل في الاطروحة الثانية ، بعنوان الخلط بين مفهوم الدولة الوطنية والتحرر الاقتصادي في الحلقة المقبلة من هذا العدد على الحوار المتمدن دائما في اطار تراث الفقيد عبد السلام المؤذن .

بلكميمي محمد ، الحوار المتمدن.




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !