مواضيع اليوم

الإعلام العربي ورهانات الثورة العربية

عبد الغاني البير

2011-06-10 17:14:02

0

أمام ما تشهده المنطقة العربيّة من تحرّكات و ثورات شعبيّة داخلية سلميّة في البعض من أراضيها ومن مواجهات عسكريّة دامية في البعض الآخر منها، يأتي التساؤل الملحّ حول مدى قدرة الإعلام العربي على كسب رهان المرحلة والمتابعة الدقيقة لما يحدث ليفرض نفسه خاصّة إزاء الاستعمال غير المألوف للسلاح والعتاد العسكريّ في المواجهات الدائرة. ويطرح هذا التساؤل إشكاليّة الغياب البيّن لإعلام عربيّ متخصّص قادر على الإلمام بتطورات الأوضاع والنقل الموضوعيّ الأمين لتحوّلات موازين القوى على الساحة مع مراعاة خصوصيّة الوضع المتمثّلة أساسا في كون المواجهات الدائرة ليست بين جيوش دول تقليديّة بل هي بين جماعات مسلّحة بدرجات متفاوتة وتحت مسمّيات وشرعيّات متنوّعة. وتتضاعف أهميّة مثل هذه المتابعات الإعلاميّة في ظلّ غياب المعطيات الدقيقة حول حجم التسلّح الشعبيّ في العالم العربيّ علاوة على غياب خارطة جيوـ ستراتيجية داخلية واضحة تبرز مدى تغلغل التنظيمات المسلّحة و العتاد العسكريّ فيها. كلّ هذا، يضاف إليه صراع المصالح ومطامع القوى الدوليّة والإقليميّة في المنطقة ممّا يجعل الأمر على غاية من الأهميّة و الراهنيّة في الوقت الحالي.
و إزاء ما يلاحظه المتابع للإعلام الغربيّ من عمق في التحليلات العسكرية والإستراتيجيّة لما يحصل عندنا، فإنّه يندر أن نجد مثيلا لذلك العمق في وسائل الإعلام العربيّة جميعا. ذلك أنّ ما يطغى على المشهد الإعلاميّ العربيّ اليوم لا يعدو أن يكون نقلا للأخبار والأحداث دون أن يرقى خطابها إلى التحليل العلميّ الموضوعيّ المؤسس على إحصائيات واضحة وعلى إلمام عميق بوجهات نظر وخلفيّات الفاعلين في الساحة السياسية مع تمكّن من حقيقة خلفيّاتهم ومرجعيات كلّ منهم الفكريّة بما يسمح بتجنّب التلاعب بالمعطيات والابتعاد عن الذاتيّة في التحليل.
و لا يخفى على المختصّين في العلوم السياسية والعسكريّة وعلوم الإستراتيجيا خطورة مثل هذا الأمر خاصّة إذا ما وضعنا في الاعتبار أهميّة التحريّ الصحفيّ الدقيق في توجيه السياسات عند الدول المتقدّمة. فبالتحقيقات والتحاليل الصحفيّة والإعلاميّة الدقيقة فقط تلعب المتابعة الإعلاميّة للأزمات والحروب دورها الفعّال في تخطيط ورسم المستقبل لتمثّل بذلك الواجهة الحربيّة للإعلام في أحد جوانبه. وعلى الرغم من خطورة هذا الدور الذي يفترض أن يلعبه الإعلام العربيّ في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ الأمّة العربيّة، فإنّ نظرة أوّليّة لواقع دور وسائل الإعلام العربيّة فيما تشهده المنطقة لن يخرج في مجمله عن استنتاج خضوعها لتوظيفات رجال السياسة في الداخل والخارج للترويج لخطاب موجّه لا يعتمد التحليل الموضوعي بقدر ما يعمد إلى توظيف المعلومة في إطار سياسة عامّة هدفها تغيير خارطة المنطقة.
ولئن تفطّن أرباب السياسة و الإعلام الغربيّين لخطورة وأهميّة الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام المتخصّص الجادّ في تحديد نتائج الحروب منذ قرون، فإنّ واقع الأمر عندنا مختلف تماما. فقد كانت ولادة الصحافة العسكريّة المتخصصة في الغرب متوازية مع ولادة الصحافة ذاتها وذلك من خلال متابعات الصحفيين وتحليلهم لأخبار الحروب وتطوراتها على اختلاف واجهاتها. من ثمّ، تجاوزت طريقة تعاطي الصحافة الغربيّة تدريجيّا منهج تجميع المعلومات والتأريخ والتوثيق للحروب والعمليّات العسكرية لتصل إلى تبنّي منهج التحليل الدقيق للمعلومة والحدث بطريقة ساهمت بشكل كبير في تحديد نتائج و آثار الحروب عبر تاريخ العالم.
و يشير بعض الكتّاب إلى أنّ الكتابة الصحفيّة العسكريّة الغربيّة كانت في بادئ الأمر تهدف إلى إشباع نهم القراء العادييّن وتلبية لرغبتهم في معرفة تفاصيل الحروب وتطور سيرها واتجاهاتها ونتائجها المرتقبة لتصل لاحقا إلى حدّ التأثير في الأحداث والمساهمة في التغيير بنفس الحجم الذي تساهم به الجيوش على أرض الواقع. لقد كان الإعلام الغربيّ يرى في نشر أخبار الحروب وتفاصيلها سببا مسهّلا لرواجه لما تمثّله هذه الحروب من مجال كبير للاهتمام والمتابعة. وفي مرحلة لاحقة، تفطّن رجال السياسة ومخطّطوها إلى أهميّة سلاح الإعلام فعمدوا إلى توظيفه خدمة لأغراضهم و مخطّطاتهم. ويبدو أنّ إعلامنا العربيّ اليوم لم يرق في مضمونه العميق إلى مواكبة ما وصل إليه حال الإعلام الغربي في عصر البدايات، فحتى دور نقل الحدث وإحاطة الجماهير علما بالخبر أصبح اليوم أيسر من خلال وسائل الاتصالات الحديثة بعيدا عن فوضى الفضائيات وأوراق الصحف المكلفة.
في هذا السياق، أخذت المتابعة الإعلامية للأحداث التي تشهدها المنطقة العربية أهميّة قصوى بالنظر إلى أنّها فرصة تاريخية يمكن للإعلام العربيّ من خلالها أن يدخل التاريخ و يفرض نفسه كمنافس جدّي للإعلام الغربي. وأمام عظمة هذا الرهان، كان النجاح في كسبه أمرا صعبا جدّا خاصّة في ظلّ غياب التخصّص في التحاليل العسكريّة من ضمن المحللّين الذين يتصدّرون المشهد العربي في مقابل التشعّب العجيب في تخصصات المحللّين الغربييّن.
ويشير كثير من الباحثين إلى الدور الذي لعبته ولا تزال تلعبه وسائل الإعلام في التحكّم في وعي الجماهير إلى حدّ سمح للبعض منهم بالحديث عن حروب إعلامية موازية للحروب العسكرية لكلّ منها جيوشه وأسلحته. بل إنّ أحد الكتّاب قد أقام كتابا كاملا يتحدّث فيه عن قصف للعقول تماما كما يستهدف القصف العتاد العسكري. وقد يكتسب الأمر جديّة أكبر وأعمق حين نرى ما ترصده الدول الغربية وبعض من الدول العربيّة من إمكانيات ماديّة ولوجيستيّة هائلة لإعداد العتاد الإعلاميّ والصحفيّ الذي بان بالكاشف أنّ دوره لا يقلّ أهميّة عن دور العتاد العسكريّ. بل إنّه قد يكون الأهمّ في هذا العصر المتميّز بسرعة التطورات الإعلامية والمعلوماتية التي يصعب مسايرتها.
و على هذا، فإنّ دور الصحافة التقليديّة في زمن الحرب العاديّة يتمثّل ـ نظريا ـ في إعلام المتلقّي بتطورات المعارك مع شرح العمليات العسكرية وتبسيطها علاوة على دورها في مقاومة الإشاعات وفي توضيح معالم الحرب النفسية والتصدّي لها والردّ على ما قد يشنّه العدوّ من إشاعات أو ما يروّجه من معلومات مغلوطة قصد التعمية و التعتيم والخديعة. وتزداد أهمّية الصحافة العسكرية أو الحربيّة من خلال تقديمها لواقع المعارك والمواجهات على الميدان بطريقة تضمن شيئين في وقت واحد: الموضوعية والحياديّة من جهة، وإظهار روح البطولة والشعور بالنصر بين المقاتلين من جهة أخرى. ويكون هذا العمل عسيرا جدّا إذ أنّه يفترض نشر روايات صادقة مع تبسيطها لتعكس بطولات المقاتلين وتضحياتهم بطريقة تكون في متناول المتلقي العادي، يضاف إلى كلّ هذا ضرورة التمكّن من آليات التحليل النفسيّ الصحيح ومن تقنيّات التعاطي مع الحروب النفسيّة وحروب الإشاعات وغيرها من وسائل قصف العقول. بذلك، يكون الدور الطبيعيّ للإعلام الحربيّ هو بثّ روح الدعاية النفسية لطرف على حساب طرف آخر ممّا يؤدّي إلى تقوية روح القتال لديه مقابل إضعاف معنويات الجانب الآخر.
ولكن، هل هذا هو الدور المطلوب من الإعلام العربيّ اليوم في ظلّ صراعات حصدت الآلاف من الأرواح العربيّة الزكيّة؟
أكيد أن الإعلام العربيّ قد ساهم ـ بطريقة عفويّة أو مدروسة ـ في الوصول إلى مثل هذه النتائج من خلال طريقة تغطيته للتحوّلات التي تشهدها المنطقة العربيّة. وعلى الرغم من وجود بعض النقائص التي يمكن تجاوزها للوصول إلى حرفيّة أكبر، فقد لجأ الإعلام العربيّ بمختلف توجّهاته إلى تحقيق هدف أوّليّ هو إيصال الخبر إلى المتلقّي العربي. كان ذلك عبر آلية نشر المعلومات دون أن يخلو ذلك من السعي إلى توظيفها في الإطار الذي يتماشى مع الخلفيّة التي تنطلق منها كلّ جهة إعلاميّة على حدة. ففي الوقت الذي روّجت فيه بعض وسائل الإعلام مثلا لمواقف تعتبر التحرّكات الشعبيّة في مناطق مختلفة من تونس أثناء بداية الثورة خروجا عن النظام وأعمالا تخريبيّة وصفت في بعض الأحيان بأنها أعمال إرهابيّة، كانت أجهزة إعلام أخرى تشدّد على أنّ النظام البوليسي في تونس هو نظام قمعيّ وديكتاتوري يحاصر شعبه ويقتّل أبناءه ويسومهم سوء العذاب. وقد نهجت أغلب وسائل الإعلام في العالم العربيّ نفس الطريقة في التعامل مع ما حصل في مصر أثناء ثورة شبابها فكانت بعضها تتبنّى طروحات نظام الرئيس المصريّ السابق حسني مبارك التي تحاول تشويه تحرّكات الشارع في حين كانت وسائل إعلاميّة أخرى تكشف ما كانت اعتبرته حقائق وصلت إليها حول عنف هذا النظام وتقتيله لشعبه المسالم.
قد لا يكون الخلاف مؤثّرا جدّا إذا ما اقتصر الأمر على اختلاف في الخطاب الإعلاميّ، وهو ما يمكن أن نفسّره بتشابك المصالح وتعارضها. ولكنّ قبول مبدأ الاختلاف في طريقة التعاطي مع التحرّكات في تونس و مصر لا يمكن أن يتواصل إذا ما تعلّق الأمر بالثورات الشعبية في بقيّة الدول الثائرة في العالم العربيّ. و المعطى الذي يغيّر ضرورة من منهج التعاطي الإعلاميّ المفترض من كلتا الوضعيتين هو دخول معطى العسكرة الداخليّة و الخارجيّة للصراع في الحالة الثانية. ولعلّ ما يزيد في جديّة التساؤل حول مدى الحرفيّة والمهنيّة لوسائل الإعلام العربيّة هو طريقة التعامل مع المعلومات السياسيّة والعسكريّة المتوفّرة حول الصراع الدائر في ليبيا بين نظام العقيد القذّافي والثوّار المناوئين له بالمقارنة مع تعاطي نفس وسائل الإعلام مع المعلومات المتوفّرة حول الثورة الشعبيّة في البحرين مثلا رغم تقارب الوضعيّات. ففي الوقت الذي كانت فيه أغلب وسائل الإعلام تجمّع ما يخدم مصالح جهة دون أخرى في الصراع الدائر في ليبيا، كانت أغلبها أيضا تتعامل بطريقة مغايرة كلّما تعلّق الأمر بالصراع الدائر في البحرين. وقد كان لهذه الوسائل دور كبير في دخول التحرّكات الشعبيّة في ليبيا منحى جديدا بعد أن بثّت معلومات وشهادات مفادها أنّ نظام القذّافي قد استخدم أسلحة ثقيلة ضدّ شعبه. كانت تلك الأنباء تروّج إلى معلومات مفادها استخدام سلاح الجوّ والصواريخ والقذائف لقمع تحرّكات المدنييّن التي بدت سلميّة ومطالبة بتغيير سلميّ. وفي نفس الوقت الذي كان فيه الإعلام العربيّ يمرّر صور قتلى وجرحى يقول إنّهم من ضحايا نظام القذافي، كان الإعلام الليبي الرسميّ ينقل احتفالات الشعب الليبي وتعبيراته المختلفة عن مساندته لقائده "الفذّ". أمّا عن الاختلاف في طريقة تعامل الإعلام العربيّ مع مختلف الأزمات في بلدان العرب، فإنّ القمع الذي شهدته التحرّكات الشعبية في البحرين مثلا لم يلق نفس الصدى من المحللّين العرب. بل إنّ كثيرا منهم قد باركوه خاصة بعد أن حضي بدعم خليجيّ كبير سياسيّا وعسكريّا. وموطن الاستغراب هنا هو أنّ نفس الجهات التي دعّمت الثورة الشعبيّة في ليبيا هي من دافعت عن قمعها في البحرين !!!
و لئن كان الاختلاف في طريقة عرض الأحداث عاديّا ومبرّرا بالنظر إلى الاختلاف في المصالح والخلفيّات، فإنّ غياب المعلومة العسكريّة الدقيقة في مثل هذه الساحات يجعل من تقييم حياديّة الدور الذي لعبه الإعلام مسألة عسيرة جدّا. ففي الوقت الذي تشنّ فيه قوى دوليّة عظمى ـ بمشاركة وتمويل عربييّن ـ هجومات يوميّة دقيقة ومحدّدة الأهدف ضد مصالح ومواقع مختلفة يقال إنّها تابعة لنظام القذّافي في ليبيا، تتناقل بعض مصادر الخبر عبر العالم أنّ كمّية مهولة من الأسلحة الخفيفة والمتوسّطة والثقيلة قد أصبحت بحيازة أناس لا يعرف الشيء الكثير عن توجهاتهم وخلفياتهم السياسية والفكرية والعقدية. وهذه المعلومات، على أهميّتها وتأثيرها البالغ في مستقبل المنطقة العربيّة عامّة، ومنطقة المغرب العربيّ خصوصا، فإنّه لا من شيء يؤكدها ولا ينفيها. ففي مثل هذه الظروف التي تكون فيها حيازة قطعة واحدة من السلاح خطرا مستقبليّا لا يمكن تصوّره، فإنّ احتمال صحّة الأعداد المليونيّة لقطع السلاح المروّجة يطرح تساؤلا عميقا حول مدى تأثير الحجم الحقيقيّ للتسلّح الشعبيّ والرسميّ في المنطقة العربيّة على مستقبل الأوضاع فيها خاصّة بعد أن كشفت الثورات العربية عن زيف كثير من المعلومات التي كان الكلّ يحسبها من المسلّمات مثل عدد أعضاء جهاز البوليس القمعي لبن علي في تونس، أو تلك المتّصلة بحجم ترسانة الأسلحة المتطورة التي في حيازة الجيش الليبي أو الجيش العراقي السابق أو غير ذلك من المعلومات. ولعلّ هذا الجانب الإحصائي الذي كان من المفترض أن تؤمنه وسائل الإعلام العربيّة هو ما قلّل من جدّية مقاربتها للأحداث إذ سقطت أغلبها في الشخصنة وابتعدت عن الطرح العلميّ الموثوق فيه.
وكتطبيق عمليّ لما سبق، فإنّه في غياب معلومات دقيقة وموثوق بها حول حجم العتاد العسكريّ لنظام القذّافي مثلا أو حول حجم الدمار اللاحق به، فإنّه لا أحد بإمكانه اليوم أن يحصر مدى قدرة الثوّار على فرض سيطرتهم حتّى وإن ثبت أنّهم يحرزون تقدّما ملحوظا. وحتّى إن نحن سلّمنا بفرضيّة قدرة الثوّار على فرض إزاحة نظام القذّافي، فإنّ غموض حجم تسلّح الجماعات المسلّحة الأخرى المنتشرة في المنطقة يؤدّي إلى التساؤل حول مستقبل الوضع في ليبيا وفي المغرب العربيّ لاحقا. والغريب في الأمر أنّ الإعلام العربيّ اليوم يركّز على نقل أخبار تتعلّق بالعمليّات العسكريّة هنا وهناك دون قدرة على توظيف تلكم المعلومات في تحاليل استراتيجية وجيوـ سياسيّة عميقة نظرا لغياب كثير من معطيات التحليل الصحيح وغيابها عن المشهد الإعلاميّ العربيّ.
كلّ هذا يبرز الأهمّية القصوى لمثل هذه التحليلات التي تتطلّب عادة مجهودا إعلاميّا مغايرا لتجميع أخبار المواجهات لكونها مرتبطة بشكل مباشر بالاستقصاءات وغيرها من وسائل العمل والتحرّي الصحفيّ المعتمدة عادة في مثل هذه الحالات من طرف وسائل الإعلام الغربيّة بما يمكّن المحللين من دراسة تطوّرات الأوضع لاحقا والاحتمالات المنتظرة فيها. غير أنّ ما يزيد من أهميّة دور الإعلام العربيّ في الوضع الراهن هو التحرّر من خدمة الأجندات السياسيّة التي برزت بوضوح من خلال ما تعمد إليه بعض الجهات الإعلامية من تضخيم لبعض الحقائق المتعلّقة بهذا الطرف أو ذاك مع التقليل من شأن حقائق أخرى قد لا تقلّ أهميّة. والمخرج من مثل هذه الوضعيّات غير المهنيّة يكون بالتزام الحياد والاعتماد على المعلومات الموثوق بها وعلى مناهج التحليل السياسي والعسكريّ العلميّة بعيدا عن توجيهات هذا الطرف أو ذاك ومصالحه.
أمّا في حالة الخروج عن هذه الشروط البديهيّة للعمل الإعلامي الحرّ والنزيه، فإن هذا الأخير يصبح متّسما بعدم الحياديّة وبالبعد عن التعقّل والتحليل العلميّ الدقيق للمعطيات ولعلّ ذلك هو حال إعلامنا العربيّ اليوم نظرا لقلّة المعلومات الصحيحة المتوفّرة لديه وبسبب انشغال المراسلين الصحفييّن بنقل الأحداث وتجميع ما يناسب توجهات مؤسساتهم من المعلومات والمواقف بدل التحرّي والقيام بالتحقيقات الصحفية العسكريّة والاستخباراتيّة المحايدة بما يساهم في الكشف عن غوامض الأمر ويساعد في فهم الحدث وتحليل أبعاده وآثاره.
إنّ اقتصار مقاربة الإعلام العربّي اليوم على دور تجميع المعلومات وتقديمها بطريقة تخدم الخلفيّة السياسيّة التي تنطلق منها كلّ جهة إعلاميّة هو نقيصة أخرى تضاف إلى نقائصه. وهذه النقيصة ناتجة عن نقص في الإلمام بخصوصيّة وقدسيّة مهمّة الإعلام في مثل هذه الظروف الاستثنائية. ذلك أنّ من أهمّ وظائف الصحافة في فترات الحروب والمواجهات المسلّحة مثلا أن تساهم في استغلال الوضع القائم للقيام بالتثقيف العسكري وذلك بإثراء معلومات المتلقّين حول الشؤون العسكرية عامّة ومن خلال عرض معلومات عن الأسلحة الجديدة والمخترعات العلميّة في مجالات التجهيز والعتاد العسكريّ مثلا (الأسلحة الخفيفة، الطيران الحربي، المدفعيّة و مميزاتها وصفاتها، والصواريخ بأنواعها، ... إلخ). ولا يخفى الأثر الإيجابيّ الكبير لتجميع مثل هذه المعلومات بغاية فهم ما هو دائر على أرض الواقع. ويمكن للإعلام العربيّ أن يلجأ في هذا الصدد إلى مساعدة الجهات العسكرية والمحللّين المتخصصين في الشؤون العسكرية قصد التعليق والتحليل العلميّ لتطوّرات الوضع على الميدان بعد أن يكون فريق من الصحفييّن قد جمّع ما يكفي من المعلومات المطلوب توفّرها بدقّة وحياديّة. كما يمكن لوسائل الإعلام أن تتولّى تجميع ونشر الرسوم البيانية والخرائط لبعض مواقع الصراع بما يسهّل على المتلقّي فهم الاحتمالات المتعدّدة لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع الدائرة حوله.

من جهة أخرى، يدخل في دور الإعلام العربيّ المتابع لمثل الأحداث اليوم متابعة شؤون القتال والتدريب الرسميّ والشعبيّ للقوات المسلّحة مع تتبّع جاهزيّة أفرادها العسكريّة والنفسية والمعنويّة. كما يفترض أن يتناول الإعلام أيضا متابعة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية داخل مناطق الصراع بما يسمح للمحللّين بفهم مؤشرات مآلات الصراع المحتملة بناء على القوانين العلميّة والتجارب التاريخية المعمول بها عادة في التحليل.
وقد يكون مثل هذا التعامل الجدّي مع التغييرات الحاصلة في المنطقة هو الضامن اليوم لجذب المثقّف العربيّ والمتابع العادي ولإقناع المتخصّصين على حدّ السواء بعد أن أصبحت ثورة المعلومات و سرعة نقل الخبر كفيلة بالقيام بدور الإخبار وإيصال المعلومة فأصبح المواطن العربيّ البسيط غير محتاج إلى متابعة الفضائيات المختلفة بمجرّد أن يكون له حساب خاص على شبكة الفايسبوك أو التويتر.


إنّه بات من الأكيد والواجب على الإعلام العربيّ اليوم الاهتمام بتطوير طريقته في التعامل مع الأحداث من خلال نشر موضوعات علميّة وأدبيّة وطبيّة واقتصاديّة وفنيّة ونفسيّة تعنى بجوانب الصراع و تأثيراته على المواطن العربيّ عامّة وعلى من يشملهم الصراع خاصّة. ويكون هذا بالتوازي مع تعرّض وسائل الإعلام للموضوعات المطروحة باعتماد مستوى تخصصّي عال يتماشى مع جدّية القضايا الإستراتيجية المطروحة وهو ما يجعل من وسيلة الإعلام العربيّة اليوم أمام تحدٍّ و رهان كبير جدّا إذ أنّ أمامها الفرصة التاريخية للانتقال من مجرّد ناقل للخبر إلى أخذ دور تأطيريّ و تعليميّ وتدريبيّ للمجتمعات العربيّة بعيدا عن الإغراق في خدمة الأجندات السياسيّة للقوى الدوليّة والإقليميّة.
إنّه رهان أن تكون أو لا تكون بعد أن أثبت الشعب العربيّ أنّه حيّ و حرّ وجدير بأن يكون في وطنه إعلام حيّ وحرّ مثله.


كتبه بسام العموري يوم الثلاثاء 17/05/2011
 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !